القلم السياسي

 

الدم الفلسطيني ....مانشيت جديد

مهند صلاحات



الدم الفلسطيني ... مانشيت جيد لعنوان قصيدة أو مقال
 
مهند صلاحات
كاتب وصحفي فلسطيني
 
هل حقيقة لون الدم مغري لهذه الدرجة، لنكتب عنه قصيدةً أو مقالة؟، وهل حقيقة أن الكوارث والمجازر والدم على الرمال أكثر جمالاً من رمالِ البحرِ الصفراء النقية، لنكتب عنها قصيدة نلونها بدم طفل قتلته طائرة اباتشي، أمريكية الصنع، على شاطئ غزة ؟.
جميع من لمَ يعد لهم مِهنة إلا الرثائيات لمجازر الاحتلال الصهيوني في فلسطين، والأمريكي في العراق، وكل الذين وجدوا في مجزرة الاحتلال على رمال غزة ضالتهم فانطلقوا سريعاً يكتبون لهدى المنكوبة بأهلها، لعبوا ذات الدور الذي لعبته الفضائيات في استعراض المشهد المأساوي لتلك الطفلة المنكوبة، التي لن تُعيد لها كل رثائيات العرب وفضائِياتهم، وكل ما قاله العرب من أدب منذ أول ناطق بالعربية حتى اليوم ، أهلها الذين فقدتهم.
الجميع بلا استثناء يبحث عن الدم ليصبح عنوان قصيدة له فقط.
والكل يبحث عن الحدث ليغدوا شاعر عصره، أو كاتب الحدث.
لا يصبح الإنسان لديناً بطلاً إلا حين تصيبه نكبة، تماماً كما فعلت الفضائيات من قبل مع الشهيد الطفل محمد الدرة، وكم من درة غالية على قلوبنا فقدنا، لكن أسلوب السبق الصحفي امتد أكثر ليشمل السبق الشعري، والسبق المقالي، والسبق الغنائي حتى، وسَبق الفيديو كليب، وارقص على دماء الآخرين.
يا عرب ... يا مسلمين ... يا إسلام ... يا عروبة ... وا معتصماه أو مستسلماه.
والكثير الكثير من الشعارات الرنانة، والأغاني والأشعار تصدح يومياً في أذاننا، ومئات من خُطب المساجد التي لحقت هي الأخرى بالجوقة الغنائية والشعرية لتنادي على صلاح الدين، وتتغنى بحطين في كل كارثة أو مجزرة، فلون الدم يغري الشعراء ليصطادوا كلمات قصائدهم، والعدو على قاب قوسين أو أدنى منهم، لكن أيٍ منهم بوسعه أن يكون مكان هؤلاء الذين قتلوا؟
لا احد بالتأكيد، فالشاعر والكاتب والمغني، يرى نفسه فوق الجميع، وهو الذي لا يجب أن يكون تحت مرمى الهدف، فهو الذي يكتب التاريخ، ويرسم خرائط الجغرافيا، وهو الذي  يملك حق النداء، وهو الذي يملك فقط أن يَكتب، وينقد ما يُكتب، وكيف لا والشاعر يحق له ما لا يحق لغيره.
فهو ليس بالأم التي ترى بعينيها مقتل ابنها، ولا هو الأب الذي يحاول حماية ابنه بصدره، ولا هم رجل الإسعاف الذي يحاول نقل الجرحى تحت القصف، ولا هم موظفة لجان الإغاثة الطبية، ولا هم تلك الصحافية التي تنقل للعالم ما يجري وتصور لهم مشهد الدم اليومي المسيء لكل القيم الإنسانية، والذي يمارسه دعاة الديمقراطية، ولا هم راشيل كوري الناشطة الإنسانية التي وقفت بوجه الجرافات الإسرائيلية التي تقتلع بيوت وأشجار المواطنين الفلسطينيين، ليسوا سوى مشاهدي تلفاز ينتظرون الحدث ليكتبوا مرثية.
محمد الدرة، هدى ، فارس عودة، إيمان حجو، أسماء وصور جميلة، وتحمل مضامين أجمل لقصيدة أو مقالة، أو ربما ديوان شعر، أو اسم شارع في أحد المدن العربية، أو دوار، أو محل عطور، أو أجهزة هواتف نقالة، أو حتى منتج غذائي مغشوش يتم الترويج له.
وغداً لا أدري ربما يزداد العدد أكثر فأكثر، مما يعني أن قصائدً ودواوينَ شعرٍ، ومقالاتٍ أكثر ستُكتب، غزارة في الإنتاج كلما كانت المجازر والمذابح والدمار أكثر غزارة، وكلما كان المفقودين أكثر، وكلما ازداد عدد القتلى، يزداد إنتاج الكتّاب والشعراء والمنافقين، وتكثر قصائد الرثاء.
يختفي صوت البحر وهديره من ديوان العرب، لتحل محله البكائيات على أمجاد الأندلس، وقرطبة، والقدس القديمة، وكنيسة المهد، ومسرى الرسول.
الدم شهي على ثياب الآخرين، والقتل مثير في أبناء الآخرين، لنكتب لهم وعنهم قصيدة.
ما أجمل إذن أن يكون لدينا احتلال لكي يزداد الإنتاج الأدبي، فعلاقة الدم مع الأدب علاقة طردية حسب مقاييس الرياضيات للموضوع.
من يموت غداً ؟ وهل قد جهز كتّابنا وشعراؤنا قوالب جاهزة لمرثيات وبكائيات؟
دوما الصياغة جاهزة، والمفردات جاهزة، والتاريخ مليء بما نبكي عليه، فقط نستبدل أسماء.
من حق الجميع أن يكتب عن لون الدم، ويقول أنه يشبه وردة جوري حمراء، ومن حقي أن أقول لهم جميعاً: إن الدماء ليست بمثل هذا الجمال، فكفوا أقلامكم عنا. لسنا نحب الموت أبداً.
هذه ليست بقصيدة أو مقالة ألهمتني إياها الطفلة إياها على شاطئ غزة كما الآخرين، بقدر ما ألهمني إياها حالة التشفي بتلك الطفلة ومن قبلها محمد الدرة وإيمان حجو وغيرهم كثيرون.
يريدون أن يجعلوا من أطفال فلسطين وشهدائها أصنام القرن الحادي والعشرين.
لكن هذا الشعب باختصار يحب الحياة أكثر، ويموت بالرغم عنه، لا حباً في الموت كما يقول الآخرون:
احرصوا على الموت توهب لكم الحياة.
لكنه شعب يحب الحياة إذا ما استطاع إليها سبيلا.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home