القلم السياسي

 

هل باتت المقاومة الفلسطينية تُمسك بزمام المبادرة؟

هيثم أبو الغزلان



هل باتت المقاومة الفلسطينية تُمسك بزمام المبادرة؟

هيثم أبو الغزلان*

"نموذج التعايش الوحيد بيننا وبين الفلسطينيين هو نموذج تعايش بين حوت وحمامة، فهما ينتميان إلى عالمين مختلفين". (أبا إيبان، وزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق).
ما حصل ويحصل من تطورات دراماتيكية على الساحة الفلسطينية؛ فوز حماس الساحق، حالة الفلتان الأمني، ازدياد الأعمال العدوانية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، العملية الفلسطينية النوعية "الوهم المتبدد" وأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شليط، والتي ردت عليها إسرائيل بعملية "أمطار الصيف".. كل هذا يجعل التساؤل مشروعاً: هل عادت الأمور إلى "مربع العنف الأول"؟ ومن يُمسك بزمام المبادرة: إسرائيل أم حركات المقاومة الفلسطينية؟
من الواضح أن الأحداث الحاصلة الآن هي نتيجة تداعيات فشل عملية "السلام"، بدءاً من اتفاقية أوسلو عام 1993‏ وملحقاتها، ‏وغموض مضمون خطة خريطة الطريق في ضوء التحفظات الإسرائيلية والضمانات الأمريكية المقدمة للأخيرة فيما يخص شكل التسوية النهائية مما أدى إلى بلورة مقترب التسوية أحادية الجانب من قبل الجانب الإسرائيلي الذي بدأ بالفعل في عملية ترسيم الحدود متستراً في مرحلة أولى وراء مفهوم العملية السياسية وضرورة توفير "الأمن" ضد العمليات الاستشهادية ودافعاً في الوقت الراهن بغياب الشريك الفلسطيني الذي يمكن التوصل إلى حل تفاوضي معه‏.‏
وبعد فوز حماس اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت حكومة حماس حكومة معادية، مؤكداً إصرار "إسرائيل" على الاستمرار في تنفيذ خطة الانطواء، وسياسة الاغتيالات، والحصار.. هذه الإجراءات الإسرائيلية العملية تخالف الحقيقة التي توصل إليها رئيس جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك) سابقاً عامي أيالون القائلة إن الشعب الفلسطيني فقد الثقة بالمرحلة السابقة والتي كانت مشحونة بكثير من أوهام التسوية والأمل بالصلح والتعايش السلمي والتطلع إلى مستقبل واعد مشترك في عمليات البناء للأجيال القادمة. وركل بقدميه بعيداً كل عناصر ومكونات تلك المرحلة وجاء بعناصر ومكونات جديدة اختارها عبر حرية الاختيار التي توفرها الديمقراطية وصناديقها التي رسمت "نعم" كبيرة للتحدي و"لا" أكبر للخداع ومواصلة تجاهل الحقائق التاريخية وحقائق الواقع التي تقول إنه لا يمكن للإسرائيليين أن يعيشوا بسلام وأمن قبل أن تكون متواترة وبالمستوى نفسه والكم والكيفية في الجانب الفلسطيني وقبل عودة الحقوق الفلسطينية وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية فوق المساحة الجغرافية الفلسطينية بحدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967.
وأدت ممارسات الاحتلال الإسرائيلي إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة بأرقام قياسية في المناطق الفلسطينية المحتلة، إذ وصلت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر إٍلى 65 في المئة، وبلغت نسبة البطالة أكثر من 55 في المئة، بسبب محدودية سوق العمل الفلسطينية على الاستيعاب، ومنع العمال الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل. وترافق ذلك مع تراجع مستويات الدخل، وتدني مستوى المعيشة، وارتفاع حاد في مستوى التضخم، وعانى الاقتصاد في السنوات الخمس الماضية تراجعاً حاداً في مستوى الإنتاجية، إذ تجاوزت خسائره في السنوات الخمس الماضية 12 بليون دولار. ويعود ذلك بشكل أساسي لارتباط الاقتصاد الفلسطيني الوثيق بالاقتصاد الإسرائيلي، والذي كُرس باتفاقيتي "باريس 1" و"باريس 2" الموقعتين بين السلطة وإسرائيل. بالإضافة إلى تحكُّم إسرائيل من خلال إجراءات الإغلاق وإقامة الحواجز العسكرية بين المدن بالتجارة الداخلية الفلسطينية، وهذا ما جعل القطاع الصناعي الفلسطيني الخاص مهيكلاً ومركباً وفقاً لما تمليه علاقته بالسوق والاقتصاد الإسرائيليين.
ومن هنا من الصعب أن يتم الفصل بين الحصار المالي والاقتصادي والسياسي والعسكري المفروض على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبين مشروع ايهود أولمرت لفرض الحل الدائم ورسم حدود إسرائيل من جانب واحد.
ومن شأن هذا الحصار أن يخلخل، بل ربما أن يحدث انهيارات في بنيان المجتمع الفلسطيني، وفي مؤسسات السلطة، خاصة إذا ما استمر انحسار أموال الدعم الخارجي، والتي مصدرها بشكل رئيسي أوروبا والولايات المتحدة، وأموال الضرائب التي تجنيها سلطات الاحتلال عند المعابر والحدود لصالح الفلسطينيين.
فأولمرت يريد أن يواصل طريق تجاهل الطرف الفلسطيني في الصراع والاستمرار في الخطوات الأحادية الجانب، ليس فقط للانسحاب الجزئي من الضفة الغربية وإزالة بضع عشرات من المستوطنات، بل أيضا لترسيم الحدود الفلسطينية.
ومن هنا وفي ضوء المعطيات السابقة يبدو واضحاً أن الموقف لا يصب في خانة التسوية وتكاد تنحصر السيناريوهات التي تُترك لحماس في بديلين أولهما: تقديم التنازلات المطلوبة دون مقابل مع علمها المسبق بأن ذلك سيفقدها مصداقيتها في نظر الشعب الفلسطيني ويقود إلى فرض السلام الإسرائيلي.
أما الخيار الثاني فيتمثل في انسحابها من اللعبة السياسية وعودتها إلى معسكر المواجهة، ولعل النظرة المتعمقة إلى كل من الخيارين السابقين تبرز أن أياً منهما لا يمكنه أن يقود إلى إحلال "السلام" والاستقرار الأمر الذي يفرض بإلحاح ضرورة البحث عن مقترح آخر. ويبدو أن عملية "الوهم المتبدد" قد تقود إلى الممارسة العملية لحماس في الجمع بين السياسة والمقاومة، وخصوصاً بعد اعتماد الفصائل الفلسطينية باستثناء الجهاد وثيقة الوفاق الوطني. وما هو حاصل فعلياً من عدوان إسرائيلي على الفلسطينيين في مناطق السلطة الفلسطينية، بعد عملية "الوهم المتبدد" وأسر الجندي سيقود إلى فرض "الحل الفلسطيني" المتمثل بإطلاق سراح معتقلين فلسطينيين مقابل إطلاق سراح الجندي. فرغم الخطاب الإسرائيلي "الفارغ والمتشدد" والذي سبق لحكومات إسرائيلية أن استخدمته إلا إنها في نهاية المطاف رضخت وأنجزت صفقات تبادل الأسرى، بل حتى تبادل الجثث.
ودعا المعلق في صحيفة "يديعوت احرونوت" يارون لندن الحكومة إلى أن تعالج الأزمة الراهنة "بحكمة وذكاء" وأن تتحلى بالصبر والحذر "لا أن يجر الجيش الإسرائيلي غير الملجوم المستوى السياسي المبتدئ والحائر، مثل اولمرت وعمير بيرتس نحو اللجوء إلى القوة العسكرية الوحشية وتدمير بقايا الحياة العادية الأخيرة في الموقع الأكثر اكتظاظاً سكانياً في العالم".
وهذا ما أكدت عليه صحيفة "هآرتس" والتي أوضحت أن أسلوب الضغط على المدنيين "جُرب من قبل وأثبت فشله"، مذكرة بما قامت به إسرائيل في جنوب لبنان من "تدمير للبنى التحتية وترهيب للسكان"، ومحذرة من أن هذه الأساليب كثيراً ما تفضي إلى نتائج عكسية تتمثل في "زوال الانقسامات الداخلية وتشكل قيادة قوية وموحدة"، مثلما حدث -تتابع الصحيفة- في جنوب لبنان، حيث "أُجبرت إسرائيل على التفاوض مع حزب الله والانسحاب من لبنان".
وأخيراً، من الواضح أن إسرائيل لا تريد إسقاط السلطة الفلسطينية على اعتبار أن "البديل هو الفوضى أو عودة الاحتلال الإسرائيلي الكامل" ـ بحسب الكاتب الإسرائيلي داني روبنشتاين ـ، ولذلك يبدو أن حماس استطاعت أن تكسب جولة الصراع هذه بامتياز، ومهما تكن نتائج عملية "أمطار الصيف"؛ استعادة الجندي، أو قتله، أو مبادلته، فإن حماس حققت نقلة نوعية في عملية صراع المقاومة مع إسرائيل، وبالتالي قد تكون عملية "الوهم المتبدد" مدخلاً جديداً للمقاومة الفلسطينية لترشيد عملها بتحقيق أفضل النتائج بأقل الخسائر الممكنة. 
*كاتب فلسطيني

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home