قصة

 

مؤتمر نسائي

موسى حجيرات



مؤتمر نسائي

كنّ يركضن ثم ّ يهرولن ثمّ يركضن ثم ّ يهرولن حتى يصلن... يقفن أمام اللافتة الكبيرة "مؤتمر نسائي"... يدخلن من بوابة مفتوحة على مصاريعها... يفاجأن بالحارس الذي أحكم جلوس مؤخرته في كرسي بلاستيكي اصفر وانسكب نصفه العلوي جانبا ولم يصل إلى الأرض بعد... فغر فاه وأطلق لسانه ميتا كلسان بعير... حملقن به... ابتسمن ثمّ ضحكن بخجل ودخلن وإذا هنّ بأعلى مدرج ينتهي بمنصة ترقص بعريفة متناثرة الشعر... نحيفة هزيلة كأنّ لها ردف واحد... أين الآخر... هكذا الحداثة والـ"موديرن" والموضة... وحين استدارت أيقنت أنها نسيت كليهما في البيت فاستحييت لعظم ردفيّ وكأنّي خطأ أحضرت ردفيّ أمّي.

أمّا أنا فجلست بينهن... لم تكن القاعة قد امتلأت... أمّا نساء المنصّة فكلهنّ حاضرات... توحي أشكالهنّ بالحريّة والانطلاق... فلا مراقب ولا ناقد ولا مرآة في البيت. شعورهنّ كالخنافس البريّة الكسولة قليلة العناية بأنفسها... عيونهنّ ناعمة سوداء بين أجفان ترزح تحت ثقل المساحيق الخضراء والزرقاء والملعونة. خجلت من نفسي فلا مساحيق لديّ وزوجي متديّن وماذا أفعل؟... فكرة... رأيت وأنا داخلة قلم تلوين عند الحارس النائم وهذه فرصة... تسللت وذهبت وإذا به ذو لون أسود ولا يفي بالمطلوب فعدت أدراجي... تكومت في مقعدي ووعدت نفسي في المؤتمر القادم سألون أجفاني بمساحيق حتى لو اضطررت اقتراضها من زوجة الشيخ إسماعيل.

عدت أبصرهنّ... نساء المنصّة وأنظر إلى لباسهنّ فتذكرت حديث زوجي... بالمناسبة زوجي متديّن... ويحب الرسول صلى الله عليه وسلم... تذكرت الحديث عن النساء الكاسيات العاريات... تساءلت أين الكاسيات إنّما هنّ العاريات العاريات... امتدت يدي إلى جلبابي الخشن... شعرت أنّ زفيري أطول من الشهيق فأطلقته فانتبهت جارتي وحملقت بي وكأنّي أسأت إليها فتململت في مقعدي وتجمعّت وتلعثمت فتأسفت فربتت على فخذي وقالت: بسيطة. تبيّن انّّي ما أسأت إليها ولكن خالفت الإيتيكيت، هذا الذي لا أعرفه ولا يعرفه زوجي ولا شيخ العشيرة.

جلست أمامي فتاتان في مقتبل العمر، بل في منتصف العمر ولكن الظاهر انهنّ لم تتزوجا بعد.  لم أر إلا ظهريهنّ النصف عاريين لأنّ فتحتي فستانيهنّ اتسعتا عند الظهرين فبان بكل ظهر خط شعيري  دقيق... تخيلت أنّ صدريهنّ مكشوفان كذلك ولكن لم أرهما... كأنهما دميتان في ملعب سمير ابن الدكتور... كانتا تتهامسان... استرقت السمع فقالت إحداهن: أنا أحب الهيبيّ الطويل الملتوي الشعر... لهثت فتطاير لعابي حتى لامس ظهر الثانية فحملقت بي فتأسفت لأنّي خالفت الإيتيكيت الملعون فرمقتني ولم تعقب وبحركة آلية ارتد بصرها إلى زميلتها وقالت: أنا أحب البوي صاحب النكتة... تنهدّت وقلت  في نفسي: والله ما أحب إلا السمين، غليظ الشاربين، كثيف شعر الصدر، يعشش الفأر في شعر عانته، ملتصق الفخذين، إذا أراد قضاء حاجة سافر عضوه التناسلي مسافة طويلة.

ومن غير تخطيط عرفت أني أصف زوجي فلم أعرف غيره. امتلأت القاعة... أشكال وألوان.. عجيبة غريبة.. أصوات... هرج ومرج... وبين الفينة والأخرى ينطلق صوت العريفة مرحبة بهنّ... بدأ المؤتمر فبدأت نساء المنصّة يعرفن بأنفسهن ... أولاهنّ مربعة الشكل قصيرة الثوب. شاحبة اللون... فاتني أسمها الأول ولكن عرفت أنّها زوجة رئيس فشغلت ما تملك حرّة مثلي وقلت: ربّما جهان.  إلى جانبها جلست صفراء كالعنكبوت السام، تقص تسريحة بوي جبينها يتجعد رغما عنها ورغما عن مساحيقها، تترهل بطتيها فوق كعبيها الذين يعتليان مسمارين حديديين يطرقا الأرض حين تتحرك... عرفت أنّها أميرة وربّما ملكة. أمّا الثالثة فتساءلت: هل هي رجل يجالسهن أم امرأة على الموضة لأنّها لا شعر لها مستطيلة الوجه بنيّة اللون عينيها محملقتان وتنورتها تطلب النجدة... عرفت أنّا وزيرة تربية. بين كل تعريف وتعريف كنّ يصفقن بحماس.  وقبل أن انتهين من التعريف... قلت في نفسي: إن كان كذلك فأنا زوجة السلطان قابوس. وتمنطقت جيدا بإزاري  وتحسست رأسي فإذا بي ما زلت أنا ألفت انتباههنّ وحولي تتمركز أبصارهنّ... كلهنّ موضة... كلهنّ حريّة... كلهنّ حطب جهنم... كلهن انطلاق وديمقراطيّة... كلهنّ مساواة، كلهنّ لعينات فاجرات... كلهنّ تسعين لتخليص المسكينات المظلومات زوجات الرجعيين مهضومات الحقوق... كلهنّ يهتفن بالحريّة والتحرر والتحرير ولا علم لي بذلك ولا خبر وأنا افضل منهنّ وزوجي متديّن... تعبق منهنّ روائح غريبة مؤقتة... معظمها من صالونات باريس...  لكني استطعت أن أميّز بين ذلك روائح البصل والثوم والكوبرا التي تتضوع من بعضهنّ ورائح أصواف الأغنام وشعور الماعز وبنينا روزنبلوم ورائحة اللبن والحليب والتراب والفساء الأنثوي العربي الذي يذكرني بهند وأسماء... ارتحت نفسيا... فمع هذه أعيش وأتلذذ. روائح لا تغطيها صالونات الأنوار في مدينة الأنوار. عادت العريفة ترحب بهنّ وحان وقت الصلاة... نعم سمعت المؤذن وزوجي متديّن... انطلقت خارجة دون أن أصل معهنّ إلى الحرية ولا الانطلاق حتى لم أحصل على المساواة بل واصبح زوجي أبو علي أكثر مما كان . 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home