القلم السياسي

 

أبو عرب يشجب بشدة

رفعت شميس



أعرف أبا عرب أكثر مما يعرف هو نفسه ، فهو جدي ، و أبي ، وأخي ، وابني ، وحفيدي ، هو أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا ، لكنني سأستخدم ضمير الغائب ، لأنني أخجل من نفسي ، وكيف لاأشعر بالخزي والعار ، وقد أتلفت بيدي صفحات مشرقة من تاريخي المشرف ، بل ومزقت عباءة حاتم الطائي ورحت أمارس بداوتي على الطريقة العصرية في نوادي ليل باريس و لاس فيغاس ، لكنني لم أنس كيف أصلي ، وكيف أمارس هوايتي المفضلة الرقص على أنغام موسيقا المدافع والطائرات التي راحت تمزق أشلاء بني جلدتي في العراق وفي فلسطين وفي لبنان ...
أنا أبو عرب ، لا لا ... سأقول هو أبو عرب ، الذي أثقل جفنيه السهاد ، وغفا ، لكنه استيقظ على صوت الصراخ ، صراخ طفلة تدعى هدى ، كانت والفاجعة على موعد ، فعلى رمال الشاطئ أبوها مسجى جثة هامدة ، وقد مات في قصف جائر هو وجميع أفراد أسرته ، لكن هدى بقيت لتتذكر وتحكي لأحفادها كيف أن أبا عرب استيقظ على صوت صراخها ليقول بحماس فاتر : ندين بشدة ، نشجب ، نستنكر ، ثم عاد إلى سباته ، بينما كان العم سام يطمئن صاحب الزورق قائلاً : لن ندين ، لن نشجب ، لن نستنكر ..... لله درك يا أبا عرب ، جعلوا بيروت مدفأة وقودها الناس وركام الأبنية ، وأنت ما زلت نائم ، أين صوتك الجهوري عندما كنت تقول للعالم : ندين بشدة - نستنكر - نشجب ....
أهنئك أبا عرب لسحر في بلاغتك ،لقد لقنت العام سام وحليفته المدللة درساً في فن الخطابة والفصاحة ،  أهنئك لصمودك الجبار أمام شاشات التلفزة وأنت تشاهد السكين التلمودية تنحر أشقائك ... ....  هل تسمعني ...؟ آه ... لقد عاد أبو عرب إلى سباته العميق .




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home