دراسات هامة

 

الفضاء الروائـي في الخطاب النقـدي العربـي

حورية الظل



الفضاء الروائـي في الخطاب النقـدي العربـي


حورية الظل*

 
لقد عمل النقد العربي على المواكبة المستمرة للإنتاج الروائي العربي وتطوره، وقد تم ذلك من خلال مقالات ثم نشرها في المجلات؛ أو من خلال مؤلفات فردية أو جماعية، أو عبر االأطروحات الجامعية.
وقد حاولت هذه الدراسات النقدية المساهمة في تخصيب الوعي النقدي عن طريق متابعة مسار الرواية العربية وإبراز مظاهر خصوبتها ووجوه تميزها مقارنة مع الرواية التقليدية، مستفيدة من النقد الغربي.
وقبل الحديث عن حضور الفضاء الروائي في النقد العربي، لابد من التطرق إلى هذا النقد في علاقته بالرواية العربية بصفة عامة، وهو يظل متهما من قبل بعض الدارسين ومن هؤلاء سعيد يقطين الذي يرى بأن النقد العربي يهيمن على الرواية ويفرض عليها مقولاته، ويجعلها ذريعة للحديث عن إيديولوجيته، وبالنتيجة فهو: "نقد متعالم، ويمتلك سلطة هي سلطة الإيديولوجيا، ورغم كون الخطاب النقدي أساسا، بعديا، فإن النقد الروائي، ليفرض ذاته/إيديولوجيته، كأن يكون قبليا: يؤشر للرواية كيف ينبغي أن تكون، وينبغي "توجيهها" التوجيه الذي يريد" . وهذا جعل النقد الروائي العربي عاجزا عن تقديم إضافات ملموسة لنظرية الرواية. وبالإضافة إلى ما سبق تتهم الحركة النقدية العربية بالبطء، حيث نجدها متخلفة عن مسايرة الإبداع الروائي
ومتأخرة في استيراد النظريات الغربية.
والرواية لم تخضع للتدرج المرحلي كما هو الأمر في الرواية الغربية وللتحولات عبر تاريخها، ليظل تاريخ الرواية العربية حسب حسن المنيعي: "تاريخ نصوص إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تباعد الروائيين فيما بينهم... إضافة إلى ذلك، نجد النقد المواكب يتعامل مع هذه النصوص إما بمقولات سياسية أو انطلاقا من مناهج نقدية مستوردة يختلف تطبيقها من ناقد إلى آخر" . وهذا يؤكد ضعف النقد العربي، لكن تقع بعض الفلتات ونواجه بتنظيرات جادة لكن ناذرة الوقوع، ومنها تنظيرات الخراط للحساسية الجديدة، حيث يصنف الرواية إلى حساسيتين، تقليدية وجديدة، وتتوزع الجديدة إلى خمس تيارات:
1 ـ تيار التشييء.
2 ـ التيار الداخلي العضوي.
3 ـ تيار استيحاء التراث.
4 ـ التيار الواقعي السحري.
5 ـ التيار الواقعي الجديد.
وقد تمردت هذه التيارات على الحساسية التقليدية بكل تقنياتها، كالسرد الطولي والوصف البطيء يعتبر استراحة في الحكي والتسلسل المنطقي للزمن، وكتابة هؤلاء تعبر من خلال تحررها من ا لأشكال التقليدية عن ثورتها على السلطة المكرسة وإيجاد بدائل للواقع.
ومما لاشك فيه أن تطوير تناول الفضاء في الرواية العربية الجديدة، جاء نتيجة الاطلاع على الثقافة الغربية بصفة عامة والرواية الفرنسية الجديدة بصفة خاصة، وكذلك نتيجة الاطلاع على التراث الشيء الذي منح الرواية قيمتها وأبعدها عن المحاكاة.
إن تطور تقنيات الفضاء الروائي أضفت على النص جماليته وخصوصيته، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تمثل الروائيين العرب لشعرية الرواية الغربية مع محاولتهم التماشي مع الواقع الذي ينبت رواياتهم.
وقد لاحظنا ضعف اهتمام النقد العربي بالفضاء الروائي، لكون الرواية نفسها لم تكن تهتم بهذا المكون الحكائي وتعتبره مجرد إطار خارجي، لكن نتيجة التفاعلات الثقافية والتاريخية تمكن الفضاء من ترسيخ علاقته ضمن الخطاب بالمكونات الروائية الأخرى. وقد منحت له قيمة قصوى نتيجة المثاقفة كما استمد بعض مقوماته من التراث العربي، وكذلك نتيجة تغير آليات اشتغال الرواية وتجديدها، وهو أمر فرضته التحولات التي عرفها العالم العربي، وكذا الاطلاع على الثقافة الأجنبية.
ونظرا لكون الرواية أضحت تهتم بالشكل أكثر من اهتمامها بالمضمون، وكون هذا الشكل أصبح هو الموصل إلى المضمون وليس العكس، فإن تناول الأعمال الروائية أصبح يبتعد عن دراسة سوسيولوجية المضمون ويهتم بما يؤسسه النص الروائي من بنيات فنية وخصائص جمالية يتم الوصول إليها عن طريق البناء الفني الذي يؤسسه الروائي.
ويعتبر اهتمام النقد العربي بالفضاء الروائي ضرورة حتمية فرضتها الرواية العربية الجديدة التي أصبحت تهتم بهذا المكون الروائي، لكن المفارقة أن اهتمام الرواية بالفضاء شكل طفرة نوعية مقابل النقد الذي ظل يقارب هذا المكون باستحياء يؤدي بالنقاد في بعض الأحيان إلى الخلط في المفاهيم والتعتيم في الرؤى، لكن رغم ذلك لا يمكن إنكار مجهودات بعض هؤلاء النقاد في إضاءة جوانب الفضاء الروائي، لأن لولاها لظل معتما.
وسنقدم فيما يلي قراءة سريعة لبعض هذه الدراسات النقدية محاولين إبراز مدى تمثل النقاد العرب لمقولة الفضاء الروائي أو بقائهم دون ذلك؟
1 ـ ياسيـن النصــيــــــر:
يعتبر العمل الذي أنجزه الباحث العراقي ياسين النصير مساءلة مبكرة للمكان الروائي، فتبدو نتيجة ذلك بساطة تناوله لهذا المكون الحكائي، الذي يترجم جدة الموضوع على الساحة النقدية من جهة، وكذلك عدم اطلاعه على ما أنجزته الشعرية الغربية في هذا الموضوع، فبدا عدم امتلاكه للآليات المنهجية واضحا، لذلك بدت مقاربته بسيطة وسطحية لموضوع غاية في العمق والصعوبة والالتباس.
وهو لم يعتمد منهجا معينا لذلك يمكن اعتبار ما جاء في دراسته اجتهادا شخصيا لحداثة تناول طيمة المكان في النقد العربي ويؤكد ذلك بقوله: "أنا أبحث بأضافري الخاصة طريقا لم أجد أية علامة دالة عليه" .
ويعرف المكان في الرواية من خلال قوله: "المكان دون سواه يثير إحساسا بالمواطنة، وإحساسا آخر بالزمن وبالمحلية، حتى لتحسبه الكيان الذي لا يحدث شيء بدونه، فقد حمله بعض الروائيين تاريخ بلادهم، ومطامح شخوصهم، فكان وكان، واقعا ورمزا، تاريخا قديما وآخر معاصرا، شرائح وقطاعات مدنا وقرى حقيقية، وأخرى مبنية في الخيال، كيانا تتلمسه وتراه، وكونا مهجورا أغرقته سديمات لا نهاية لها" .
ويهدف الباحث إلى إبراز قيم المكان الفكرية والجمالية في الرواية، لكنه في تحليله لم يوفق إلى ذلك، ويعود الأمر إلى طبيعة الروايات العراقية المدروسة، التي تعود إلى فترة الستينات، كما أن طبيعة المرحلة جعلته ينتصر لعلاقة التاريخ بالمكان، ويتهم الكتاب العراقيين بعدم التغلغل إلى جوهر العلاقة بينهما.
ونجده يقارن بين المكان في الواقع والمكان في الفن، بقوله: "يبقى المكان في العمل الفني جزءا من البناء الروائي، أما المكان على الأرض فهو جزء من كيان آخر، العلاقة بين الاثنين لا تعكسها الكلمات ولا المسميات بل تعكسها تلك اللغة المشتركة، وذلك الإحساس الدفين" ، فهو يركز على روح المكان ودلالته وليس على المكان في حد ذاته.
وقد قسم تحليله للروايات العراقية إلى ثلاثة فصول، لكن ظل هذا التحليل غير مبني على منهجية خاصة، وإنما يمكننا تسميته نقدا انطباعيا ويؤكد ذلك بقوله: "ولكني كما يبدو لي كنت أحرث أرضا بكرا، فليس تحت يدي في موضوعة المكان وفن الرواية إلا مادة الروايات ذاتها" .
لكن يبدو أنه بدل مجهودا كبيرا في تناوله للمكان في الرواية حيث نجده في الفصل الأول قد تناول المكان "المفترض" أو "المتخيل" وقارن بينه وبين المكان ذي المرجعية الواقعية: "خصائص الأول من أنه يبني تكويناته من الحياة الاجتماعية وتستطيع أن تؤثر عليه بما يماثله اجتماعيا وواقعيا أحيانا، أما خصائص الثاني، فهو ابن المخيلة والبحث"  وما يحسب له في مقارنته بين المكان ذي المرجعية الواقعية والمتخيل كونه انتبه إلى عدم وجود حدود فاصلة بينهما في العمل الروائي، لأن كلاهما يتواجدان من خلال اللغة.
وهو يؤاخذ الروائيين الذين تناول رواياتهم بالتحليل على بساطة تمثلهم الفكري والجمالي للمكان لأن: "في عموم الرواية لا تعثر على تحديدات معينة للمكان، أي مكان"  أما اللغة فيرى بأنها انطباعية ووصفية وعامة ولا روح فيها.
أما في الفصل الثاني، فيتناول بالدراسة الفضاء المغلق الذي يتلخص في السجن أو ما شابهه، ويشير إلى ارتباط الزمان بالمكان، زمان القمع الذي فرض هذا النوع من التناول للمكان.
أما في الفصل الثالث، فقد تناول المكان الأحادي البعد، وهو ذلك: "المكان الذي لم يهتم القاص به اهتماما كليا، فجاء بمثابة الغطاء الخارجي للأحداث" ، إنها إشارة إلى المكان في الروايات المدروسة، حيث نجد التحديد المطلق للمكان، لذلك لا يتسم بأية خصوصية.
ومن ثمة؛ فإن طبيعة المرحلة التي كتبت فيها الروايات فرضت أمكنة خاصة، وقد أشار الباحث إلى ذلك، وإن ظلت مقاربته تتصف ببعض الضعف والسطحية، لكنها كانت رائدة في مجالها ومن المقاربات الأولى للمكان الروائي في النقد العربي.

2 ـ سيـزا قـاســم:

أما النموذج الثاني من الدراسات النقدية التي تناولت المكان في الرواية فيتعلق بما أنجزته سيزا قاسم ضمن كتابها "بناء الرواية" ويتسم الكتاب: "بالوضوح النظري النسبي"  حسب حميد لحميداني.
وقد اتبعت الباحثة المنهج البنيوي في التحليل، ودرست المتن دراسة مقارنة وقد أشارت إلى ذلك في عنوان الدراسة: (بناء الرواية، دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ) ولا نجد عندها خلطا بين ما هو نظري وما هو تطبيقي حيث استندت على المنهج البنيوي في تناولها للنقد التطبيقي المقارن: "يجمع بحثنا بين التحليل البنائي والنقد المقارن" .
ويفرض عليها المنهج، الاهتمام ببنية المحكى الروائي وليس المضامين، أي تركز على البنية، وتؤكد على ذلك بقولها: "الذي يهمنا هو التقنيات والأساليب والأبنية حيث أن الذي نناقشه هو ظهور شكل أدبي جديد، لا انتشار أفكار جديدة في نواحي الحياة المختلفة" ، وهذا يبعد الدراسة عما هو إيديولوجي ونفسي.
وقد قسمت الدراسة إلى ثلاثة فصول هي كالتالي:
1 ـ بناء الزمان الروائي.
2 ـ المكان الروائي.
3 ـ بناء المنظور الروائي.
وبما أن موضوعنا هو الفضاء الروائي؛ فإننا سنركز على مقاربتها للمكان، فهل استطاعت تطبيق المنهج البنيوي في تحليلها للمكان أم ظلت دون ذلك؟
إن المتن الذي تناولته بالتحليل هو ثلاثية  نجيب محفوظ (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، ونلاحظ أنها في تناولها للمكان قرنت التحليل بالتنظير .
وقد غطى اهتمامها البالغ بالنظرية على تحليل النص تحليلا شموليا، كما أنها أصدرت أحكاما عامة على المتن كله انطلاقا مما هو جزئي، كالحكم الذي أصدرته بعد تطبيق شجرة الوصف عند Ricardouعلى فراش أمينة ومكتب السيد، ومقارنتها بتطبيق شجرة الوصف على قبعة Flaubert، فوصلت إلى نتيجة مفادها أن: "الوصف عند نجيب محفوظ هيكلي حيث أنه يكتفي بتسمية الأشياء دون تجزئتها إلى مقوماتها وسماتها، وتذكر الأشياء في أغلب الأحيان دون أن توصف أو يكون الوصف عاما في غير تفصيل" ، فيؤكد ذلك عدم الخضوع لتغير مستويات الوصف في النص الروائي.وهي تقارن بين الوصف عند محفوظ والوصف عند  Balzacبقولها: "يأتي طول المقاطع الوصفية البلزاكية من الوقوف عند التفاصيل الدقيقة، أما محفوظ فيكتفي بالخطوط العريضة والملامح العامة للمكان" ، ويظل فهمها متقدما للمكان الروائي، لأنها استطاعت أن تتناوله بعمق نسبي رغم جدة الموضوع على الساحة النقدية.
وقد قسمت الفصل الخاص بالمكان إلى سبعة أقسام وهي كالتالي:
1 ـ أهمية المكان في البناء الروائي.
2 ـ وصف المكان.
أ ـ طبيعة الوصف.
ب ـ وظيفة الوصف.
ج ـ علاقة الوصف والسرد.
د ـ تقنية الوصف عند محفوظ في الثلاثية
هـ ـ الاستقصاء والانتقاء.
3 ـ الأشياء في الرواية الواقعية.
4 ـ الصورة الوصفية للطبيعة ودلالاتها.
5 ـ علاقة الرسم بالوصف.
6 ـ علاقة المكان والزمان في الوصف.
7 ـ بناء المكان الروائي في الثلاثية.
يبدو واضحا من خلال التقسيم؛ أن الباحثة تمنح الوصف مكانة خاصة، لأن من خلال الوصف يشخص الفضاء، فتحليلها لمقولة الوصف جعلها تربط بينها وبين المكان حيث تعرف المكان بقولها: "ترى أن المكان ليس حقيقة مجردة، وإنما هو يظهر من خلال الأشياء التي تشغل الفراغ أو الحيز، وأسلوب تقديم الأشياء هو الوصف" . وبذلك تؤكد على ضرورة هذا الوصف للأمكنة، لأن بدونه لا يمكن تقديم المكان ومؤثثاته.
ويعتبر تناولها لعلاقة الوصف والرسم دالا على فهمها للفضاء الروائي في علاقته بباقي الأجناس الفنية، ومنها الرسم، وكذلك على تأكيدها لمقولة العبور الأجناسي حيث أشارت إلى حضور الرسم في الرواية الذي بدأ مع المدرسة "الواقعية": "إنها حركة معينة بدأت في الرسم وانطلقت منه وأخذت تسميتها منه"  وقد كشفت عن ضعف حضور هذا المكون الروائي عند نجيب محفوظ والذي يبدو الآن حاضرا بقوة عند كتاب الرواية العربية الجديدة.
ونجدها في تناولها للمكان عند نجيب محفوظ في الثلاثية تؤاخذه على اقتصاره على تناول المكان المغلق والمنعزل، وجعل الأحداث تدور فيه: "فالأحياء في الثلاثية تفقد الرحابة والاتساع، وتتقلص إلى حيز محدود لا يتجاوز البيت، فبين القصرين لا يتجاوز بيت السيد مع إشارات محدودة للدكاكين والمحال المجاورة، وقصر الشوق لا يتجاوز بيت ياسين، والسكرية بيت آل شوكت وحلوان هي بيت عبد الرحيم باشا عيسى والعباسية هي قصر آل شداد"  لكن الكاتبة تستدرك حين تضيف أماكن تؤشر على اتساع الرقعة المكانية مع امتداد الرقعة الزمانية في الثلاثية.
فأضافت قصر الشوق:
ـ العوامة
ـ قصر آل شداد
ـ زيارة الأهرام
ـ بيت الدعارة
كما أضافت السكرية:
ـ بيت عبد الرحيم باشا عيسى بحلوان
ـ مجلة الفكر
ـ مجلة الإنسان الجديد
ـ بيت الأستاذ فوستر بالمعادي
ـ الجامعة
ـ الجامعة الأمريكية
ـ قسم الشرطة.
وهي ترى أن المكان عند محفوظ في الثلاثية يمثل "الثابت" الذي يناقض تغير الشخصيات المستمر. ويبدو أن الكاتبة محقة في ذلك، لأن الشخصيات خاضعة للزمن، أما المكان فإن سطوة الزمن لا تطاله بسرعة، وإنما ببطء غير محسوس.
وقد انتهجت المقارنة بين المكان عند محفوظ والمكان عند Balzac  وFlaubert، فوصف الأمكنة رغم أنه يوحي بواقعية ما يعرض يظل مرتبطا بالنص الروائي، وقد قارنت بين محفوظ وبين الكتاب الواقعيين، وحاولت الوقوف على أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف بينه وبينهم، وإن كانت تنتصر دائما للكتاب الغربيين نتيجة تمثلهم للفضاء الروائي، واتسام تناول المكان من قبل نجيب محفوظ بالقصور وعدم رقيه إلى التجربة الغربية في هذا المضمار.
وما يلاحظ على الباحثة أنها تحاكم النص ككل من خلال بعض خصائصه، وهي بذلك لا تخلص للمنهج البنيوي الذي يستصدر مكونات النص ومميزاته من النص ككل في انسجامه وتلاحمه، لذلك ظل المكان خاضعا لرؤية الكاتبة.


3 ـ حسـن بحـراوي:

أما النموذج الثالث من هذه الدراسات، فيتعلق بالبحث الذي أنجزه حسن بحراوي "بنية الشكل الروائي"، وقد خصص أحد أبوابه الثلاثة للفضاء الروائي وعنونها بـ: "بنية المكان في الرواية المغربية".
وفي تقديمه لهذا الباب حشد كل ما قالته الشعرية الغربية تقريبا عن الفضاء الروائي، فأبدى من خلال التعريفات التي ساقها عن فهم للظاهرة، ويرى بأنه لم: "تعن الدراسات الشعرية أو السيميائية في النقد الحديث بتخصيص أية مقاربة وافية ومستقلة للفضاء الروائي باعتباره ملفوظا حكائيا قائم الذات وعنصرا من بين عناصر النص" . فيبدي وعيا بالقصور الذي  تعاني  منه دراسة الفضاء  الروائي في الشعرية  الحديثة ، وقد  عمل على تحديد الجوانب التي اهتم بها كتاب الشعرية في تناولهم لمقولة الفضاء، باعتباره مكونا أساسيا في الآلة السردية، وهو يشير إلى التجديدات التي طالت الفضاء الروائي في الكتابة الروائية الجديدة، وكيف لم يعد ذيليا في الرواية؛ وإنما أصبح ضروريا للسرد، الذي أصبح محتاجا لكي ينمو ويتطور كعالم مغلق ومكثف بذاته، إلى عناصر زمانية ومكانية.
ويركز الباحث على نظرية التقاطب التي أتى بها "لوتمان"، ويرى بأن هذا الأخير: "لا يقنع بالعرض النظري لمفهوم التقاطب، وإنما يصله بالممارسة النقدية التي ستثبت جدارته الإجرائية في التحليل والتأويل" .
وما فعله بحراوي أنه عمد إلى تحليل روايات مغربية معتمدا منهج التقاطب، وميز بين أمكنة الإقامة وأمكنة الانتقال من خلال نظرية التقاطب التي اعتمدها في التحليل، وقد تولدت عن هذه الثنائية الضدية: "ثنائيات وتقاطبات أخرى تابعة أو ملحقة، وهكذا صار باستطاعتنا أن نعثر، مثلا، ضمن أماكن الإقامة على تقاطب جديد بين أماكن الإقامة الاختيارية وأماكن الإقامة الإجبارية (المنزل مقابل السجن)، وتقاطبات أخرى بين أماكن الإقامة الراقية والإقامة الشعبية، القديمة والجديدة، الضيقة والمتسعة، الآهلة والخالية، القريبة والنائية.
أما أماكن الانتقال فتكون مسرحا لحركة الشخصيات وتنقلاتها، وتجد فيها الشخصيات نفسها كلما غادرت أماكن إقامتها الثابتة، وتتمثل في الشوارع والأحياء والمحطات وأماكن لقاء الناس خارج بيوتهم كالمحلات والمقاهي... إلخ.
إن هذه الأماكن في تقاطبها هي التي تشكل موضوع تحليل الباحث، وهو يرى بأن المنهج الذي اعتمده فرضته طبيعة المكان في الرواية المغربية، ويبدو أن النماذج المدروسة لم تمتلك وعيا فكريا وجماليا بالفضاء الروائي كما هو الحال في بعض النماذج في الرواية المغربية والرواية العربية الجديدة بصفة عامة، وذلك ما أغرى الباحث بمنهج التقاطب حيث نلاحظ تركيزه على مقاربة الأمكنة في الرواية وليس الفضاء الروائي، فهو يحدد الأمكنة التي يتناولها بالتحليل، فلم يرق إلى دراسة الفضاء الروائي، ولم يمكنه ذلك من الاستفادة الكاملة من المقدمة النظرية، رغم عمق ما راكمه من مفاهيم للفضاء الروائي كما جاءت في الشعرية الغربية.
وتبقى أهمية مقدمة الباحث في كونها تمكن الباحثين في الفضاء الروائي من الاستفادة منها أمام نقص المراجع وندرتها، خاصة تلك المتعلقة بالفضاء الروائي. كما أن مقاربته تبقى إضافة نوعية أمام ندرة الدراسات التي تهتم بالفضاء الروائي في الرواية العربية.
4 ـ حميـد لحميدانـي: 
أما النموذج الرابع من هذه الدراسات فيتعلق بدراسة حميد لحميداني المعنونة بـ "بنية النص السردي".
ونجده يشير إلى عدم تكامل نظرية الفضاء الروائي؛ وهذا ما يخول له الاجتهاد في هذا الباب: "إن الآراء التي نجدها حول هذا الموضوع، هي عبارة عن اجتهادات متفرقة، لها قيمتها، ويمكنها إذا تراكمت أن تساعد على بناء تصور متكامل حول هذا الموضوع" .
وقد بدت جدية الباحث وعمق فهمه للظاهرة، من خلال ما أورده من مقولات الشعرية الغربية عن الفضاء، وهو لا يكتفي بحشد ما أتت به هذه الشعرية، وإنما يبدي رأيه فيها: "إن الدراسات الموجودة حول الفضاء، لا تقدم مفهومها واحدا للفضاء، فمنها ما يقدم تصورين أو ثلاثة ومنها ما يقتصر على تصور واحد" .
وهو يحصر هذه المفاهيم في أربعة:
1 ـ الفضاء كمعادل للمكان.
2 ـ الفضاء النصي.
3 ـ الفضاء الدلالي.
4 ـ الفضاء كمنظور أو رؤية.
والأول هو الذي تصوره الرواية المتخيلة ، والثاني: "هو الذي تشغله  الكتابـة ذاتها - باعتبارها أحرفا طباعية- على مساحة الورق، ضمن الأبعاد الثلاثة للكتاب" .
أما الثالث فهو حسبG.Genette : "ليس شيئا آخر سوى ما ندعوه عادة (صورة Figure)" . والرابع يتلخص في: "زاوية النظر التي يقدم بها الكاتب أو الراوي عالمه الروائي" .
وقد بين الباحث أن: "المفهومين الأخيرين لهما علاقة بمباحث أخرى، واتخذا هنا تسمية الفضاء دون أن يدلا على مساحة مكانية محددة، على خلاف المفهومين الأولين، اللذين نعتبرهما مبحثين حقيقيين في فضاء الحكي" . وهو إذ يتحدث عن مكونات hلفضاء الروائي لكنه لا يدمجها في بعضها البعض وإنما يحددها ويميز فيما بينها.
ثم ينتقل إلى التمييز بين الفضاء والمكان  حيث أبدى في هذا المبحث اجتهادا خاصا، فحاول أن يميز بين الفضاء والمكان تمييزا محددا حتى لا يقع ضحية التباسهما.
وبعد التمييز الذي أقامه الباحث بين المكان والفضاء انتقل إلى تناول المكان كمكون للفضاء الروائي، وقد ساق أمثلة من الرواية العربية تم فيها تشخيص المكان، وميز بين أهمية المكان في الرواية الواقعية والمكان في الروايات الذهنية بقوله: "إن المكان في الرواية الواقعية يكتسب أهمية كبيرة بالنسبة للسرد (...) أما في الروايات التي يمكن أن نصفها بأنها ذهنية مثل روايات تيار الوعي، فلا يكتسب فيها المكان الموصوف أهمية كبيرة"  .
وقد قسم وظيفة المكان في الرواية الجديدة إلى قسمين:
"أحدهما: يعتم عن قصد صورة المكان، ويقتصر على إشارات عابرة تدعو إليها الضرورة لإقامة الحكي.
وثانيهما: يبالغ في وصف التفاصيل يبدو معها العالم المادي ينوء بأشيائه، وأمكنته على الأبطال وعلى القراء أنفسهم" . وقد أشار الباحث في نهاية المبحث إلى عدم إخلاصه للنظرية البنائية لأنها: "لم تتبلور بعد نظرية متكاملة في الموضوع، وهو ما يسمح على الدوام بمتابعة الآراء الأخرى، حتى ولو كانت تختلف في منطلقاتها مع النظرية البنائية شرط أن يكون ذلك في حدود لا تخل بوحدة البحث وتوجهه العام" . إن الباحث يريد أن يجعل مقاربته للفضاء الروائي تقوم على منطلقات نظرية تمكنها من اكتساب صبغة شمولية، وليس الاقتصار على تناول أحد جوانب الفضاء دون الجوانب الأخرى.
5 ـ محمـد منيـب البوريمـي:
أما النموذج الخامس فإنه يتعلق بكتاب "الفضاء الروائي في الغربة"  لمحمد منيب البوريمي، ويتناول بالتحليل في كتابه، أشكال الفضاء الروائي في رواية "الغربة" للعروي، ويبدي عن فهم متقدم للفضاء، ويعتمد في مقاربته على تنظيرات Bakhtine وG.Genette وMitterand، وقد اهتم بالبنيات الفنية في النص الروائي: "فقد بدا لي أن أهمية هذه الرواية، لا ينبغي أن تنحصر وحسب في بعدها الأحادي المدروس لحد الآن (أي البعد الإيديولوجي) بل أيضا فيما يؤسسه النص من بنيات فنية وخصائص جمالية"  .
وقد حدد مصطلح الفضاء معتمدا ما جاء به Mitterand و Bakhtine الذي يرى أنه من المستحيل فصل الفضاء عن الزمن وأدرجهما تحت اسم "الكرونوتوب" ِChronotop.
وقد تمكن الباحث من تمثل الفروق الموجودة بين المكان والفضاء، ودرس فضاء الغربة من خلال مستويين:
أ ـ مستوى أفقي: حدد فيه جغرافية الفضاء ونوعية الوشائج التي تربطه بالأشخاص الذين يتحركون في إطاره، أي الفضاء من حيث هو إطار موضوعي للأشخاص والأحداث والأفعال والأشياء.
ب ـ مستوى عمودي: يركز على استجلاء أنماط الفضاء، والأبعاد الفنية المضمرة التي حاول العروي أن يوظفها روائيا ويستغلها رمزيا، انطلاقا من الفرضية التي تقول بسيميائية الفضاء أو ثنائيته.
وما يلاحظ على تناول المكون الفضائي في رواية الغربة، أن الباحث أهمل جانبا مهما وهو الوصف في الرواية، حيث لم يتعرض له في مقاربته، ويبدو أن عبد الله العروي استطاع أن يتمثل الفضاء في روايته فكريا وجماليا، وذلك كان عاملا مساعدا للباحث على تمكنه من تمثل هذا المكون الروائي.
ونشير في الختام إلى أن هذه الأبحاث التي تناولت الفضاء الروائي قد اتسمت بالتعثر الذي لا يزال يطبع الشعرية الغربية ذاتها في مقاربتها هذا المكون الروائي، كما أنها تشكل قفزة نوعية في النقد العربي الذي أصبح يقتحم مواضيع كانت لا تزال بكرا منذ عقدين من الزمان فقط، ولا أدل على ذلك مقاربة ياسين النصير التي تعتبر من بواكير تناول الفضاء الروائي في النقد العربي.
وبصفة عامة، فإن أبحاث النقاد العرب التي تطرقنا لها، يعتبر القاسم المشترك بينها هو الفضاء الروائي، لكنها خضعت لرؤى الباحثين وتوجهاتهم ومنطلقاتهم المنهجية، وأبرزت مدى تمثلهم لمقولة الفضاء الروائي أو بقائهم دون ذلك، لكن على العموم ظلت دراساتهم متقدمة في مجالها، وما أتى فيها من هفوات يعود للالتباس الذي يطبع مفهوم الفضاء الروائي، لذلك تكشف هذه الأبحاث عن تطور النقد العربي الذي أصبح يغامر باقتحام مواضيع حديثة العهد لم تحقق بعد نظرية متكاملة حتى في الغرب كالفضاء الروائي، كما أن مقاربات النقاد أصبحت تهتم بالبنيات الداخلية للرواية وليس بالمضامين.
وجاء الاهتمام بالفضاء الروائي في مرحلة تم فيها التجاوب مع النقد الغربي، أو بعبارة أخرى فرضه التطور الذي عرفته الرواية العربية التي أصبحت تهتم بالشكل أكثر من اهتمامها بالمضمون، الشيء الذي فرض تهميش المقاربات السوسيولوجية والنفسية والاهتمام بالبناء الشكلي للرواية، لكن الملاحظة العامة؛ أن تناول الفضاء الروائي في النقد العربي لا يزال يتسم بالضعف وعدم الن


 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home