قصة

 

القلب على الجدار

أمير على



اتفقت معها أن تقابلنى عند مكاننا المعتاد .. صخرتنا ،شاهدنا الحجرى الضخم ، أطلقنا غليها صخرة الملتقى لكنها تأخرت وظللت جالسا على الصخرة ..أمامى بحر الاسكندرية ،زرقة الى ما لا نهاية .. عندما أتت نسيت أنها تأخرت ، جلسنا على صخرتنا . الصخرة غادرت الأرض وطفت فوق البحر ، طفت لأعلى ، وطارت .. طارت فى الأعالى  ثم حطّت فى مكان بعيد بديع ، الجنة أعتقد .. كنا أنا وهى فقط ، فى جنتنا لكنها قامت فجأة .. أمسكت يدى فى حنان ورقة ، اضطرب لها قلبى  وكانت عينيها أجمل بكثير وهى تنظر لعينى ,, لمحت على وجهها حزنا هادئا، وسمها أجمل البشر .. توجّست وشددت على يديها وأنا أسألها  " مالك يا بثينة؟!"  ، نظرت فى عينى ثانية .. توغلت نظرتها فى فراغ غير مرئى حتى نطقت هامسة ، بصوت كرائحة الياسمين .. صوت أنعشنى " حسن ، إنت بتحبنى؟"! .. حسن .. حسن ..حسن حسن الذى هو أنا ، لكنها تنطقه كما لوكان غيرى ، كأنه أنقى ما فيّا  .. وعندما نظرت فى عينيها لأتبين ما تقصده ، يالله ، كأننى أراها منذ زمن بعيد .. كأنما أقابلها لأول مرة .. وددت لو أسلب قبلة واحدة منها  ..حتى أننى لا اتذكر ما الذى قلته  ، لكنها لا تنتظر منى جوابا على سؤالها المباغت ..هى تعرف ذلك  .. أحبها .. كلا ، لا أحبها.. بل إننى هى . الحب هذا بين الغرباء ، بين البشر  ، أما هى فملاك ، أبدا .. لكنها عادت تقول برقتها التى تعذبنى " طب ، اوعدنى إنك حتفضل تحبنى "! .. يا نجمتى ، يا كعبتى ، ماذا أفعل ؟! .. احترت . كنت كالطفل المدلل .. أكانت تداعبنى وتدللنى حقا ! .. ابتسمت لها وضغطت على يدها ، أردها من شطحاتها الخيالية تلك لواقعى الخيالى. لكنها كانت جادة بخيالها وكنت خياليا فى جدى .. " أوعدك ، وخفت .. ارتعبت ، لماذا تقول مثل هذا الكلام .. قلقت من نيتها  ، أعرف أنها تقابلنى بالكاد وأن الظروف دوما لا تقف بجبانب السعادة بل تبغضها وتحاربها ، هل ستسافر مثلا وتتركنى .. كانت لتقول لى ، فكرت فى أن أدير دفة الكلام لموضوع آخر ... أمسكت ذراعها واتجهت لسور الشاليه القريب.. وقفت ساكنة ، تعرف أننى غريب الأطوار ..تقول أنها تحبنى لأجل ذلك "..تدّعى أنك لا تحب الرومانسية وأنت أكبر رومانسى على وجه الأرض " .. أنا فى نظرها رومانسى لأننى غريب الأطوار ..وأنا غريب الأطوار لأننى لا أخجل من فعل أى شىء لأجلها .. وجدته ، حجر جيرى صغير ، كان رطبا من أمطار الأمس ، هكذا لن ينمحى الشاهد أبدا .. سيكون حجة علينا نحن الاثنين .. تناولت الحجر وعدت لها ، وهى لا تزال ترقبنى بعينيها البديعتين .. " لله ما أحلى عيون العاشقين حين يبسمون " ، لله ما أصدقك يا عبد الصبور

 رسمت على الحائط قلبا أبيضا .. قلبا صغيرا ، فى حجم قلبينا معا ، قلبها أكبر من قلبى لكن قلبى أعمق من قلبها وكل محتواها هى  .. رسمت سهما اخترق هذا القلب دون أن ينزف .. الخيال لا يطى الدم لونه الأحمر .. سهما صغيرا استعرته من جعبة كيوبيد ، لا ينقصه سو لونه ، كذلك اللون الذى يغطى سلسلتها الذهبية ة.. لم تخجل منها  منذ أن أهديتها لها فى الفالنتين الماضى .. هى تعرف أهنها فالصو  ، السلسلة فقط .. لونها فقط فالصو ، لكن السهم حقيقى وذهبى .. تكتمل أسطورتنا به .. من مثلتا من البشر الذين يدّعون ؟!
 معذرة يا كيوبيد ، على طرف السهم كتبت أول حرف من اسمها " ب" ، وناولتها الحجر  دون أن أنطق بكلمة .. كنا وحدنا وكان صمتا .. صمتا رائعا .. أمسكت هى الحجر  بأناملها المرمرية  ، وفوجئت بها تكتب حرف " ه" .. هاء من  ؟! هل لذلك معنى أو دلالة؟! .. لكنها ضحكت ، صراحة لقد استفزتنى وغضبت فعلا .." هسن ، بالانجليزية يعنى . يالله ، قالتها بدلال ساحر ، ماالذى منعنى لأتقدم نحوها وأحضنها .. أحضنها بقوة حتى يذوب كلى فيها  ، أن ألتهم هاتين الشفتين ، حتى أذوى .. لكنها تراجعن ربما لتعطينى فرصة لأقترب أكثر .. أمسكت نفسى ، سيجىء يوما لن يمنعنا أى شىء .. ضحكت معها على انجليزيتها ولكنتها المضحكة .. إنها ملاك ، بحق .. كن حائها أجمل من بائى ... أمسكت الحجر ثانية  واشرت كلأستاذ بصاه " ح" .. "ب" ، تبقى ايه ؟ .. لأجل ذلك ولدنا يا غمامتى الحارسة التى تكللنى ، يا قطرات الندى التى تحيينى ، يا سور الزهور الذى يحمينى  ، يا شمعتى الوحيدة التى تنير فؤادى .. لأجل الحب " ح .. ب"  ، مع أنه من حرفين يتيمين ! .. زككل مرة ، كل سعادة  ، لماذا يا ربى نفيق من أحلامنا السعيدة  فى قمة النشوة ؟ .. لماذا ندفع ضريبة السعادة فى النهاية و بعد أن نتشربها ..لماذا تجىء السعادة مقدما دائما ...! هكذا ، طأطأت رأسها  وأشارت ل"الهوم" فى شاشة تليفونها المحمول المهتز .. إننى أكرهه وأكره ذلك الهوم  .. لكنها ضحكت أيضا .. -" حسن ، أنا اتأخرت .. لازم أمشى " .. أعرف ، لكننى لا أعرف .. كما لو أن حجرا من السماء سقط على رأسى
-| طب ، أوصّلك؟ !"
-" ما انت عارف " .. ن طبعا عارف .. وأتمنى أن يأتى اليوم الذى لا أعرف .. ما العيب   فى ذلك ، لا عيب ولا حرا .. با أصفى واسمى فعل فى الحياة والكون كله .. هى تكتب الفاعل وأنا أكتب المفعول ، والفعل نكتبه معا .. جمل ، جملة  .. أرشيفنا الطاهر ، حافظ عليه يا كيوبيد .. حافظ عليه وغلاّ خلعت عنك التاج ....   - ط ح أستناكى بكرة  فى نفس الميعاد .. ح أستناكى العمر كله " .. .. أنتظر  الغد واليعاد .. البحر أيضا أمامى كان سعيدا  ، لم يكن مالحا ن بل عذبا .. البحر تداخل فى كيانى  وهاجت أمواجه داخلى .. سكرانا ومنتظرا
---------
" الكلاب يقولون أنها ... الكلاب لا يعرفون شيئا ، قلوبهم خالية من لاحساس .. قلوبهم ، لا يملكون قلوبا ، بل دمى نابضة ، بل لا شىء .. الحمقى .. القتلة .. لا يعرفون شيئا ... أنا أعرف لماذ يقولون ذلك .. فى منامى حلمت بها ، وفى يقظتى تكون دوما معى وعندما صحوت كانت تقول لى صباح الخير ، وتمشط شعرى وتعدل ملابسى وتطبع قبلة شهية على جبينى
 وبعد ذلك .. أمى ، الجاهلة تقول أنها  .. أنها ... " نثينة بنت عمك محمود ، اللى فى لاشارع اللى جنبينا ، لقوها ... لقوها ..  ! بعدما ولاد الحرام ، الحرامية  سرقوا منها الموبايل والدهب ""! .. كلهم حمقى ، لا يعرفون شيئا .. لا أحد يعرف شيئا ، ما بيننا لا يشهد سوى كيوبيد فى الأعالى .. الحمقى سيظلون حمقى لآنهم قاصرون عن كل احساس .. اليوم سألقاها ، سأقابلها فى نفس الميعاد .. ساقول لها " تعالى نهرب بعيدا عن أولئك الحمقى .. نترك عالمهم الميت المشوه " ، جميلتى ، سأحضنها بقوة حتى لا تهرب منى بعد ذلك .. سأفتح قلبى وأحفظها داخله للأبد .. إنها لا تستحق الحياة بين أولئك الأوغاد .. القتلة .. سأقابلها اليوم عند صخرتنا .. أيتها الساعات الملعونة ، لماذا هكذا تسيرى ببطء  أ أيتها العقارب الكسيحة  ، أننآمرين معه أنت الأخرى .. أووف عليك وعلى من صنعك .. أسرعى أيتها المجنونة .. اليوم سلقانى عند صخرتنا ، سيرون أنها هنا ، أنها معى ، أنها تحبنى ، أنها لم .. سأتحدى الجميع ..
---------------------
 لقد اتفقت معها أن تقابلنى عند صخرتنا .. لم ترد لكننى أعرف أنها ستلقانى هناك  وتعرف أننى سأنتظرها .. وعندما ذهبت وجدتها هناك ، لم تتأخر .. ولم أتأخر أنا أيضا . كان شعرها مبللا  زكانت كأنها انتظرت اليوم بأكمله .. نجمتى ، ما الذى حدث ؟!! .. لكنها لم ترد علىّ .. كانت تنظر لعينى دوما ، تبحث عن روحها فيهما .. جلست وظلّت هى واقفة أمامى .. " لمه لا تجلسين يا بثينة ؟! " .. جلست وبكت  ,.. بكيت معها دون أن أعرف السبب .. قامت وسارت وطارت كالفراشة وعادت لترقص الباليه الذى تحبه ، وغمزت لى .. ابتسمت ، وسارت على الشاطىء ، وداعبتنى بالماء ، وعادت تمسح الماء من رأسى ، وتمشط شعرى .. أرحت رأسى على صدرها وأيقظتنى .. وقالت لى نكتة ، وضحكت معها ,, لم أجد نكتة أقولها .. قلت لها أنهم يقولون أنك .. ،وأنهم ودّعوك اليوم بعد الصلاة ودعوا لك بقلوبهم السوداء وتركوك وحيدة تماما هل تصدقين ذلك ؟ .. أسقطت رأسها ورفعتها ثانية وأمسكتنى من يدى .. وسرنا معا الى السور .. لم يكن شاهدنا موجودا ، أولاد الكلب ، من فعلها ، من محاها ؟! .. مثارا ، بحثت عن حجر آخر  .. رسمت نفس الرسمة .. ووقفت بجانبى تتأملها ..وتضحك وتقول " خطك وحش " ، وأقول لها " عشان حظى حلو " " يعنى ايه ؟ " . " عشان انتى معايا "
 لكننى أحسست بهم يأتون .. المطر نفسه هبط من السماء .. اشتد ، كان يخبط على راسى بكثافة وسرعة .. فردت الجاكت على كتفها ، أحميها من لسع الأمطار .. الأمطار الحقيرة مضت هى الأخرى تشارك فى المؤامرة .. وبأت تبيد شاهدنا ى وتمسح الرسمة .. مسحت الباء .. وطرف السم .. والقلب .. والباء .. ولم يعد لها وجود .. كنت حزينا أكثر لأجلها ، لكنها لم تتأثر .. كانت ترقب  قطرات المطر وهى تسوق الغنيمة البيضاء الى أسفل .. الى الشاطىء .. الى البحر المالح ، وحبيبتى تتبعها بعينيها وقدميها ,, وتمسك بيدى لأذهب معها .. لست حزينا .. " يكفينى أننى معك " .. واختلط كل شىء بالماء .. وشعر حبيبتى طويلا  على سطح الماء .. وطويلا تحت الماء .. صوت البحر الصاخب لا يخيفنا .. الماء فى جوفينا مالح .. مالح .. وصوت الأمواج تتحدانا ، وتخبط على رؤسنا .. " تعالى يا بثينة نهرب من عالمهم .. " .. أسرعى




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home