مقال

 

لو كان لهم حظ من حزن كلاشنيكوف !

رضا محافظي



في كل مناسبة يظهر فيها مخترع السلاح العسكري القتالي كلاشنيكوف الا و يعبر عن حزنه الشديد و ألمه العميق و هو يرى سلاحه الذي اخترعه يستعمل لقتل أرواح بشرية بريئة في أرجاء كثيرة من العالم و لأسباب رخيصة ، في وقت بلغت البشرية ما بلغت من الرقي المادي و التقدم التكنولوجي و الانفتاح على عوالم كثيرة كانت الى زمن قريب عوالم غيب و مساحات تتراقص فيها صنوف المجهول . و على الرغم من أن الرجل ، الزراعي في أصل تخصصه ، قام باختراعه انطلاقا من واجب أملاه عليه حب وطنه و من قناعة بأهمية اختراعه في تحرير بلاده من الغزاة و المحتلين ، و على الرغم من مرور ستين سنة كاملة على اختراعه و انتقال الاختراع ملكا مشاعا للبشرية ، فان الشعور بالذنب لا يزال يحيط به و يسكن باطنه و يقفز الى مخيلته في كل مناسبة يرى فيها استعمالا في غير محله لاختراعه و هو يعبر عن ذلك بصراحة واضحة .

كلما أقرأ حول تصريحات كلاشنيكوف أجدني أقارنها دوما بتصريحات شخصيات تنتمي الى عالمنا العربي كانت في يوم ما في مواقع سمحت لها بالتأثير في مجريات الأمور و للأسف الشديد قادت الشعوب التي تنتمي اليها الى مآسي يندى لها جبين البشرية و تتألم لها القلوب الصادقة . في الجزائر مثلا ، أدت المأساة التي عرفها البلد منذ مطلع التسعينات الى نتائج قاسية ، الله وحده أعلم متى ستمحى آثارها ، و تبرز في عشرات الآلاف من الضحايا و الآلاف من المتضررين بكل الأصناف من أيتام و أرامل و معطوبين و مفقودين و غيرهم ، ناهيك عن الضرر المادي الذي لحق بالبلد من جراء الخراب الذي لحق ببنيته التحتية و الضرر المعنوي الذي طال سمعته في الخارج . أما الآثار النفسيـة التي تـركتـهــا الأزمــة فـي قلــوب النـاس و تأثيرها في علاقاتهم الفـرديـة و الجمـاعيـة فـان شأنها شأن آخر و علاجها أمر صعب بكل تأكيد و سيحتاج الى وقت طويل .

كل تلك الآثار لم تؤثر في قلوب من كانوا في يوم من الأيام سببا في تلك المأساة و لم نجد الى الآن من يصرح أنه أخطأ و يعترف أنه كان سببا – و لو بسيطا – في اندلاع المأساة و تأزّمها . كل التصريحات لكل المعنيّين تصب في اتجاه واحد يقضي بتبرئة النفس و اتهام الغير . لا أحد يعترف بذنبه و لا أحد يعبر عن حزنه عن خطئه أو مشاركته في ارتكاب الخطأ ، و لو صدقنا الجميع فاننا لن نجد تفسيرا لما حدث ، اللهم الا اذا اعتبرنا ما حدث كان من طرف مخلوقات غير أرضية عاثت في البلد فسادا و طارت على حين غرة الى عالم المجهول من جديد و تركتنا نتخبط في ظلمات المأساة . أنا لست من دعاة تقليب المواجع و لمس جرح لم يجف بعد . أنا متيقن أن الأولوية الآن هي للحديث عن المستقبل ، عن كيفية النهوض و كيفية الاصلاح و السير قدما الى الأمام ، و لست ممن يريدون الخوض في تجربة جنونية جديدة نتائجها لن تكون سوى مثل النتائج السابقة أو أسوأ منها . لكن كنت أتمنى أن أسمع تصريحات من البعض ، و ليس بالضرورة من الكل ، تهبط بأصحابها الى مستوى البشر أولا و ترتفع بهم بين البشر الى مستوى العقلاء الصادقين منهم ، يصدُقون فيها مع أنفسهم و مع مجتمعهم و يطهرون بها ماضيهم و يمسحوا بها سوء تصرفاتهم عن طريق ارشاد هذا الجيل و توجيهه الى ما يجب أن يجتنبه مما سقطوا هم فيه من سوء التصرف .

كان يعجبني في أحد علماء المسلمين قوله حين يسأل عما يجب القيام به مع الفرد العربي من طرف دعاة الاصلاح الديني أنه يجب أن يصحح فيه انسانيته ثم يأتي الباقي . نحن ندّعي أننا ننتمي الى أمة الروح لديها أقدس ما يحمل الانسان بين جنبيه و أننا نعتبر أن قتل انسان بريء هو أسوء جرم يقع بين الانسان و أخيه الانسان على الاطلاق ، و لنا في ذلك من قصة قابيل و هابيل عبرة كبيرة . و اذا كان موت فرد واحد شيء يهتز له الكون فكيف الحال اذا تعلق الأمر بقتل الآلاف من نفوس الأبرياء ؟ لكن مع ذلك فان العزة بالاثم و الكبرياء الانساني المتعجرف المغرور يسيطر على عقول الكثيرين منا ، و قلما نجد بيننا من يجرؤ على الاعتراف بالذنب جهارا . و اذا كان كلاشنيكوف يسبقنا الى الأسى و الحسرة على موت نفوس بريئة ليس له دخل مباشر في موتها في الوقت الذي يأبى من عندنا عن الاعتراف بالذنب و التوبة عنه بعد أن أثبتت الأحداث أنهم أسباب لمآسي عديدة ، فان ذلك من المفروض أن يدعـونا الى مـراجعــة أنفـسـنـــا و مقارنة ظاهرنا مع باطننا و تصحيح سلوكاتنا و لنا في كلاشنيكوف مثالا جيدا لو كنا صادقين .




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home