قصة

 

لأني رفضت عشقها

زينب منصور



لأني  رفضت عشقها

 

 

          لابد أن كرهي للنساء لم يكن شيئا قد نشئت عليه منذ خلقي.... ولا طبعا ورثته عن والدي....ولا حتى كابوسا استيقظت فهكذا وجدت عليه نفسي...

بل هي امرأة..... امرأة واحدة كانت كافية لتحرق كل أوراق النساء من حولي.... ألقتني في عوالم الظلام كما تلقي السفينة الفاسد من حمولتها ليغوص في عمق أسرار المحيط.... أسدلت على عالمي ستارة النهاية قبل أن تحين، لأؤدي ما تبقى من مسرحية شقائي أتخبط في سواد... بعد أن شردت أحلامي و أجهضت آمالي.

        حين قررت الحرب....خاضتها دون أن تعلنها.... و بعد النصر، ها هي تزيح ما علق من غبار المعركة عن كعب حذائها، لتسير بعدها بخطوات واثقة لعل ضحية أخرى كتب لها الشقاء على يدها.

         سنوات مضت.... ما زلت ذاك الإنسان الشقي المجرد الهوية... أراني سائرا دون هدف.... خطواتي و كأن الأرض من تحتي ما عادت تألفها، فباتت معلقة على مجهول.... و فجأة أتوقف هنا.... هنا حيث جامعتي....هنا حيث درست و تعبت... هنا حيث سهرت و تفوقت... هنا حيث أقسمت... أقسمت على  شرف مهنتي، طبيبا يقدس الروح البشرية، سخره الله ليعالج أجسادا تتألم و جروحا تنزف و قلوبا كادت تتوقف.

   و ها أنا الآن أنزف و أتألم... أصارع إرادتي لتتقبل الحياة... أبحث من حولي لعل هناك من ينقذني.... فلا يزيدني البحث سوى ضياعا و استسلام .

كل شيء في جسدي يستسلم و ينهار... كل شيء من حولي يتلاشى و يموت... ما تبقى عندي سوى تلك الذاكرة اللعينة التي ما فتئت لا تكف عن ملاحقة أشباح الماضي، تجتر ذكرياته بتفاصيلها... فأحاول الهرب منها... أحاول الابتعاد عنها... لكنها تحاصر مخيلتي... تلفني في غيبوبة من الظلام لأعيش تلك النوبة الشيطانية... فلا أعود أرى سواها... أشعر أن أنفاسي تتقطع و دقات قلبي تتسارع... ذكريات الماضي... ها هي تتدفق في دماغي كسيل من بركان هائج، تذيب كل ما سواها لتخلي المكان، فإذا بالصورة واضحة، و المشهد يعاد من جديد:

 

       كعادتي في الصباح، جالسا في غرفة الأطباء، أشرب قهوتي مع الزملاء " الرجاء من الدكتور ماهر القاسم التوجه إلى غرفة العمليات" هذا نداء لي. وضعت القهوة جانبا و توجهت إلى غرفة العمليات لأجد الطبيب الجراح ينتظرني... أخبرني أن حالة المريض جهاد تزداد سوءا ، و الحاجة ملحة لإجراء العملية اليوم.

      و على الفور تم تجهيز غرفة العمليات، بينما أعد أنا جرعة التخدير اللازمة. أدخل المريض الغرفة... بقيت و إياه لوحدنا.... سألته عن حاله وكيف يشعر، و قدا بدا فعلا عليه التعب.....  بعد لحظات سمعت صوت ضجة عالية في الخارج.. أناس يولولون ... ماذا يحدث؟؟ بدون وعي مني تركت المريض مخدرا وحده و خرجت.... طرقات الكعب ذاتها التي تلاحقني ،ها هي تمر من جانبي.... حريق في الخارج... أحدهم يقول ماس كهربائي.. والآخر يقول أنه بفعل فاعل... و آخر و آخر.... تمت السيطرة على الحريق بسرعة.

         تذكرت المريض.... عدت إليه مسرعا... طرقات الكعب ذاتها... لكنها تمر مسرعة هذه المرة حتى كادت تصطدم بي.... لابد أن الدكتورة ماجدة كانت بجانب المريض بينما غادرته لأرى ما يحدث.

 

      اجتمع الأطباء لإجراء العملية و عدت أنا إلى غرفة الاستراحة... هي عشر دقائق التي مضت أو ربما اقل. " الدكتور ماهر القاسم فورا إلى غرفة العمليات" شيء غريب يحدث، طبيب التخدير يستدعى مرة أخرى إلى غرفة العمليات . أسرعت على الفور لأفاجئ بالأطباء وقد اجتمعوا يحدقون بي .... اقتربت و سألت " ماذا يحدث؟؟ لم تحدقون بي هكذا؟ كيف كانت عملية جهاد؟ هل..."

" جهاد توفي"....

 " توفي!!! كيف؟ متى حدث و...."

" لابد أن الحريق و ما حدث جعلك تفقد صوابك  لدرجة أن تعطي المريض ضعف جرعة المخدر.... ضعف الجرعة يا قاتل!!!!"

 

قاتل... ضعف جرعة المخدر...جهاد توفي.... كلمات هوت على مسمعي فما عدت أسمع سوى أصدائها تتردد في عالمي المظلم....

       عاصفة هوجاء التفت حولي فبعثرت أشلاء روحي.... نيران جهنمية اندلعت فأحرقت رماد نفسي.... أفكاري ابتلعتها دوامة لا نهاية لها... أنفاسي و كأن غصة وحشية اعترضتها..... و طرقات كعبها تدق كالطبول في عقلي... تدق و تدق... و بعدها أنهار بجسدي فما عدت أشعر بشيء.

 

       وحان وقت المحاكمة.... لا بل حانت ساعة الانتقام... أنا الآن أمثل أمام القاضي محاطا بقفص الاتهام.... محاطا بنظرات الاحتقار... تماما كالتي توجه  لأي مجرم قاتل...

            وتبدأ المحاكمة... كل الأدلة تشير ضدي... الحريق و ما أحدثه من ارتباك لي... لا أحد سواي في الغرفة حين قمت بالتخدير... ولكن مهلا... هي أيضا كانت هناك... ألم يسمع أحدكم طرقات كعبها؟؟ هي أيضا دخلت غرفة المريض... أقسم أني رايتها....

      الدكتورة ماجدة تتفضل للإدلاء بشهادتها....

" هل فعلا حصل و دخلت غرفة المريض وقت الحادث كما يدعي المتهم؟"

" لا" بكل كبرياء.... عادت و طرقات كعبها تحطم سكون المكان كما تحطم آخر دليل لي بالبراءة...

          لحظة إصدار الحكم..." حكمت المحكمة حضوريا على المتهم ماهر القاسم بإيقافه عن ممارسة مهنة الطب وبسحب جميع الشهادات و الأوراق العلمية التي تثبت هويته كطبيب... رفعت الجلسة."

 

     واختفت الحياة.... وضاعت روحي في سراديب القهر و الظلم... غادر كل شيء و بقي الحكم....

     قبل أيام جاءت عارضة علي حبها.... فاتحة لي قلبها... قبل أيام رفضت عرض حبها... كسرت قلبها.

لم أكن ادري أن المرأة حين تعشق... تعشق إلى هكذا حدود... و حين تقرر أن تثأر لا يطفئ نيران ثأرها ماء البحار ولا السدود...

قبل أيام قتلت حبها... واليوم حان موعد ثأرها... فقتلتني...لا... بل قتلته و قتلتني و السبب لأني رفضت عشقها.

 

 

    الاسم: زينب منصور

   فلسطينية اقيم في الأردن

العمر: 21 عاما

طالبة لغة انجليزية في الجامعة الاردنية 

 

 

      

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home