مقال

 

كثير من الجنس قليل من العمل

سامي الأخرس



كثير من الجنس قليل من العمل

بقلم سامي الأخرس

أمة عربية ذات حضارة وتاريخ من أزهي ما أبدع هذا المخلوق "الإنسان" على سطح المعمورة ، حضارة طرقت كل مجالات الحياة من أدب وفن ومعمار وعلوم ...الخ ،أبهرت المؤرخون ،وهواة الدراسات التاريخية بمخزونها وإرثها الذي عجزت معظم الحضارات أن ترتقي لمصافها ومستواها ،بل وبنت العديد من الحضارات أمجادها ومسترشدة ومستلهمة منها بواكير الانطلاق ،وما إن تطرقت مجالاً إلا وتجد إرهاصاته بعقول عربية . وجنب إلي جنب قَدم هذا العربي نموذجاً مقاتلاً امتاز بالشجاعة والذكاء والفطنة والشخصية القيادية ، حيث وطأت أقدام الفاتحين والمقاتلين شتي بقاع الأرض حتى أضحت بعهد هارون الرشيد لا حدود لها ، فوقف مخاطباً احدي السحابات "أينما يسقط ماءك فخراجك عائد لبيت المال" ازدهرت أحرف التاريخ الإنساني وهي ترسم تاريخ أمة ، وشمخت هامات بناة هذا الإرث حتى مجدوا بكل الحضارات . أما أصحاب هذه الحضارة ،وورثتها ، فقد ابقوا كتب التاريخ مفتوحة ليدرسوها كعلوم وأدب ووقفوا حيث انتهي أجدادهم وأسلافهم ،اكتفوا بما أنجز وما تحقق ليلحنوا عليه ترانيم وألحان المجد والتفاخر ،انغمسوا بإرثهم حتى وجدوا أنفسهم على هامش الحضارات الأخرى التي انطلقت من حيث انتهت حضارتنا ،ليواكبوا المجالات العلمية والأدبية والثقافية ، ويغزوا عقولنا بهوامش حضارتهم ، منحونا الماركات الإنتاجية الاستهلاكية ،وصنعوا لنا حضارة وعلماً يسلبا العقول وتعيدنا لعصر التجهيل ،حضارة الكروش المنتفخة والعقول الفارغة ،حضارة عنوانها الجنس والإباحية وفنونها وإبداعاتها ، شيدوا لنا أروع الثقافات والفنون الرخيصة ، المعنونان بالجسد الأنثوي في العواصم الغربية فأبتعلنا هذه القيم الجديدة التي حملت إليهم خيرات وثروات هذه الأمة مقابل ليلة حمراء في مضجع احدي الشقراوات ،وضحكات الغانيات . واستكمالاً لما صدره إلينا الغرب وبعدما لمس حجم النجاحات التي حققها ، نقل إلينا هذه الفنون والعلوم إلي منازلنا ،فجعلوها هاجس أمة تبحث عنه في كل ما يجول بتفكيرها ،فأضحت عواصمنا ليلية منتجة لإبداعات السياحة وجذب السائح من شتي صقاع المعمورة ، وخصوصا العربية فلا تعد الفتاة الغربية هي المنتج الأنثوي ، بل تحولت الفتاة من الأم صانعة الأبطال والعلماء والأدباء ،لغانية تستخدم كوسيلة هدم ،لإدراك الغرب أن هذه الفتاة هي مكمن الإنتاج البشري فصلاحها من صلاح الأمة ،وقوتها من قوة البناء الاجتماعي. أمة عربية تحولت من شعوب حية نابضة بالحياة ،عامرة بالعطاء والبناء لأمة سلبية سجينة أهواء ورغبات عاطلة عن مواكبة فلك الحياة ،غير قادرة على الإنتاج والبناء ، أسيرة فقرها وتخلفها ،وثرواتها تختزل بأيدي ذوي الكروش المنتفخة والعقول الغوغائية الخاوية سوي من شهواتها ،اللاهثة بقصور الترف والمجون ، ومنتجعات باريس ولندن . أمتنا العربية تحوي جميع الأطياف السياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية ،تختلف بمشاربها الفكرية ،وأيدلوجياتها ولكنها متحدة بنهجها ،فهي مملكة لمن يمتلك المال ، عملاً بالمثل " من يمتلك المال يمتلك القرار " فلا يمكن أن تجد احدي هذه الأطياف يمتلك استقلالية فهو أسير الجهات الممولة ،منها الأمريكي صاحب نظرية محاربة الإرهاب ،ومنها الغربي ذو الوجه الديمقراطي وحقوق الإنسان ،ومنها الوافد الجديد إيران صاحب نظرية القنبلة النووية التي أعتقد بها أبناء أمتنا إنها خلاصهم من قوي الشر والإرهاب ، فكانت الساعد القوي لهذه القوي . بعدما احتلت فلسطين ،واحتلت العراق أرضاً وشعباً وحكومات ،وبعيد احتلال الوطن العربي عقولاً وثروات وإرادة وتحولت أجوائنا وأرضنا لقواعد عسكرية ،ونقاط انطلاق لمن يمتلك المال والقوة ،فتحول شعارنا " كثير ُ من الجنس قليلُ من العمل " وما أشلاء الطفل "علاوي شلش" الذي لم يسمع به سوي من ألتقط صوره بكاميرات الإعلام ، وما صرخات الطفلة "هدي غالية " سوي تأكيداً على حالة الموات التي تعيشها هذه الأمة ، فهي تتحمل الأوزار كاملة ، وسقطت الأوهام التي كنا نحيا وسطها ،ونُلتقي بها على كاهل الزعماء فليس هم من يتحملوا أوزارنا بل نحن جميعاً منغمسين حتى أخمص القدمين في حالتنا هذه وحال الراعي من أحوال الرعية. فإن كانت قوانا التقدمية والسياسية والاجتماعية تشتري بالمال ،وتحرك وفقاً لإرادة المال فما حالنا كأفراد . لم يتبقي لنا سوي أن نبقي دوما نصرخ ونهتف "عاش من يدفع المال" ، عاش من يتاجر بدماء أبنائنا ويدير الظهر لصرخات أطفالنا . فمن المسئول عن قتل الطفل علاوي شلش؟ ومن المسئول عن صرخات الطفلة هدي غالية؟ هل هو العدو ... أم نحن من اخترنا الصمت على الظلم والقهر ، وانغمسنا بشهواتنا الدنيوية ، أم هؤلاء من يصدرون الفتاوى والتشريعات وهم في حاضنات القواعد العسكرية ، ولا يملكون سوي كلمات النور ليسرقوا بها أفئدتنا من على شاشات الفضائيات. ستغدو الصومال والسودان ، وسترتحل جزر أبو موسي الإماراتية ،وستفكك باقي الحدود ، ونحن نتغنى بأمجادنا ،ونهرول خلف من يساومنا بشهواتنا .




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home