كتاب العدد

 

في فقه الصراع على القدس وفلسطين

د. محمد عمارة



مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور محمد عمارة وهو مفكر إسلامي بارز قدم للمكتبة العربية أكثر من 150 كتابا وهو عضو في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف وأسهم في تحرير العديد من الدوريات الفكرية المتخصصة كما أسهم في تحرير عدد من الموسوعات السياسية والحضارية العامة مثل موسوعة الشروق وموسوعة المفاهيم الإسلامية.
 

وفي كتابه الجديد حول في فقه الصراع على فلسطين والقدس يحاول المؤلف تقديم رؤية شاملة يستعرض من خلالها تاريخ الصراع بين الغرب الاستعماري والشرق الإسلامي وهو الصراع الذي كانت القدس محوره وبوابة الانتصار فيه. ويشير المؤلف إلى أنه يهدف من خلال الكتاب كشف جذور الصراع وحتى لا نفرط في سلاح الجهاد وطاقاته بينما يتسلح الأعداء حتى بالأساطير ومن هنا كان هذا الكتاب ليقدم الفقه والوعي بأبعاد هذا الصراع.
 

في مدخل تمهيدي لموضوع كتابه يشير المؤلف إلى الدور المحوري الذي مثله الإسلام في صناعة الإنسان السوي خليفة الله على الأرض الأمر الذي أسفر عن إقامة المجتمع الإنساني العادل والمتوازن على أسس من الإسلام وقيمه معجزة إسلامية خالدة ودائمة.
 

ويرى الكاتب أن الجهاد والفداء والاستشهاد هو سبيلهم لهذا الفتح الذي حرروا به الشرق بل الأرض وحرروا الضمير عندما ترك الناس أحرارا وما يدينون وهنا جاء الجهاد الخلقي الذي تألق به عدل الإسلام حتى دخل الناس في دين الله أفواجا فتحول الشرق الذي ظل قلب العالم النصراني لعدة قرون إلى قلب العالم الإسلامي.
 

ويستطرد الكاتب مشيرا إلى سعي الصليبية الغربية لإعادة اختطاف الشرق من التحرير الإسلامي وفي ذلك جيشت الجيوش في الحملات الصليبية التي شاركت فيها كل البلاد الأوروبية فجعلتها حربا عالمية على الإسلام والمسلمين وأقامت الكيانات الاستيطانية اللاتينية في قلب الشرق الإسلامي مدة قرنين من الزمان «489 ـ 690 هـ 1096 ـ 1291 م»
 

ونهضت البابوية الصليبية فغلفت المطامع الاستعمارية المادية والدينية بغلاف الصليبية وخطب البابا الذهبي أوربان الثاني «1088 ـ1099م» في فرسان الإقطاع الأوروبيين سنة 1095 م في كليرمونت بجنوبي فرنسا فقال «يا من كنتم لصوصا كونوا اليوم جنودا .. لقد آن الزمان الذي فيه تحولون ضد الإسلام تلك الأسلحة التي أنتم تستخدمونها بعضكم ضد بعض، فالحرب المقدسة المعتمدة الآن هي في حق الله عينه وليست لاكتساب مدينة واحدة بل هي أقاليم آسيا بجملتها مع غناها وخزائنها العديمة الإحصاء».
 

وبالفعل اقتحمت الجيوش الصليبية مدينة القدس سنة 1069 وقد أبادت كل ما بها من مسلمين حتى أنهم حولوا مسجد عمر بن الخطاب إلى بحيرة من دماء المسلمين.وقد وصفها المؤرخ النصراني مكسيموس مونروند فقال إن الصليبيين خيالة ومشاة قد دخلوا الجامع ـ عمر بن الخطاب ـ وأبادوا بحد السيف كل الموجودين هناك وقد احتمى عدد كبير من المسلمين به خوفا من بطش الصليبيين» حتى استوعب الجامع من الدم بحرا متموجا علا إلى حد الركب بل إلى لجم الخيل». ولم ينس الصليبيون كنوز المساجد في مسجد عمر حيث ظل قائدهم ينهب كنوزه يومين كاملين.
 

ويكمل الكاتب قائلا إن هذه الغزوة الصليبية الأولى استنفرت روح الجهاد الإسلامي لتحرير القدس وفلسطين فقامت دول الفروسية الإسلامية ـ الدولة الزنكية والمملوكية والأيوبية لتعيد بالجهاد الإسلامي تحرير الشرق ثانية من الاستعمار الصليبي الاستيطاني، وبالفعل حررت الفروسية الإسلامية القدس وفلسطين من الغزاة ولكنها بسماحة الإسلام أبقت المدينة المقدسة مفتوحة لكل أصحاب المقدسات.
 

وقد أعلن ذلك صلاح الدين الأيوبي في رسالته إلى الملك الصليبي ريتشارد قلب الأسد «1157 ـ 1199م» فقال القدس إرثنا كما هي إرثكم .. من القدس عرج نبينا إلى السماء وفي القدس تجتمع الملائكة.
 

لا نفكر بأنه يمكن لنا أن نتخلى عنها كأمة مسلمة أما بالنسبة إلى الأرض فإن احتلالكم فيها كان شيئا عرضيا وحدث لأن المسلمين الذين عاشوا في البلاد حينها كانوا ضعفاء ولن يمكنكم الله أن تشيدوا حجرا واحدا في هذه الأرض طالما استمر الجهاد».
 

وضمن استعراضه لمسيرة الصراع على القدس وفلسطين يشير المؤلف إلى أنه في العصر الحديث بدأت الغزوة الصليبية الإمبريالية دورة أخرى ضد الشرق الإسلامي منذ ما يزيد على خمسة قرون فبعد أن نجحت الصليبية في اقتلاع الإسلام وحضارته من الأندلس بدأت في أغسطس من نفس العام الغزوة الصليبية الإمبريالية الثانية وذلك بالالتفاف حول العالم الإسلامي تمهيدا لضرب قلبه والاستيلاء مجددا على القدس وفلسطين وإعادة الاستعمار الغربي إلى الشرق من جديد.
 

وبدأت هذه الغزوة الصليبية الجديدة سنة 1492 أي في ذكرى مرور قرنين على اقتلاع آخر حصون الغزوة الصليبية الأولى في الشرق الإسلامي حصن عكا سنة 1291.
 

ويوضح المؤلف أنه لأن القدس وفلسطين كانت دائما هي رمز هذا الصراع التاريخي فإن كولومبس أشار إلى أن أحد أهدافه من رحلاته إلى أميركا وجمع الذهب بكميات كبيرة هو القدس وفلسطين وفي ذلك كتب إلى القيادة الصليبية الممثلة يومئذ في الملكين فرديناند وإيزابيلا الرسالة الوثيقة التي تؤكد على ضرورة توجيه الحملة الصليبية لانتزاع القدس وفلسطين من أيدي المسلمين.
 

وفي هذه الرسالة يعلن أن هدف رحلته الأصلية في أغسطس 1492 والتي كان هدفها المعلن الطواف حول أفريقيا والذهاب إلى جزر الهند الغربية لتحويل تجارة الشرق عن الطريق الإسلامي لإضعاف العالم الإسلامي اقتصاديا إنما كان أكبر وأخطر وهو تطويق العالم الإسلامي للانقضاض على فلسطين واغتصاب القدس من جديد.
 

وعلى ذلك يقرر المؤلف أن مشروع كولومبس لإعادة الإحتلال الصليبي للقدس قد بدأ يعود بعد ثلاثة قرون من تحرير صلاح الدين لها من أسر الصليبيين القدماء. ثم وصلت المسيحية الصهيونية الأميركية الذروة على هذا الطريق وذلك بوعد بوش الصغير لشارون في أبريل 2004
 

ذلك الوعد الذي كتبه بوش في رسائل الضمانات التي تضمن لإسرائيل كل فلسطين والتي تحرم اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في المنافي من حق العودة الذي قررته الشرعية الدولية في قرار الأمم المتحدة رقم 194 فحتى الحقوق المدنية والدينية التي ضمنها وعد بلفور لعرب فلسطين جاء وعد بوش ليحرم منها اللاجئين الفلسطينيين الذين يزيد عددهم على عدد المستوطنين الصهاينة الذين يستعمرون أرض فلسطين.
 

ويقول الدكتور عمارة أنه اذا كان وعد بلفور قد صدر في مناخ دولي لم يكن فيه شرعية دولية فإن وعد بوش قد ضرب عرض الحائط بكل قرارات الشرعية الدولية والمنظمات الدولية بل وقرارات ومواقف وتعهدات أميركا ذاتها في هذا المقام.
 

ويؤكد الكاتب على حقيقة الطبيعة الأيديولوجية الدينية للمسيحية الصهيونية التي ترى ضرورة اغتصاب اليهود للقدس وفلسطين واقامة الهيكل اليهودي على أنقاض المسجد الأقصى وقيام معركة هرمجيدون التي سيباد فيها المسلمون ومعهم اليهود غير المؤمنين بالمسيح وعودة المسيح ليحكم العالم ألف سنة سعيدة.
 

ويشير إلى أن المقاصد الاستعمارية لديهم ترى هؤلاء اليهود مجرد كيانات وظيفية تعتبر قاعدة استعمارية في الشرق الإسلامي وتعتبر أيضا قفازا للقبضة الغربية الاستعمارية تقسم وحدة أرض الوطن العربي وتحول دون نهوض عالم الإسلام. وقد استمر هذا الصراع الذي بني على مجرد أساطير لمدة خمسة قرون منذ إسقاط الصليبية الكاثوليكية لغرناطة (897- 1492) وحتى الحملة الصليبية لبوش الصغير التي نعالج ونواجه وقائعها هذه الأيام.
 

وفي تقدير الكاتب فإن التغريب والانبهار بالنموذج الحضاري الغربي الذي طبع الثقافة الليبرالية في بلادنا هو الذي خلف الثقافة التابعة والمثقف التابع للمشاريع الغربية والعاجز من ثم عن نقد المشاريع الغربية الأمر الذي جعل الكثير من المثقفين الليبراليين المتغربين يغفلون عن هذا الخطر أو يغضون الطرف عنه بل ويقتربون أحيانا من الخيانة عندما يضفون الظلال الإنسانية على تدفق الهجرات الصهيونية إلى فلسطين وذلك بتصوير المعاناة التي يكابدها هؤلاء اليهود المسالمين.
 

ويعتقد الدكتور محمد عمارة أن العلمانية لعبت دورها في البرود الثقافي على حد تعبيره بمعنى أنها صبغت ثقافة هؤلاء الليبراليين والتي تنفي البعد الديني في الصراعات ومنها البعد الديني في الصراع على القدس وفلسطين ويقول أيضا ولحسن الحظ فإن هذه البلوى الثقافية والفكرية لم تكن عامة في كل دوائر الفكر وتيارات الثقافة في بلادنا فالعلماء والمفكرون والمثقفون الإسلاميون قد وعوا بمخاطر هذا المشروع الصليبي الصهيوني ونبهوا إلى آثاره الكارثية لا على فلسطين وحدها وإنما على الأمة الإسلامية جمعاء.
 

وفي نهاية الكتاب يستعرض المؤلف التنظيمات الجهادية التي قامت في فلسطين بدءا بجماعة الشيخ محمد عزالدين القسام (1882- 1935) ثم الشيخ أحمد ياسين الذي أكمل مشوار الجهاد الذي بدأه القسام وكان وما زال مستمرا حتى بعد وفاة الشيخ ياسين طالما استمر الاستعمار قائما.
 




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home