مقال

 

السيرة الذاتية في روايات الهجرة السرية

عبد الواحد عرجوني



مـدخــــل: إن النصوص السردية الذاتية (السيرة، اليوميات، المحكيات، المذكرات...)، التي تناولت ظاهرة "الهجرة السرية"، لم تحقق، بعد، تراكما يسمح بوضع تصنيف دقيق يمكن الاطمئنان إليه، لأن التصنيف، بصفة عامة، والبحث البيبليوغرافي ، بصفة خاصة، لا يتأتى القيام به ، أصلا، إلا بعد أن يفرض التراكم وجوده، إلا أن اللافت للنظر ، أن معظم هذه النصوص وسمت ، أو وسمها أصحابها على أنها روايات، وهكذا صنفت في البيبليوغرافيات المنجزة، مما يعطي السؤال ، عن إشكالية التجنيس ، مشروعيته، رغم أن المسألة ، أي التجنيس، قد تم الخوض فيها إلى درجة التكرار، ورافقت تكون الجنس الروائي المغربي منذ البدايات الأولى. فمن يتحمل وزر وضع ميثاق التجنيس؛ المؤلف، أم الناشر أم القارئ؟ وكم من نص صدر على انه "رواية"، ثم تناوله النقاد على أنه سيرة ذاتية ، أو يصدر في طبعة على أنه رواية، وفي طبعة أخرى يشار إلى أنه سيرة ذاتية، وأحيانا لا توضع أي علامة إشارية. ثم، هل يمكن الاكتفاء بـ"تصريح" المؤلف، أو ربما الناشر، بكون النص ينتمي إلى نوع ما ، فهو "عندما يقول لنا هذه سيرة حياتي، نقول معه، إنها سيرة ذاتية، وعندما يقول لنا هذه رواية، نقول معه أيضا إنها رواية" . لا شك في أن تحديد المصطلحات ، وتتبع تطورها ، يضئ جانبا من المسألة، أو على الأقل، يساعدنا على الامساك بطرف ما، وقد اعتبر أجدادنا المصطلحات مفاتيح العلوم. في المصطلح: يعتبر مصطلح "السيرة الذاتية" المتداول،حاليا،في المغرب، ترجمة للمصطلح"Autobiographie "،الذي ظهر في فرنسا، في القرن التاسع عشر(1832) ، وأصوله يونانية، يتركب من:الكتابة (Graphie)، الذات (Outo)،والحياة (Bio ) . ويشير المعجم العالمي للمصطلحات الأدبية، الى أنه ظهر في إنجلترا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر(1809)، أما في فرنسا فقد ظهر عام 1836 . ويذكر (Fernard Baldensperger) ، أن اللفظة انتقلت من أنجلترا إلى فرنسا عام 1838، ولم ينتشر استعمالها في أوربا إلا في أواسط القرن التاسع عشر، وهو يشير إلى نوع أدبي، ولكنه نوع إشكالي ، و"كانت تدل على معنين لكنهما مختلفان..المعنى الأول هو الذي يقترحه لاروس سنة 1866 "حياة فرد مكتوبة من طرفه"...المعنى الثاني(وهو أكثر عمومية من الأول)، وهو الذي يحدد "السيرة الذاتية" باعتبارها كل نص يبدو أن مؤلفه يعبر فيه عن حياته وإحساساته، مهما كانت طبيعة العقد المقترح من طرف المؤلف" . وغالبا ما يتم الفصل بين السيرة الذاتية والأشكال الأخرى من الكتابات الذاتية، كاليوميات والمذكرات ، وروايات ضمير المتكلم... ويورد عبدالقادر الشاوي في مؤلفه: "الكتابة والوجود" ، مجموعة من الآراء والأقوال، حول اختلاف المهتمين الغربيين ، سواء تعلق الأمر بمسألة ظهور المصطلح وشيوعه ، أو بمسألة الحد، ويمكن إجمال بعضها في ما يلي: -رأي يرى بتأثير الأعمال السيرية والسيرة الذاتية لليونان والرومان ، على السيرة والرواية الأوربيتين الحديثتين(ميخائيل باختين). -رأي يرى بأن ظهور السيرة الذاتية في اللغات الأوربية،حديث يرجع إلى القرن الثامن عشر، فضلا عن "اعترافات" القديس أغسطين. وهذا ما يؤكده الاختلاف في التعريف ، وهي ظاهرة غربية بامتياز، و"النجاح الذي لقيته "اعترافات" روسو،هو الذي كرس السيرة الذاتية وأوجبها كتسمية نوعية لمجموعة من السرود المتعلقة بالحيوات الانسانية" (جورج ماي). -رأي "كَوسدورف" الذي يرى أن اللجوء إلى التاريخ، والأنتروبولوجيا، يمكن من تحديد السيرة الذاتية في لحظة ثقافية معينة. -رأي لوجون الذي عالج السيرة الذاتية من الناحية الإجناسية منطلقا من مفهوم"الميثاق السير ذاتي" ، منتهيا إلى "أن هناك تعالقا بين تطور الأدب السير ذاتي وصعود طبقة سائدة جديدة،هي البورجوازية، مثلما هو عليه أمر الارتباط الوثيق بين الجنس الأدبي للمذكرات وتطور النظام الإقطاعي." -أما "إليزابيت بروس"، فتلاحظ أن جوهر السيرة الذاتية كجنس، كامن في المؤلف والقارئ. وما يستنتج من اختلافات أبحاث كل هؤلاء، هو صعوبة إيجاد منظور متقارب، "لاعتبارات تتعلق في الغالب بالخلفية الإيستيمولوجية..المعتمدة في قراءة النصوص السيرذاتية" . أما في التراث، فتجدر الإشارة، إلى أن لفظة "سيرة"، لا ترد مقترنة بلفظة "الذات"، وإنما باسم صاحبها أو مؤلفها، ولها دلالات تختلف باختلاف العصر والسياق، ففي القواميس، تقترن بـ"الطريقة"، و"السنة" ، ومناقب الغزاة، والتراجم ، كما تقترن أيضا ، بالترجمة المأثورة لحياة الرسول  ، والمرويات الشعبية الطويلة المعروفة . وفي الأدب العربي الحديث، تناول الكثيرون "السيرة الذاتية" على أنه جنس أدبي معروف في التراث العربي، في أشكاله المعروفة، ومن هؤلاء؛ إحسان عباس(فن السيرة، 1956)،ومحمد عبدالغني حسن (التراجم والسير، ط3، 1980)،وماهر حسن فهمي (1970)، ويحي إبراهيم عبدالدايم (الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث، 1975)، وغيرهم . أما على الصعيد المغربي، فالملاحظ أن هناك تراجعا عن استعمال لفظة "السيرة الذاتية"، لصالح لفظة: "الأتوبيوغرافيا" أو "الأطوبيوغرافيا" . ومعظم التعاريف الرائجة ، تتبنى التحديدات والتنظيرات التي وضعها الفرنسي " فيليب لوجون" (Philippe Lejeune) . فالأستاذ سعيد علوش، مثلا، يشير في معجمه إلى أن "الأتوبيوغرافيا: 1- تتحدد..بالعقد الذي يربطها بالقارئ، أكثر مما تعرف بعناصرها الشكلية. 2- من هنا كانت فكرة (الميثاق الأتوبيوغرافي)، و(المشروع الأتوبيوغرافي) عند (فيليب لوجون) مركزة على: أ‌- تحليل أنساق الميثاق. ب‌- تحليل أنماط سرد المتكلم. ت‌- تحليل مظاهر النص الأتوبيوغرافي. 3- وتتحدد ..بكونها سردا إحاليا ، يركز فيه على تاريخه الشخصي... 4- ولا يعارض (فيليب لوجون)، وجود تطابق ، بين الراوي والبطل..حتى في حالة استعمال ضمير الغائب" . والتعريف السابق ، يعتمد الحد الذي كان قد وضعه "لوجون"، في كتابه"ميثاق السيرة الذاتية" (Le pacte autobiographique ) (1975). مع العلم أن الرجل نفسه قد مارس نقدا ذاتيا، في مؤلفه "أنا أيضا" (Moi aussi ) (1986)، تراجع فيه عن الكثير من اسهاماته النظرية السابقة ، لكونه لم يكن ينشد صياغة مجموعة من القواعد ، بل منطلقات "من أجل إقامة تفكيك تحليلي للعوامل التي تدخل في عملية إدراك النوع، غير أنه سرعان ما تحول إلى سلطة" ، ولكونه، أيضا، كان يعتقد أن "مركز المجال الأتوبيوغرافي، هوالاعتراف" . وبما أن المجال لا يسع هنا لعرض كل الآراء ، فإنه لا بد من الإشارة إلى اعمال/ إسهامات مغربية رائدة، رغم أن أصحابها وظفوا التنظيرات الغربية، وأخذوا عنها، وعادوا إلى التراث؛ البعيد منه والقريب، وطرح بعضهم إمكانية وفرضية كون السيرة الذاتية ، في بعض جوانبها، تشكل امتدادا لفنون التراجم والسير والمعاجم الأدبية والعلمية، وما شاكلها من كتب الطبقات المعروفة في التراث. يأتي على رأس هؤلاء عبدالقادر الشاوي،الذي عمل على "التأسيس لمشروع نقدي جديد حول سؤال الأتوبيوغرافيا في المغرب" وأحمد اليبوري، الذي جعل من السيرة الذاتية والرواية التاريخية ، "تتويجا لسلسلة من التطورات التي عرفها النثر ابتداء من جنس "الرحلة"، الذي عمر ما بين العشرينيات ومنتصف الثلاثينيات..." ، وكذلك البحث الرائد للأستاذ عبدالله إبراهيم في السردية العربية . وأخيرا، يمكن القول، بأن الإشكالية الأساسية لـ"لسيرة الذاتية"، قائمة في التعريف، ولا يمكن لأي تعريف أن يكون مطلقا ، أو أسا يوجب الفرض أو الإسقاط، على نصوص غير التي كانت مصدر استنتاجه وصوغه، بناء على خصائص منتقاة ، من النص أو من نصوصه الموازية. هجرة الذات/هجرة الكتابة: إن الكتابات "الذاتية" التي جعلت من "الهجرة السرية" موضوعا لها، تتوزع مواثيقها التجنيسية (هوياتها)، بين مجموعة من الأنواع، سواء من خلال عناوينها الرئيسية أو الفرعية. فهل يؤشر هذا على "وعي جديد و"جرأة "بأهمية تحديد المؤشرات الجنس_أدبية، وبدورها في توجيه القراءات والتأويل" ؟ أم أنها لا تخرج عن كونها امتدادا لما سبق، على اعتبار أن الكتابة الروائية، بالمغرب، بالمعنى الجامع، "ليست سوى نوعا من التنويع على جنس السيرة الذاتية" ؟ وما مدى حضور خاصية النضج، التي تؤهل لامتلاك منظور التجربة في الحياة، كمعيار لكتابة السيرة الذاتية، على أساس أن كاتب السيرة الذاتية، لا يبدأ أولى مؤلفاته بكتابة سيرته، وإنما بعد أن يكتسب اسمه وضعا اعتباريا ؟ أم أن للمسألة علاقة بتداخل الأجناس،أو بـ"انزياح النص الأدبي عن منظومة الأجناس" ؟ وهل تستدعي الهجرة في المكان، الهجرة بين الأنواع ؟ وما يدعو إلى التساؤل أيضا، ظاهرة الامتداد الموضوعاتي ؛ أي الاشتغال على نفس الموضوع في أكثر من نص . يمكن وضع تصنيف أولي للنصوص التي تناولت الموضوع ، اعتبارا لما سبقت الإشارة إليه، على الشكل التالي: تجنيس ب: العنوان الرئيسي العنوان الفرعي المقدمة محكيات الحراكَة (محكيات من صميم الواقع) رواية السيرة/سيرة روائية من البحر إلى البحر(رواية) حفريات حفريات مهاجر مشروع ثلاثية حميد لشهب رحلات زهرة الموريلا الصفراء(رحلة مغربية في قوارب الموت) قصة قصة معلم انحرف مركبه بدون علامة إجناسية أمواج الروح(ط3) سيرة/ سيرة ذاتية أمواج الروح (ط1) يوميات/ مذكرات -يوميات مهاجر سري-زفرات الغربة. النصوص التي لم تدرج في الجدول وسمت على أنها روايات ، رغم الاشارات العديدة ، التي تجعل هذا الوسم محل تساؤل، ومن أمثلة ذلك ، نصوص أحمد أبابري التي تشتغل على موضوع واحد، مما يوحي إما بمشروع روائي، أو برواية تتكون من مجموعة من الأجزاء، أو بسيرة ذاتية تتناول مراحل مختلفة لصاحبها، أو بسير لأشخاص عاشوا الأحداث(سيرة غيرية). وقد أدرج نص "من البحر إلى البحر" في الجدول، رغم وسمه ب"رواية"، بناء على إشارة في مقدمة المؤلف، يقول فيها:"إني رأيت أناسا_وأنا معهم_ يعانون من جرح قديم، يكبر سنة بعد سنة، ذاكرتهم تناثرت فوق مياه البحروشواطئه، لم أصبر على كبت مشاعري في أعماقي، ونفضت غبار الصمت عني" ، وهذا ميثاق واضح، يبين فيه الكاتب القصد والغاية من الكتابة ، أي: عدم القدرة على كبت المشاعر بعد ما عايشه، وما شاهده، من معاناة الشباب، "وهو منهم" ، وخاصة في بعض المناطق المهمشة، مما يجعلهم لا يفكرون سوى في الخروج من الوطن، وعبور البحر بأية وسيلة كانت، وهذا يعرضهم، إما للغرق، وإما للاستغلال ، بالنسبة للناجين منهم. وأمام مرارة ما يقاسيه هؤلاء ، وما يتركه المفقودون، من وقع أليم على النفوس، فإنه كان على الكاتب الذي عاش التجربة، أن يتكلم، لأنه لم يقو على كبت مشاعره أمام هول الصدمة. أما نصوص د.حميد لشهب، فقد وصفها في "حفريات مهاجر" بـ"المشروع"، يقول:"عندما فكرنا في مشروع تخصيص ثلاثة كتب لقضية المهاجرين:"موسم العودة إلى الجنوب"،و" ثمانية عشر سنة دراسية مهربة عن طريق البحر"، و"حفريات مهاجر"، كان همنا الأساس، هو تقديم عينات مختلفة للأوضاع المختلفة التي يعيشها المهاجرون" أما نص عبدالكريم الجويطي: "زهرة الموريلا الصفراء"، فقد صنف ضمن الرحلات ، بناء على العنوان الجانبي "رحلة مغربية في قوارب الموت"، إلى جانب أن المؤلف صدر ضمن سلسلة "سندباد الجديد"، و"هو نص ريبورتاجي أدبي حول الرحلات المغربية غير الشرعية للشباب عبر البحر" ، وقد ذهب أحمد اليبوري إلى اعتبار الشكلين السير الذاتي والروائي التاريخي، تتويجا للتطورات التي عرفها النثر المغربي ابتداء من جنس "الرحلة" . وحتى الدار التي صدر عنها المؤلف من أهدافها المصرح بها "احتضان النصوص الحديثة في أدب الرحلة العربي..والنصوص الأدبية المستلهمة من الأسفار ومدونات التراث الجغرافي العربي الإسلامي" . أما "يوميات مهاجر سري" لرشيد نيني، و"زفرات الغربة:ذاكرة مهاجر" لصابر بوغانم، فقد صنفتا ضمن اليوميات والمذكرات، بناء على العنوانين، والمذكرات واليوميات، تستدعي قول الحقيقة، كما هو الشأن في الاعترافات، عكس السيرة الذاتية التي هي نص قابل لاحتضان نصوص أخرى ومكانا واسعا للاستيهام. ويذكر فيليب لوجون أربعة عناصر/شروط، من خلالها يمكن تحديد خصائص كل من هذه "الأنواع المجاورة "، وهذه العناصر تجتمع في "السيرة الذاتية" ولا تجتمع في غيرها، وهي: 1- شكل اللغة: أ- حكي ب- نثري 2- الموضوع المطروق: حياة فردية، وتاريخ شخصية معينة. 3- وضعية المؤلف: تطابق المؤلف والسارد. 4- وضعية السارد: أ- تطابق السارد والشخصية الرئيسية. ب- منظور استعادي للحكي. والشروط التي لا تتحقق في الأنواع السابقة، يمكن عرضها كالتالي: المذكرات اليوميات السيرة الرواية الشخصية 2 4 – ب 4 – أ 3 أما مؤلف "الحراكَة : الموت لمواجهة الحياة " ، فقد صنف على أساس العنوان الجانبي (الميثاق النصي التجنيسي): "محكيات من الواقع" ، والنصوص المجموعة بين دفتي الكتاب، وعددها ستة ، عبارة عن تحقيق أنجزه ثلاثة صحفيين ، من جريدة "الصباح"، جمع هذه النصوص/ الشهادات، أحمد الجيلالي، وتضم اعترافات مجموعة من المهاجرين السريين، من مختلف مناطق المغرب، منهم من تمكن من تسوية وضعيته القانونية، ومنهم من لم يتمكن بعد، بمعاناتهم، والأسباب والدوافع التي حدت بهم إلى سلوك كل الوسائل من اجل اجتياز البوغاز،من الاختباء في بطون الحافلات، إلى ركوب "علب الموت" . ويبقى نص "أمواج الروح" ، الوحيد الذي يمكن أن تنطبق عليه الشروط السابقة مع بعض التجاوز، بسبب صفة التجنيس التي وضعها صاحبه "سيرة"، ثم تنويع الضمائر (الغائب ، المخاطب، والمتكلم)، وعدم مطابقة اسم العلم مع اسم المؤلف، رغم أن ذلك ليس كافيا للقول بأن الأمر يتعلق بـ"سيرة" ، وليس بـ"سيرة ذاتية" . وانطلاقا من الملاحظات السابقة، يمكن إعادة وضع تصنيف آخر، على الشكل التالي: نصوص: السيرة / السيرة الذاتية نصوص: الأشكال/الأنواع المجاورة أمواج الروح (سيرة مهاجر سري في باريس) - من البحر إلى البحر. - ثماني عشرة سنة مهربة عن طريق البحر. - زهرة الموريلا الصفراء. - يوميات مهاجر سري. - زفرات الغربة. - الحراكَة...إلخ. إن التصنيف أعلاه لا يمكن اعتباره قطعيا، ومن جهة أخرى ، يمكن سحب النصين : "الحراكَة" و"حفريات مهاجر" ، من المجموعة، لأمر يتعلق بالشكل، بالدرجة الأولى؛ فكلاهما، يتشكل من مجموعة نصوص ، تتناول عدة حيوات ، الأول عبارة عن تحقيق صحفي، كما سبقت الإشارة، والثاني يهدف إلى إثارة الانتباه إلى ما يعاني منه المهاجرون السريون، ضمن مشروع صاحبه، فنص: "موسم العودة إلى الجنوب" يتعلق بالجيل الأول من المهاجرين، أي الشرعيين، أما نص: "ثماني عشرة سنة مهربة عن طريق البحر" فهو مخصص للظاهرة (الهجرة السرية)، بعد أن تنامت وشملت العاطلين من أصحاب الشهادات، بعد أن كانت منحصرة في فئة معينة، يغلب على أصحابها ضعف التحصيل المعرفي. ويبقى النص الوحيد الذي يحتمل طرح السؤال حول انتمائه "السير ذاتي"، هو نص "أمواج الروح". أمواج الروح:بين السيرة والسيرة الذاتية: من الفروق التي يشار إليها ، بين "السيرة" و"السيرة الذاتية"، أن "السيرة" سرد لحياة إنسان "كما كانت بالفعل" ، ويمكن لعلاقة المؤلف بالسارد أن تكون علاقة تطابق أو لا تكون. يقول "ف. لوجون":"إن المشابهة في السيرة هي التي يجب أن تؤسس التطابق، أما في السيرة الذاتية، فإن التطابق هو الذي يؤسس المشابهة. فالتطابق هو نقطة الانطلاق الحقيقية للسيرة الذاتية، والمشابهة هي الأفق المستحيل للسيرة" ويورد صيغتين للتمييز بينهما : "- سيرة: م هو- ليس هو- السارد، ش تشبه ن. - سيرة ذاتية: س يمثل بالنسبة لـ ش، ما يمثله المؤلف بالنسبة للنموذج ن. (م= المؤلف، س= السارد، ش= الشخصية، ن= النموذج)" . وفيما يخص النص الذي بين أيدينا : هل يتعلق الأمر بـ"سيرة ..."، المؤلف، يحتمل أن؛ يكون هو السارد/ البطل/رحال (س= ش= ن) ، فنكون بذلك أمام "سيرة ذاتية"، لتحقق "المطابقة". أو لا يكون ، أو يتشابه ، فنكون أمام "سيرة غيرية". ولا يخفى أن نقطتي الحذف الموضوعتين، بين لفظة: "سيرة" والمركب الذي يليها:"مهاجر سري في باريس" ، لم توضع عشوائيا، وأن المؤلف قصد إلى التمويه لأسباب، ربما يقصد من ورائها إلى إخفاء حقيقته، أو أن التجربة التي عاشها "حراقا"، وما رافقها من أساليب التخفي والتنكر التي فرضها خوفه المستمر من انكشاف أمره، تركت أثرها في نفسه، خاصة حين يتأكد سعة الفضاء النصي الذي يحتله الحقل الدلالي لـ "الاختفاء ، التخفي ، السرية، التنكر، التستر، الكتمان...إلخ" ، وهذا نموذج لبعض العبارات والألفاظ المنتمية لهذا الحقل: معجم التخفي والتنكر... الصفحة معجم التخفي والتنكر... الصفحة -الحراق - تلبس ذاتا غير ذاتك -حتى لا تثير الشبهة والأنظار حولك. -تتدبر تنقلاتك-الملبس الذي يقتضيه تحركك -حتى تبدو بالمظهر المتزن 9 -أنتقي الصور التي أبعثها لها بعد أن أتزين. -والدتي تراني من خلال هذه الصور التي تغالطني حتى أنا. -حراق-يجعل من نفسه مخرجا يختار الأدوار التي تسعفه في كل دخول أو خروج. 15 -الأدوار، المخرج، دور المحفظة. 10 -لآخفي فيها ذاتي..وأركب ذاتا أخرى. -أتأنق- أنظر إلى المرآة لتصادق على الخروج. -حتى أبدو بالمظهر الأنيق. - أريد أن أبدو بمظهر الطالب..المعلم..المتدرب... -إخفاء مظهري الحقيقي. -لإخفاء اللوعة. 11 الحراق 19 حراقة 20 ثلاثون رحالا ثلاثون حراقا 21 أسبح في أدوار أخرى تشبه دور...-تخطر ببالي فكرة اصطحاب كلب حتى أبدو... 23 كحراق 29 أتصيد النوم لأخفي... 33 حتى موتي سيكون حراقا 34 حراق-أمسح الدموع من لحيتي في خفاء.-كأني أختبئ من ظل والدي. 35 الحراق- أغطي رأسي-أخفي-حراق. 36 - هي أيضا تلبس ذاتا غير ذاتها. 13 أنسلخ من جلدي التقية- ذاتا أخرى ألبسها في منامي 37 - تخرج الصرة المدفونة في صدرها. - فأجد نفسي حراقا في باريس... 14 إلخ وإذا علمنا أن مجموع صفحات الرواية، هو مائة وواحد وسبعون صفحة، تأكدنا من سعة المساحة التي يشغلها هذا المعجم، أي؛ حقل "التخفي، التنكر..." ، الذي تفرضه وضعية "الحراق" ، الذي يحيل بدوره على نفس الدلالة، التخفي، وإخفاء الهوية، واللامشروعية...، خوفا من السقوط في أيدي الشرطة "العفاريت"، "فالعفاريت حاضرة معي في كل شيء؛ في مرضي وفي نومي، عكروا صفو حياتي" . وهذا يسير بموازاة مع سيادة الفضاءات المنغلقة؛ تعلق الأمر بالمكان أو بالزمان، ويمكن التمثيل لذلك بالرسم التالي: (يغدو إلى العمل)+(في العمل:الخوف:ش+المشغل) في الصباح المساء ( البيت:الخوف) (يرافقه الخوف من الوقوع في أيدي العفاريت) +(التمويه: المحفظة،التأنق...) يعود من العمل إلى البيت: الخوف من العفاريت... (البيت ) مقر العمل (الخوف) + التمويه/التخفي فالخوف يوجب التخفي والتستر، حتى أصبح مرضيا، بالإضافة لما يفرضه من انغلاق في المكان ، وفي الزمان، أو التزام بأماكن بعينها ، أغلبها يتشكل من الأماكن المغلقة: البيت ، مقر العمل(الورش/ Chantier) ...إلخ التقاطب الفضائي في "أمواج الروح": غالبا ما تقام "علاقة ضدية بين الأماكن المغلقة الداخلية(الدار- المدينة...)، والأماكن المفتوحة؛ فعلى حين تحمل الأولى سمات :"الألفة" و"الدفء" و"الأمان"، تحمل الثانية صفات مناقضة، مثل "الغربة"، و"البرودة" و"العدوانية" " . إن ما حدث لـ"رحال"، هو الخوف المستمر، في الداخل وفي الخارج، لسبب واحد ، هو أن هذا الداخل كله، يوجد في الخارج(خارج الوطن)، وبالإضافة إلى الاحساس الطبيعي، بعدم الاطمئنان في الأماكن الخارجية، فإن ما يضاعف هذا عند رحال ، وجوده المهدد، فهو مهدد من جميع الجهات، ولا يقتصر الأمر على رجال الشرطة فقط، بالإضافة إلى الخوف من الرجوع إلى الوطن لما يعنيه هذا الرجوع من عودة إلى البطالة والفقر... ، وعودة إلى الأهل الذين سيصابون بخيبة الأمل، خوفا على "الوهم" المشيد عن الهجرة، لعوامل كثيرة، لا مجال لذكرها هنا, فمهما كانت معاناته، فهو لا يمكن أن يفكر في العودة "وكيف سيصدق أهل البلدة..؟ إن عدت، وركزت عدستي على هول الرحلة، وعلى من هم بدون مأوى "S.D.F".. وعن الميترو الذي تحول إلى "جامع الفنا" المتنقلة..وعن الذين يستيقظون في الخامسة صباحا، وعن الاغتراب الثقافي، وعن القلق... حينئذ سأنعت بالشماتة التي تخالف دلالتها "كن راجل" .و"يهون علي إذن أن أحمل خوفي أينما انتقلت، خير لي من أن أنعت بالشماتة والجبن عند الجيران والأقران، إلا إذا حكم قدري" . وكيف سيعود، وهول الرحلة لم يفارق بعد مخيلته ؟ والـ "بسينة" ؟ أي "القارب" الذي "حركَ" به ، والأسماك؟ والأمواج؟ "أفكر في الأهل، أفكر في العودة..وفي عودة العودة..في القارب في السمك في الأمواج" ، بل كيف سيعود، وهو يفكر في عودة من نوع آخر؛ في "العودة الميمونة" ، حين يتمكن من تسوية وضعيته القانونية. ويستنتج، مما سبق، أن "التخفي..." ، يوجبه الخوف من ضده، أي الانكشاف، وهذا يفرض اللجوء إلى أمكنة آمنة (أمكنة مغلقة)، والتحرك في أزمنة محددة(مغلقة أيضا). ويمكن الحديث ، هنا، عن توازي أو توالد "تيماتي". كل تيمة توجب الأخرى، وكل واحدة تتولد عن الأخرى: فـ"الحراكَ" مسكون دائما بهاجس السقوط في شبكة العفاريت، وحين يخرج من حجرته (المكان المغلق الآمن نسبيا) ، لا يدري أيعود إليها أم لا.وهذه محاولة لجرد بعض معجم "الخوف" و"الترقب" و"القلق"،حسب الدلالة في السياق، ضمن الفضاء النصي لـ"الموجة الأولى" كمثال، ومقارنته بلحظات الاسترجاع والتذكر المقترنة بالأمن والطمأنينة، وتقاطب الأزمنة والأمكنة: الفضاء النصي الأمكنة الأزمنة الخوف،الترقب والقلق// الأمن والطمأنينة الصفحة الــمــــــوجــــــــــــــة الأولــــــــــــــــــــى هنا باريس – الحجرة -الورش الحاضر أيام العمل الهاجس-السقوط-الشبهة-لا أعود-الطائر 9 صفة الزوال-العفاريت-حد-أيتم حجرتي-الموت-لا يعودون-يغيب-لا أعود-الموت-بغتة-عزرائيل-مراسيم-توديع-أأعود أم لا أعود. 10 هناك-المدرسة- زمن الصبا -رفقة أختي-والدتي-دردشة-لعب-الاستراحة-والدي-الفرحة. -تغمر-كل شيء- على أحسن ما يرام-براءة الطفولة 11 هنا- اليوم -ذاتي المرفوضة-مصيدة-النسبية-صادروا-تذمرت نفسي- هناك الماضي الحنين إلى اللحية-أعفو عنها-اللوعة- هنا الحاضر يسقط-الشباك المنصوبة هناك الماضي-الصبا محفظة الصبا-أمي-الاستراحة- 12 هنا اليوم-الحاضر-الورش محفظة الكبر-يفسد-أشياء بعيدة عن عالم الفكر-أتعبت حاملها-المترو-ضجيج-تصببت لها عرقا-خشية-العفاريت-ينكشف- غابت البسمة-البسمة الغائبة-تنتظر- 13 هناك الصبا محفظة الصغر-المستقبل-الواثق الصغير- أتمنى أن أكون طبيبا-فرحة الشعور بمستقبلي-لا يسعني المكان-بذلة الطبيب والسماعة-ود ووئام- والدتي-جدتي-بهية. تبتسم جدتي-تدعو لي-تعطيني إياها-أنصرف مسرعا كالطلقة-راضيا-باب الأمل-أسرتي وعائلتي-مفعما بأفق المستقبل. 14 هنا باريس- الورش تدور الأيام-حراقا-أخاف العفاريت-شعور بالألم-انقباض داخلي-أحزاني- رحال-حراق-يخاف العفاريت. 15 ويضح من الجدول أعلاه، ارتباط القلق والخوف وترقب "الأسوأ" بالمكان: "هنا،باريس، الورش، المترو،طريق الذهاب إلى العمل أو العودة منه..."،مما يدفع البطل "رحال" إلى الغوص في الماضي: "الصبا" المرتبط بـ"هناك، البلد، المدرسة..."حيث الطمأنينة، الأمل، الدفء الذي يخلقه التواجد بين أفراد الأسرة... لا يمكن إغفال ارتباط الفضاء النصي، بالفضاءات السابقة، انطلاقا من العنوان، "أمواج الروح"، وتسمية الفصول ب"الأمواج" ، وتقسيم بعض الأمواج إلى "زبد أول" و"زبد ثان"(الموجة الرابعة والثامنة والتاسعة)، وما لذلك من علاقة مع الرغبة في الإيحاء بالضغط النفسي الكثيف؛ فالموج يحيل على الاضطراب والكثرة "ماج البحر يموج موجا وموجانا..وتموج: اِضطربت أمواجه...إذا اضطرب وتحير..وماج الناس دخل بعضهم في بعض.وماج أمرهم: مَرِجَ" ، ويحيل الزبد على نفس المعنى تقريبا، أي الكثرة "وازبد الشراب وبحر مزبد أي مائج يقذف بالزبد" ، وفي الحديث الشريف:"غفر له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" . فالفصول (الأمواج)، تتابع على هيئة أمواج نفسية (روحية)، في شكل دائري؛ من الموجة الأولى تصاعديا ، إلى الموجة الثانية عشر فالموجة الأولى التي لا تحيل إلا على البياض؛ الفراغ الروحي والنفسي بعد أن استنزف "الحراكَ" كل قواه وطاقته؛ الجسدية والنفسية، واستنزف الزمن دورته اللولبية؛ الحول ، وهو ما يحيل عليه العدد "12" ، ولم يبق غير البياض المفتوح على كل الاحتمالات والقراءات، وسع طاقة كل قارئ، كبياض الزبد الذي يلفضه الموج بعد كل جزر. إلى جانب الوهن الذي أصاب الجسد ، فلم يعد يطيق تحمل هذا الضغط والاختناق والانغلاق المتعدد المصادر، ولم يعد الهروب إلى الوراء(الماضي، الـ"هناك") يرتق التمزقات التي أحدثها الحاضر والـ"هنا". الضمائر واسم العلم: إن الضمير "لا يمكن أن يقوم كمعيار خلافي للتمييز بين مبنى أدبي وآخر، فليس هناك..تراتبية بين الضمائر" . لقد استعمل المؤلف ضمير المتكلم، وضمير الغائب، كما استعمل ضمير المخاطب، هذا الأخير يبرز في لحظات معاناة البطل أقصى درجات الوحدة والعزلة والانكفاء على الذات، على شكل مناجاة أو تأنيب أو توجيه لوم وتقريع أو مواساة أو تشجيع للنفس :"الهاجس القابع في ذاتك يارحال هو السقوط في شبكة العفاريت" - "كن راجل" -"فلا تخف يارحال ولا تعاكس" - "ليس هناك بأس، شدة وتزول يارحال..تشجع" -"أنت ميت فتحقق من موتك، ولا تنتظر أن تعلنها حتى يباد الجسم الذي تجره" ...إلخ. أما ضمير المتكلم، فغالبا ما يبرز أثناء وصف الحالة:"أعيش في باريس كطائر يغدو في الصباح ، ولا أدري أأعود إلى حجرتي أم لا..." -"أعود اليوم، بعد أن طال بي الزمن لأحمل المحفظة من جديد لا للتعليم أو للتدريب..." ، وأثناء الاستذكار أو الاسترجاع:-"ينتابني شعور بالألم، وأنا غارق في الماضي الذي يجيب عنه الحاضر..." -"يغالبني الشوق: أستحضر بهية عبر الطيف، أرمي يدي على ضفيرة شعرها..." ، أو حين الانكفاء لمقاومة اليأس –"أقوي عزيمتي وأحاول أن أدفع فكرة المرض عن عقلي . يعاودني الألم..." إلخ. وحين يشتد الضيق بـ"الحراكَ"، ويصل الألم مداه ، يمزج المؤلف بين الضميرين: الغائب والمتكلم:_"أبتسم، ولم لا تحضر الابتسامة على الوجه، حين يصل رحال إلى هذا النوع من التفكير. ينتابني شعور بالوحشة، تتمزق نفسي أكثر وأنا شارد لما وصلت إليه" ...إلخ . وهذا المزج يحيل على تطابق الضمائر الثلاثة مع السارد، وبالتالي المؤلف. إذا كان لاسم العلم "رحال" تشابه على مستوى الحركات، والمقاطع مع "شعبان" بتوالي ، حركة وساكن ، وحركة وساكن وحركة، وعلى مستوى الإيقاع؛ يمكن الحديث عن "مقطع" قصير"(سبب خفيف) + "مقطع طويل"(وتد مفروق)، فإنه على المستوى الصرفي والمعجمي يختلفان، بكون "رحال" من وضع المؤلف وتفيد صيغته التكثير والمبالغة ، في حين أن "شعبان"، وهو يفيد الضدين :الجمع والتفريق "شعب الشيءَ ، فرقه، و(شَعَبَه) أيضا جمعَه" ، كما يحيل على الشهر الثامن من الشهور القمرية . ومن عادة المغاربة،سابقا، تسمية أبنائهم بأسماء المناسبات الدينية ، وبعض الأيام أو الشهور التي لها عندهم حرمة خاصة، وأمثلة ذلك كثيرة: -"جمعة" و"بوجمعة" للولد أو البنت المزدادة يوم الجمعة.-"رمضان" للمزداد في شهر رمضان المعظم.-"مولود" و"ميلودة" للمزدادين بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف .-"بلعيد" بمناسبة العيد؛ عيد الفطر أو عيد الأضحى.-"بوعرفة" للذي وافقت ولادته يوم الوقوف بعرفة... أما الاسم "رحال" فهو من وضع المؤلف، وله دلالة ترتبط بهاذا الوضع، وهو ما يحيل عليه الأصل اللغوي وصيغته الصرفية. نجد في اللسان:"الرحل:مركب للبعير والناقة...يرتحل الأمر يركبه...ترحلهم...تحملهم على الرحيل..رحل الرجل إذا سار...ودخول الهاء في الراحلة للمبالغة في الصفة كما يقال رجل داهية وباقعة وعلامة..." ، ويتضح أن المؤلف قصد إلى وضع الاسم قصدا لتكثيف الدلالة على التنقل والارتحال والمكابدة من أجل الهجرة في ظروف مزرية ، وكسب لقمة العيش، هربامن وطن لم يوفر لأبنائه ، وسيلة تحفظ لهم كرامتهم، وتحميهم من بطش خناسة الألفية، ويصبح الأمر أكثر دلالة بإضافة لفظة "الحراكَ " ، هذا المصطلح الذي أصبح دارجا ومألوفا لدى العامة، والخاصة التي لا تعدم ، بدورها، وسيلة لـ "لحريكَ"، مع اختلاف بسيط، بين من "يحركَ" في اتجاه الضيعات والأوراش، وكأن هذه القارة لا تحسن غير تصدير الرقيق، ويحترق، ومن "يّحركَ "، في اتجاهات أخرى. هذا يعني أن الـ"أنا" ، "أنت" و"هو" /رحال، كل هذه الضمائرتحيل على ضمير واحد هو: الـ"أنا" الذي يحيل بدوره على الـ"أنا" الوجودي: تجربة الهجرة القاسية ، الـ"أنا" التي لم يكن لها من بلسم سوى العيش والانغلاق على الذاكرة، لمحاولة مداواة جراح الحاضر بالماضي (الاسترجاع)، لمقارنة ذلك الطفل/رحال الذي كان يحلم أن يكون طبيبا، بـ رحال/الحراكَ. خاتمة: إذا كان الميثاق السير ذاتي يتأكد انطلاقا من مستويات منها بيان الدوافع ، فإن ما يمكن استنتاجه ، مما سبق على أقله، هو تحقق ذلك، على مستوى؛ الإخبار، باعتبار القيمة الوثائقية لنص "أمواج الروح"، وعلى مستوى الاعتبار؛ بكون النص بالنسبة لصاحبه، ومن خلاله بالنسبة لغيره من الشباب، الذين لا زالوا يعتبرون "العبور" إلى الضفة الأخرى عبورا من الجحيم إلى الجنة، كشفا للمستور وللزيف وللوهم، وكسرا لتلك الصورة الخادعة عن "الفردوس"، ودعوة صريحة لمواجهة الواقع في "الداخل" "الهنا" بالنسبة للقارئ و"الهناك" بالنسبة للحراكَ، بالحرف (الكتابة) ، وبالسيف فـ"الأرض براء منكم فقد أمنت لكل فم لقمة". إن المحاولة المتواضعة أعلاه، لا يمكن لها أن تدعي ، الإجابة عن سؤال الانتماء الإجناسي لـنص "أمواج الروح"، أو لغيره من النصوص التي اتخذت من ظاهرة "الهجرة السرية" موضوعة لها، لجنس الكتابة "السير الذاتية" ولم تكن تتوخى ذلك، بقدر ما كان المبتغى هو إثارة السؤال بالدرجة الأولى ، ليس في ما يتعلق بالسيرة فقط، بل بكل الأشكال المجاورة لها، نظرا للغموض الذي يكتنف إشكالية التجنيس لدى كتابنا قبل غيرهم/القراء، وإشكالية الرواية المغربية بشكل عام، خاصة وأن هناك كتابات قد بلغت شأوها في النضج والوعي بالمسألة من طرف أصحابها،وخير مثال ، في ما يخص الموضوعة أعلاه، روايات : يوسف فاضل "حشيش"، وبنسالم حميش"سماسرة السراب" ، ومحمد عز الدين التازي "أيها الرائي"، والميلودي شغموم "أريانة"، وعبدالإلاه الحمدوشي "الذبابة البيضاء"، وغيرهم ممن لم تتمكن اليد القصيرة من الوصول إلى إنتاجاتهم، هذه الأسماء التي لها تجربة ووزن خاص، ولا يعني هذا تبخيسا للأعمال والأسماء الأخرى، ولا يعني حكما من نوع ما ، أو مقارنة، وإنما ،فقط،تود الاعتراف.




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home