القلم النقدي

 

اللغة في الخطاب الروائي العربي

د. جميل حمداوي



اللغة في الخطاب الروائي العربي

الدكتور جميل حمداوي
إلى أستاذنا الفاضل عبد الحميد عقار

 

تعد اللغة من أهم مكونات الخطاب الروائي إلى جانب الرؤية السردية والبنية الزمنية والفضاء والشخصيات والوصف والأحداث، لكن تبقى اللغة هي المميز الحقيقي للرواية عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى. كما أنها المادة الشكلية التعبيرية التي تنبني عليها الرسالة الإبداعية التي يرسلها الكاتب إلى القارئ عبر جمل متنوعة : سردية ووصفية ومشهدية وبلاغية وحرفية. لذلك يتم التركيز عليها كثيرا مادامت شفرة وسيطة بين المبدع والمتلقي لأنها تحمل نوايا المؤلف وأطروحاته المباشرة وغير المباشرة من خلال استعمال تعابير مسكوكة أو مستنسخات تناصية أوتعابير تقريرية أو أساليب إيحائية انزياحية و رمزية . و من ثم،فأي روائي لا يملك ناصية اللغة وقواميسها الحرفية والمجازية ولا يحسن توظيفها توظيفا أدبيا ساميا ويستثمرها في سياقات تواصلية وتداولية ذات مقاصد تداولية فنية وتعبيرية في قمة البلاغة والجمال والروعة الفنية فإنه لن يستطيع أن يكون كاتبا روائيا ناجحا ومتميزا. ومن ثم يمكن القول: إن الرواية هي تشخيص اللغة وتصوير الذات والواقع اعتمادا على التشكيل اللغوي. إذاً، ماهو سياق الاهتمام باللغة الروائية؟ وما أنواع الرواية من خلال التشكيل اللغوي؟ وهل يمكن تحديد محطات أساسية للتطور الروائي من خلال التصوير اللغوي؟ وما هي الكيفية التي نعالج بها إشكالية الفصحى والعامية؟ هذه هي الأسئلة التي سوف نحاول عرضها في هذا المقال المتواضع هذا.

1- اللغة الروائية والمقاربات النقدية:

لقد تعامل الكثير من النقاد والدارسين مع اللغة الروائية باعتبارها مادة تعبيرية وحاملة للفكر ومضامين النص وأبعاده المرجعية. إلا أن هناك من كان يدرسها من خلال مقاربة بلاغية تقليدية تركز على الصور الشعرية من تشبيه ومجاز واستعارة وكناية ورصد للمحسنات البديعية ومواصفات اللغة كالرصانة والجزالة والسلاسة والليونة ....وكانت هذه المقاربة البلاغية تسقط مفاهيم البلاغة الشعرية على الرواية  دون مراعاة خصائصها النوعية والتجنيسية وبنائها التعبيري المعقد وطاقته البلاغية واللغوية والتركيبية. وحاولت المقاربات المرجعية سواء الاجتماعية منها أم النفسية ربط اللغة بمفاهيم التحليل النفسي والوعي واللاوعي وعلاقتها بذات المبدع أو ربط اللغة بماهو اجتماعي وطبقي ومدى تعبيرها عن الصراع الاجتماعي بين الفئات الاجتماعية وجنوحها نحو الواقعية والتصوير الموضوعي المحايد بعيدا عن الإنشائية ولغة الاستعارات. ويعني هذا أن الرواية ظلت " ردحا طويلا من الزمن موضع دراسة إيديولوجية مجردة وتقويم اجتماعي دعائي فقط. كانت المسائل المشخصة لأسلوبيتها تهمل إهمالا تاما أو تدرس عرضا وبلا مبدئية: كانت الكلمة النثرية الفنية تفهم كما تفهم الكلمة الشعرية بالمعنى الضيق للكلمة. وبالتالي، كانت تطبق عليها تطبيقا غير انتقادي مقولات الأسلوبية التقليدية(وأساسها المجاز)، أو كان يكتفى بتقويمها بأوصاف فارغة من تلك التي تطلق على اللغة كالتعبيرية والتصويرية والجزالة والبيان وما إلى ذلك دون تضمين هذه المفاهيم أي معنى أسلوبي محدد ومدروس".1 وبعد ذلك أتت اللسانيات لدراسة اللغة دراسة علمية بتفكيك المستويات الصوتية والصرفية والتركيبية والبلاغية والدلالية وتركيبها بواسطة تحليل بنيوي محايث قائم على مجموعة من الثنائيات، ولاسيما ثنائية الدال والمدلول، وثنائية اللغة والكلام، وثنائية المحور التركيبي والمحور الاستبدالي، مهملة بذلك بلاغة اللغة الروائية ومستويات التشخيص فيها. وهذا ما كان يشير إليه  المنظر الروسي ميخائيل باختين بقوله:"إن وحدة الرواية، والقضايا النوعية المتعلقة ببنائها، انطلاقا من عناصر متعددة اللغات، ومتعددة الأصوات، ومتعددة الأساليب- وهي غالبا عناصر متعلقة بلغات مختلفة- كل هذه الأشياء تقع خارج حدود مثل هذه الأبحاث اللسانية التقليدية".2... لكن اللغة الروائية ستعرف انتعاشها مع البلاغة الجديدة أو أسلوبية الرواية التي ظهرت في العقد الثاني من القرن العشرين مع الشكلانيين الروس ولاسيما ميخائيل باختين في كتابيه:(جمالية الرواية ونظريتها)، و( شعرية دوستفسكي)،  حيث أعاد للصورة الروائية واللغوية قيمتها التعبيرية ومكانتها التجنيسية ودراستها بمفاهيم النوع الروائي بعيدا عن معايير الشعر ومفاهيمه البلاغية التقليدية التي تنحصر في ثنائية المشابهة والمجاورة. ويعني هذا أن أسلوبية الرواية قد تخلصت إلى حد ما من أدوات البلاغة التقليدية أو طعمتها بمفاهيم جديدة تراعي خصوصية الرواية من ناحية الجنس والنوع. وأصبحت للأسلوبية مصطلحاتها التقنية والمفاهيمية التي تكون غالبا مستنبطة من الخطاب الروائي نفسه. وقد نتج عن هذا الاهتمام الأسلوبي الباختيني أن أخذت " الكلمة الروائية النثرية تحتل مكانها في الأسلوبية، فمن جهة ظهرت مجموعة من التحليلات الأسلوبية المشخصة للنثر الروائي، وقامت، من جهة أخرى، محاولات مبدئية لإدراك أصالة النثر الفني بالنسبة إلى الشعر ورسم ملامح هذه الأصالة"3. وقد طرح باختين في هذين الكتابين مفاهيم أسلوبية جديدة في دراسة اللغة الروائية مثل: التهجين والباروديا والمحاكاة الساخرة والتهجين والأسلبة والتنويع والصورة الروائية والحوار والتناص والمنولوجية والبوليفونية... وصارت كتابات باختين فيما بعد مرجعا أساسيا للدراسات البويطيقية والسيميائية  وجمالية التلقي في التفاعل مع النصوص وتلقيها وتأويلها. وقد حاول باختين أن يجمع في دراساته بين التحليلين: الشكلاني والمادي وقد تأثرت به جوليا كريستيفا كثيرا في مقارباتها السيميائية في دراسة الشعر والرواية.
هذا، وإن اللغة الروائية عند باختين تتجاوز الكلمات القاموسية والألفاظ المفردة إلى بناء النص الروائي الذي يستند إلى تعدد الأصوات والمنظورات السردية والأجناس وتداخل الخطابات والأساليب اللغوية . ومن هنا يميز باختين بين الرواية المنولوجية والرواية البوليفونية. إذاً، فما خصائصهما الشكلية والدلالية؟

2- الرواية المنولوجية والرواية البوليفونية:

إذا كانت الرواية المنولوجية هي الرواية التي تتكئ على تصور إيديولوجي أحادي وتشكيل سردي مبني على أحادية السارد المطلق العارف بكل شيء، وهيمنة السرد على الخطاب المعروض، وعدم تنويع اللغة، والاكتفاء بسجل لغوي واحد يتسم بالرتابة والتكرار والمعاودة والفرادة الأسلوبية. أما الرواية البوليفونية أو الرواية الحوارية التي يفضلها باختين على الرواية المنولوجية فهي التي تمتاز بالأصوات المتعددة واللغات المختلفة والأجناس المتنوعة وتعدد الخطابات التناصية والمستنسخات النصية وتنوع السجلات اللغوية واختلاف المنظورات السردية والتصورات الإيديولوجية حيث يترك للقارئ اختيار الموقف الذي يلائمه والشخصية التي توافق تطلعاته الفكرية والذهنية والعقدية. ويعني هذا أن الرواية المنولوجية ذات صوت واحد ولغة مفردة وإيديولوجية مطلقة أحادية الجانب حيث يتحكم الكاتب في شخصيات المتن الحكائي كيفما يشاء يوجه مصائرها بطريقة علنية مسبقة. أما الرواية البوليفونية فتحرص على تنويع الخطاب باستعمال أساليب لغوية وبلاغية مختلفة تتراوح بين الحوار الداخلي(المناجاة) والوصف والحوار الخالص والرسالة والسرد بكل أنواعه، واستعمال اللهجات المحلية وسجلات مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية في إطار تواصل تداولي سياقي، فضلا عن توظيف المؤشرات التناصية والمتناصية ذات مرجعيات تفاعلية تاريخية وفنية وأدبية وفلسفية وإعلامية ودينية...إنها باختصار رواية متعددة الأبنية والأصوات والأجناس ، كما أنها مرجعيا هي رواية ديمقراطية في الطرح الإيديولوجي والتشكيل النصي واللغوي تركز على صراع الشخصيات وتناقض مواقفها ولغاته الخاصة التي تجعلها تنتمي لجماعة لغوية معينة تتجلى لنا بكل وضوح في الخطاب الروائي.4. ولكن يلاحظ أن باختين  لا يشير إلى الرواية المنولوجية أو مايسمى بتيار الوعي كما عند جيمس جويس وكافكا وهمنغواي وفيرجينيا وولف ودون باسوس؛ لأن هذه الرواية قمة في العطاء اللغوي وانزياح ملحوظ في الأسلبة والتذويت( نسبة إلى الذات) وإنجاز جديد في مجال التصوير اللغوي، وعظمتها الأسلوبية ليست بأقل من عظمة الرواية البوليفونية التي نجدها عند دويستيفسكي. لذلك، لايقصد باختين بالرواية المنولوجية تلك الروايات التي ذكرناها آنفا، بل يقصد الرواية العادية ذات الصوت الواحد خاصة في روسيا الاتحادية.
ومن أهم النماذج الروائية العربية التي تمثل الرواية البوليفونية كما نظر لها ميخائيل باختين رواية لعبة النسيان للكاتب المغربي محمد برادة حتى إنه حاول أن ينجز رواية طبق فيها وصفة باختين تطبيقا حرفيا أمينا، ولاسيما أنه من السباقين إلى ترجمة الفكر الباختيني في العالم العربي. ولا ننسى كذلك الروايات التجريبية الجديدة التي نوعت تشكيلها اللغوي كما لدى عبد الله العروي في أوراق وبنسالم حميش في مجنون الحكم والعلامة وأحمد المديني وصنع الله إبراهيم وآخرين كثيرين.... أما معظم الروايات العربية الأخرى وخاصة الروايات الواقعية والرومانسية فتبقى روايات منولوجية أحادية الأسلوب والمنظور والراوي والإيقاع، وهذا ما كان يشير إليه عبد الله العروي بقوله:" لقد كانت رواية القرن 19 الكبرى الموضوعية تتطلب على الأقل ثلاث لغات: واحدة تؤسس الموضوعية، وهي وسيلة الاتصال. والثانية تحدد أسلوب الكاتب. وأخيرا اللغة أو عدة لغات تستخدم لإعطاء خصائص الشخصيات. ونادرا ما تحتوي رواية عربية أكثر من لغتين، وفي أكثر الأحيان، لاتكون الثانية سوى لغة متقطعة...".5
ويبين لنا هذا القول مدى أحادية لغة الرواية العربية ومدى منولوجيتها التصويرية وانعدام التنوع اللغوي والتعددية في هذه الرواية إلا في حالات قليلة، وحتى إن اللغة الثانية قد أصيبت بالركاكة والاختلال ورداءة التركيب ونقص خاصية الأسلبة والتعددية اللغوية.

3- أنواع التشكيل اللغوي على ضوء التطور الروائي:

إذا تأملنا الخطاب الروائي في تطوراته الأسلوبية واللغوية فإننا نجد أنماطا من التصوير اللغوي على الشكل التالي:
أ‌- لغة التصوير المباشرة كما عند الرواية الواقعية والرواية الطبيعية والرواية الجديدة.
ب‌- لغة التصوير التراثية كما لدى مدرسة التأصيل الروائي أومايسمى بالرواية التراثية..
ت‌- لغة التصوير الشعرية المجازية كما في رواية المحكي الشاعري.


* لغة التصوير المباشرة:

كانت اللغة التصويرية عند الواقعيين كبلزاك وفلوبير وتولستوي وستندال وعند الطبيعيين كإميل زولا تتسم بالموضوعية المباشرة الرصينة والمفاهيم التقنية والريبورتاج الواقعي التوثيقي القائم على محاكاة الواقع وتصويره تصويرا تقريريا حرفيا جافا خاليا من التصوير البياني والوظيفة الجمالية الإيحائية والانزياج الفني ، وكان الغرض من كل ذلك هو إضفاء الواقعية والإيهام بصدق الواقع والفضاء التخييلي الذي تنقله الرواية. كما كانت الرواية الجديدة مع نتالي ساروت وآلان روب گـرييه وريكاردو تحارب النعوت والانزياحات والمجازات وتهتم برصد الأشياء أو عالم الأشياء. وكل هذه الخصائص اللغوية تنطبق على الرواية العربية وخصوصا روايات نجيب محفوظ الواقعية( بداية ونهاية- الثلاثية-....)، وروايات عبد الرحمن الشرقاوي ( الأرض- الفلاح...)، وعبد الكريم غلاب( دفنا الماضي- المعلم علي....)، ومبارك ربيع( الريح الشتوية...)، وما كتبه الروائيون العرب الجدد مثل صنع الله إبراهيم ومحمد شكري وعبد الرحمن مجيد الربيعي وغسان كنفاني ومحمد عزالدين التازي و شغموم الميلودي ومحمد الأشعري ومحمد برادة...

* لغة التصوير التراثية:

تستند الرواية التراثية إلى لغة التخييل والإسقاط التاريخي واللغة البيانية المسكوكة الطافحة بالمستنسخات النصية ذات الطاقة الإحالية التفاعلية كما تعمل على تعتيق اللغة وتأصيل الأسلوب وتضمينه بعبارات تراثية وترهينه بأجواء التراث على الرغم من إيحاءاته المعاصرة. كما تتميز هذه اللغة بالمفارقة والترميز والأسلبة والتهجين وتداخل اللغات ( العتيقة والمعاصرة، الفصحى والعامية)، وتعدد الأصوات، كما يلاحظ التماهي الأسلوبي والتاريخي بين زمن المغايرة وزمن الثبات أو الماضي والحاضر.
وعليه، فاللغة في الرواية التراثية هي لغة المفارقة الساخرة والباروديا والمقتبسات النصية والتضمين والمحاكاة، وتحمل اللغة في طياتها إيديولوجية العصر، أي إن اللغة ليست بريئة في حمولاتها الفنية، والرمز في هذه الرواية" يتشعب في عدد لانهائي من الانطلاقات الدلالية".6
وتتمظهر هذه اللغة التراثية عند روائيين حاولوا تأصيل الكتابة الروائية العربية لخلق حداثة تتواصل مع السرد العربي القديم وتتجاوب مع خصوصيات القارئ أو الإنسان العربي. ومن أهم هؤلاء الروائيين: محمود المسعدي ( حدث أبو هريرة قال...)، وجمال الغيطاني( الزيني بركات والتجليات وكتاب الليالي...)، وبنسالم حميش( مجنون الحكم والعلامة ومحن الفتى زين شامة)، وأحمد توفيق( جارات أبي موسى)، ورضوى عاشور( ثلاثية غرناطة)، ومبارك ربيع( بدر زمانه)، ونجيب محفوظ( ليالي ألف ليلة)، وإميل حبيبي(الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس)، الخ...

* لغة التصوير المجازية:

تعتمد هذه اللغة على التصوير الاستعاري و الكنائي والترميز وتفجير اللغة والشاعرية والمفارقة فضلا عن المزاوجة بين المحكي السردي والمحكي الشاعري كما نظر له جان إيف تادييه J.Y.V.Tadié7. ويعني هذا أن اللغة في هذا الخطاب خليط من الغنائية والسردية الدرامية وتكثيف للصور الشعرية والنثرية واستخدام كبير للرموز والألفاظ الموحية المعبرة وتأنيث القاموس وتليينه باللغة الشعرية النابضة بإيقاع التذويت والتلوين البياني والبديعي واستخدام الكلمات المتعددة الدلالات  واستثمار اللغة الشاعرية الانزياحية والإيحائية قصد خلق الوظيفة الشعرية والجمالية الخارقة.  ومن أهم الروائيين الذين ارتكنوا إلى هذا الخطاب السردي الشاعري نذكر على سبيل المثال: حميدة نعنع في روايتها( الوطن في العينين) التي قال عنها الدكتور حميد لحمداني:" وإذا كانت لهذه الرواية قيمة جمالية ودلالية معينة، فهي ليست صادرة أبدا عن الحوارية، ولكن عن جوانب أخرى كاستغلال المعطيات التاريخية المرجعية ثم استخدام الأساليب الشعرية على مستوى العبارات بحيث يتم إغراق ماهو تاريخي فيما هو شعوري، يضاف إلى ذلك استغلال المفارقة الفنية بين زمن الأحداث وزمن السرد".8
وهناك روايات شاعرية أخرى كحجر الضحك لهدى بركات ورامة والتنين لإدوار الخراط وأوراق لعبد الله العروي وسوانح الصمت والسراب لجلول قاسمي....


4- إشكالية الفصحى والعامية في الخطاب الروائي العربي:

وهناك قضية شائكة أخرى مرتبطة بلغة الخطاب الروائي العربي تتعلق بالعامية أو اللهجات المحلية، وتتمثل في الصيغة التالية: هل سنكتب بالفصحى أم بالعامية المصرية أو بالعاميات الأخرى أم نزاوج بينها مثلما فعل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ؛ لأن هذه المزاوجة تضفي على النص الروائي نوعا من الواقعية والصدق الفني؟!
هناك ردود مختلفة للجواب عن هذه القضية العويصة، فهناك من يدعو إلى توظيف العامية فقط كما فعل عبد الرحمن الشرقاوي في روايته(الأرض)، وهناك من يدعو إلى تفصيح الرواية كما يدعو إلى ذلك الدكتور عبد الملك مرتاض في قوله:" ينبغي أن نكتب الحوار باللغة العربية الفصحى وأن نكتب لكل مستوى مقامي باللغة المناسبة، فالقراء هم طلبة جامعيون فلماذا لانكتب لهم بالعربية؟ فمن يفهم العامية الجزائرية/المصرية/ الأردنية/ المغربية. إذاً، لابد من تفصيح اللغة الحوارية أو سردنة الحوار بلغة شعرية جميلة. ولايعني أن الكتابة بالعامية هي كتابة واقعية تعبر عن مستوى المتكلم الاجتماعي والثقافي.
إن هذه الظاهرة المزعجة عرفت في بعض الكتابات الأدبية الأخرى حيث كاد بلزاكBalzac وهيجوVictor Hugo وسواهما ينادون بالويل والثبور، وعظائم الأمور، مماقد يلحق الأدب الفرنسي من مصائب العاميات المحلية الفرنسية، إلى أن جاء مارسيل بروست فحاول أن يقيس اللغة على مقدار الوضع الاجتماعي للشخصية في كتاباته الروائية".9 وهناك من يتبنى المزاوجة والتعددية اللغوية لمراعاة الفوارق الطبقية والاجتماعية واستخلاص الأبعاد الإيديولوجية من خلال صراع اللغات وتعدد الأساليب كما نجد ذلك في روايات توفيق الحكيم( يوميات نائب في الأرياف...)، ومحمد برادة( لعبة النسيان على سبيل الخصوص...).
وفي رأيي ، من الأفضل أن نقوم بتفصيح الرواية وجميع الفنون والأجناس الأدبية وخاصة السينما. وذلك لأننا لانفهم مايقوله العراقيون ولا الكويتيون ولا الأردنيون ولا التونسيون. فكم من مسرحيات هادفة وجادة لاتحقق التواصل بين المغاربة والمشارقة! والسبب يعود إلى كثرة العاميات واختلافها من بيئة إلى أخرى. لذلك لابد من استخدام اللغة العربية في جميع المقامات التخاطبية لنحقق التواصل بين المرسل والمتلقي، ونرفع من مستوى الثقافة والتواصل الأدبي والفني في عالمنا العربي. وينبغي كذلك أن تكون اللغة الروائية خاضعة لقواعد  البيان العربي وقابلة لتفجيرها انزياحا وإبداعا واشتقاقا وتوليدا لخلق حداثة فنية. ويقول عبد الملك مرتاض:" إنا نطالب بتبني لغة شعرية في الرواية، ولكن ليست كالشعر، ولغة عالمية المستوى، ولكن ليست بالمقدار الذي تصبح فيه تقعرا وتفيهقا... غير أن عدم علوها لايعني إسفافها وفسادها وهزالتها وركاكتها..., ذلك على أساس أن أي عمل إبداعي حداثي هو عمل باللغة قبل كل شيء".10
وبناء على ماسبق، ستبقى اللغة أهم مكون جمالي وإبداعي في عملية الخلق الروائي بعد أن استغنى الروائي المعاصر عن عدة مكونات سردية مثلك الشخصية والحدث والفضاء، ولكنه لايمكن له أن يستغني عن اللغة في التصوير والتشكيل وسرد الأحداث. وبالتالي، على الروائي أن يكون قادرا على توليدها واستثمارها واستعمالها في أحسن الصيغ الاستعارية والمجازية: تقريرا أو تفجيرا أو إيحاء أو تعيينا. ولابد أن تكون اللغة تناصية خاضعة للتعدد الحواري والأسلبة والتهجين الأسلوبي، ولكن في إطار مراعاة اللغة العربية الفصحى بقواعدها المعيارية وأبعادها البلاغية والجمالية. ولقد صدق عبد الملك مرتاض حينما قال:" اللغة هي أساس الجمال في العمل الإبداعي من  حيث هو؛ ومن ذلك، الرواية التي ينهض تشكيلها على اللغة بعد أن فقدت الشخصية(PERSONNAGE) كثيرا من الامتيازات الفنية، التي كانت تتمتع بها طوال القرن التاسع عشر، وطوال النصف الأول من القرن العشرين أيضا... إنه لم يبق للرواية شيء آخر غير جمال لغتها، وأناقة نسجها".11
وأخيرا، ننبه نقادنا- خاصة نقاد الخطاب الروائي- إلى الاهتمام باللغة الروائية، وأن يحاولوا دراستها اعتمادا على مفاهيم اللسانيات النصية المعاصرة والأسلوبية الحديثة لا بمفاهيم البلاغة القديمة، وأن يوسعوا من مفاهيم ماورثناه عن البلاغة القديمة ، وأن يحللوا المقاطع اللغوية في إطار الوحدة الكلية للرواية، مراعيا تنوع أسلوبها وخطابها النوعي والأجناسي. وألا نسقط مفاهيم الشعر على الرواية إلا إذا أفرغناها من محتوياتها الضيقة، وشحّناها بطاقات أكثر اتساعا وإحاطة لفهم الرواية وتذوق جمالياتها.

ملاحظة:
جميل حمداوي( عمرو)،JAMIL HAMDAOUI AMAR، ص.ب: 5021 اولاد ميمون ، الناظور 62002ن المغرب.


1 - الهوامش:
1- ميخائيل باختين: الكلمة في الرواية، ترجمة: يوسف حلاق، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، سوريا، ط 1 ،1988 ، ص:7؛
2 - M.BAKHTINE : ESTHETIQUE ET THEORIE DU ROMAN. Traduit du russe par Daria Olivier. GALLIMARD.1978.P :90 ;
3 - ميخائيل باختين: الكلمة في الرواية، ترجمة: يوسف حلاق، منشورات وزارة الثقافة ، دمشق، سوريا، ط1، 1988، ص:9؛
4-M.BAKHTINE : le roman polyphonique, in : la Poétique de Dostoïevski, SEUIL 1970, p : 31 ;
5 - د. عبد اللع العروي: الإيديولوجية العربية المعاصرة، تحقيق محمد عيتاني، دار الحقيقة، بيروت، لبنان،ط6،1970،ص:253؛
6 - د. سيزا قاسم: روايات عربية- قراءة مقارنة- شركة الرابطة، ط1، 1977، ص:64؛
7 - A regarder : J.Y.Tadié : Le récit poétique.Edition PUF.1978 ;
8 - د. حميد لحمداني:أسلوبية الرواية، منشورات دراسات سال، ط1، 1989، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ص:72؛
9 - د. عبد الماك مرتاض: في نظرية الرواية، عالم المعرفة، عدد:240، ط1، 1998، ص:119-120؛
10 - عبد الملك مرتاض: نفسه، ص: 126؛
11 - نفسه، ص: 116.

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home