تحقيقات صحفية

 

الشاعر والقاص الفلسطيني خالد الجبور في حوار مع أقلام



الشاعر والقاص خالد الجبور في حوار مع أقلام
الفائدة التي يجنيها الطلاب من مدرس متذوق للغة والنصوص تفوق بكثير الفائدة الممكنة من مدرس مهني.
كنت أشعر أن النص يكتب نفسه عن طريقي ، ويفرض شكله ومضمونه في عملية قسرية.
إن التعكز على بحور الخليل وتفاعيله أيسر بكثير من التحليق في فضاء الشعر الحر.
الشعر بوح إنساني يخص الروح.
لا  أتصور إبداعاً حقيقياً لا يواكبه نقد يليق به.
ما أكثر القصائد التي هزمتني ، وتسربت من بين أصابعي كالماء.
الأرض أمنا جميعاً ، ولكنها صارت أراضين ، أرضنا وأرضهم.
كلمات القلوب حادة وقاطعة كسكاكين القصابين
.

هل كانت دراستك للغة العربية أكاديميا رافدا لإبداعك أم عائقا أمام تجنيحك كما تشتهي كشاعر طليق؟ وما مدى الاستفادة التي يمكن أن يجنيها الطلاب بشكل عام إذا ما حظوا بأستاذ يملك زمام الحرف شعرا وقصا؟

سألتني : هل كانت دراستك للغة العربية أكاديميا رافدا لإبداعك أم عائقا أمام تجنيحك كما تشتهي كشاعر طليق؟
وإجابة على سؤالك الجميل سأنقل إليك أول ما تبادر إلى ذهني فور قراءتي للسؤال ، إذ تذكرت ذلك الحوار الطائش من جهتي مع أستاذ النحو في سنتي الأولى في الجامعة ، حيث استهنت بأهمية قواعد النحو في تعليم اللغة ، الأمر الذي قاده إلى أن يطرح عليّ السؤال البديهي : وكيف تعرف خطأك من صوابك حين تكتب ؟!
ومن غروري في ذلك الحين وجدتني أجيبه : أستطيع أن أكتب مئة صفحة دون خطأ نحوي واحد ، وليس مهماً أن أعرف لماذا رفعت المرفوع أو نصبت المنصوب .
قلت ذلك ودفعت إليه بنسخة من مجلة البيادر الأدبي ، وكان لي فيها قصة ، وطلبت منه أن يكشف لي عن خطأ نحوي واحد ، فأخذها مبتسماً ، وقال : لعلهم صححوا ما وقعت فيه من أخطاء .
فأجبته على الفور : لا ، لقد نشروها كما أرسلتها دون تغيير حرف فيها ، والدليل أن في المجلة قصصاً لآخرين لا تخلو من الأخطاء ..
وما أريد أن أقوله من خلال هذه القصة إن دراستي للغة لم تضف لي سوى المزيد من الثقة في سلامة ما أكتب ، كما أنني لم أشعر باستفادة حقيقية من دراسة المقررات الجامعية ، لأنني ظللت أشعر أنها لم تضف لي جديداً بسبب اتساع قراءاتي قبل دخول الجامعة .

وسألتني أيضاً : وما مدى الاستفادة التي يمكن أن يجنيها الطلاب بشكل عام إذا ما حظوا بأستاذ يملك زمام الحرف شعرا وقصا ؟
أعتقد أن الفائدة التي يجنيها الطلاب من مدرس متذوق للغة والنصوص تفوق بكثير الفائدة الممكنة من مدرس مهني ، خصوصاً وأن تعليم اللغة يتمّ أساساً عن طريق المحاكاة ، ولا بدّ للطالب من التأثر بمن يملك لغة أصفى وأجمل .

 كيف تستطيع ان تصف لنا لحظة الخلق الشعرية فمتى يأتيك ذاك الوحي لكي تبدأ بالكتابة ؟
 

سؤالك الأول صعب ، وأعرف أن كثيراً من الشعراء واجهوه بحيرة وارتباك كارتباكي ، فالكاتب والشاعر على وجه الخصوص قد يكتب بقرار مسبق يتخذه ، فيجلس إلى مكتبه ، ويبدأ بحك رأسه سائلاً نفسه : ماذا أكتب ؟ !! ماذا أكتب ؟! ..
وقد يجد نفسه مدفوعاً دون سابق إنذار أو تفكير لكتابة قصة أو قصيدة بشكل محموم ، وكأنه يخطف من نفسه خطفاً . وبالنسبة لي فقد عشت في تجاربي المتواضعة الحالتين ، لكن أفضل ما كتبته كان تحت تأثير الحالة الثانية  حيث كنت أشعر أن النص يكتب نفسه عن طريقي ، ويفرض شكله ومضمونه في عملية قسرية تجعلني أقرب إلى الشاهد مني إلى الكاتب .

أخبرنا كيف صقلت مواهبك في الكتابة وهل القراءة والمطالعة وتخصصك ساهم في تطوير الرؤية الشعرية لك ؟
 القراءة ثم القراءة ثم القراءة ،،،
ولكنني ما زلت أحبو على الطريق يا صديقي ، وهذا ليس تواضعاً

 . وانت تكتب الشعر الموزون والمنثور أيهما أقرب اليك وهل وجدت في التمردعلى أوزان الشعر متعة تضاهي ما وجده الآخرون في الموزون
أما عن سؤالك فأقول : الشعر جوهرٌ لا شكل ، وإن كانت الموسيقا عنصراً أساسياً من عناصره ، فإن هذه الموسيقا لا يمكن أن تنحصر في تفاعيل الخليل ، فثمة منابع كثيرة للموسيقا ، منها ما يكمن في جَرْس الكلمات وتآلفها وانسجامها ، ومنها ما ينبع من روح الشاعر .
أظن أن القصيدة التي تمردت على أوزان الخليل قد ظلمت ظلماً كبيراً بالتسمية التي أطلقت عليها " قصيدة النثر " ، فأنا أجد في كثير من النصوص الشعرية التي كتبها الماغوط مثلاً موسيقا تتناغم والدفقات الشعورية على نحو يجعل القصيدة تشبه النهر في جريانه .
إن التعكز على بحور الخليل وتفاعيله أيسر بكثير من التحليق في فضاء الشعر الحر ، حيث تمتح القصيدة موسيقاها من منابع كثيرة قد لا نستطيع حصرها .
إنني أحاول أن أكتب الشعر أيتها العزيزة ، وأعلم أنني أنجح حيناً وأخفق أحياناً ، ولكنني بتّ أستمتع أكثر بقراءة الشعر ( الجميل ) الذي تحرّر من كلّ قيد .

لماذا هذا الميل الى الكتابة للاطفال؟
* لأنهم يستحقون منا الكثير يا صديقي ، ولأنني عشت طفولة حرة وسعيدة ، ما زلت أقبض عليها كالبخيل ، حتى أنني في كثير من الأحيان أجدني سارحاً في مراتع الطفولة الخضراء ، وأراني هائماً في جبال قريتي مسحوراً بالطيور وأعشاشها . أنا طفل إذن ، فلماذا لا أحاول التواصل مع الأطفال ؟!

وأنت تكتب الشعر، هل تعاود النظر فيه بعد ذلك أم تتركه كما انكتب ؟
* لا بدّ من العودة للنص مرة تلو المرة من أجل حذف الزائد وتغيير القلق وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح ، وأعتقد دائماً أن أي نص يظل غير مكتمل ، لكن ، ولأن إدراك الكمال غاية لا تدرك ، نرفع أيدينا عن نصوصنا وندفعها للنشر على قلق لا يغيب .

كانت للشعر والالتزام علاقة تفاعل ايجابي سابقا ، كيف صارت حاليا؟
* الشعر كيفما يكون لا يمكن أن يخرج عن الالتزام بمعناه العميق ، فهو بوح إنساني يخص الروح ، أما إذا قصدت المفهوم الشائع لمعنى الالتزام ( الالتزام بقضايا المجتمع السياسية والاجتماعية وغيرها ) فأعتقد أن الشعر يفقد الكثير حين نقص أجنحته ، ونرغمه على الالتصاق بأرض الواقع دون أن يكون قادراً على التحليق في سماواته العالية . وتجد ذلك واضحاً في قصيدة " أطلق كلابك وانتصر " التي نشرتها في منتدى الشعر الموزون لأستشهد بها عند الحاجة ، فأنا أعتبرها طائراً مقصوص الجناحين .

هل بالفعل يقتل الالتزام جمالية وأدبية الشعر؟
* أعتقد أن جوابي عن هذا السؤال مبثوث في جوابي عن السؤال السابق
 .
ما رأيك في القصيدة الرقمية التي توظف تقنيات الصورة الجديدة؟

* أجيبك بصدق : لم أهتم بها ، ولم أكون أي رأي حولها
 .
 أما زلت تبكي أما م الصندوق القديم?
تلك شتاءات لا تنسى
ما زالت تمطُرني كلّ صباحٍ
وتذوّبني في الطين الدمويِّ
لأحيــــــــــــــــــــــــــــا

هل صحيح أن القضية الفلسطينية صنعت أدباء خاصة وأن هناك من يقول : إذااردت ان تكسب تعاطف الجمهور وحضوره في امسية شعرية ما ، عليك ان تكون فلسطينيا وتتقن الصراخ؟

* صحيح يا صديقي ، لكن هذا أصبح من الماضي.

 ما هي الاسطورة الشخصية التى تؤرقك فتكتب عليها باستمرار؟

* هذا ما اكتشفته الصديقة المبدعة عايدة النوباني في قراءتها لبعض أعمالي القصصية ، فكتبت دراسة بعنوان : " فضاءات الفقد في أعمال خالد الجبور القصصية " .

ماذا تقرأ الان؟

* في الأسبوع الماضي قرأت رواية ( اللؤلؤة ) لجون شتاينبك ، وأقرأ الآن ( حكايات أندرسن ) وهو كتاب للأطفال من ترجمة الدكتور عبد الحميد يونس
 .
- ماذا تمثل لك الاسماء التالية :
* حيدر حيدر؟ : سحر اللغة النثرية .
* عبد اللطيف اللعبي؟ : روح أبية ، حاربت الظلم والقهر والفساد ، ولما تزل .
* حماس؟ : أعظم نقلة في فكر الإخوان المسلمين ( في فلسطين على الأقل )
* أنفلوانزا الطيور؟
 : لن تشوّه صورة الطيور التي خاطبتها في قصيدة الأخرس قائلاً :

ينبغي لي أن أزعق في الطيور المهاجرات :
أقبلي أيتها الأرواح الحرّةُ
أقبلي
واقرئيني كما تقرئين النجوم سطراً فسطرا
اقرئي ندوب قلبي الزرقاء ،
وتقرَّيْ في نقوش أضلعي على مهلٍ
ثم طيري في أعالي السماوات وصيحي .... إلخ

ما هي أهمية النقد و ما هو منظورك الشخصي في عالم الشعر

بالنسبة لأهمية النقد فأعتقد أنّنا  لا يمكننا تجاهل دور النقد في الارتقاء بالإبداع ، ولا أتصور إبداعاً حقيقياً لا يواكبه نقد يليق به ، ويعين القراء على فهمه وتذوقه وتلمّس جمالياته .


***ماهية الشعر بالنسبة لـ خالد الجبور ؟

قال الشاعر والكاتب المسرحي وليم شكسبير:

" المجنون والعاشق والشاعر جميعهم في الخيال سواء"

أم.....
إدراك المجهول بحيث يتحول الشاعر إلى راءٍ عبر تشويش عام لكل حواسه واقترابه إلى حد كبير من الحالات الصوفية .....؟؟!!


كثيراً ما تلتقي الأرواح ، وتتآلف ، وإنه لمن نِعم الكتابة أنها تقرّب لنا البعيد ، وتجمعنا بأشباهنا .
تسألني عن ماهية الشعر بالنسبة لي ، فاسمح لي أن أكتفي هذه المرة بتبني ما سربته لي عن ماهية الشعر ، فأنا أوافق مقولة شكسبير التي أوردتها ، وأجدني مع قولك التالي : .. " إدراك المجهول بحيث يتحول الشاعر إلى راءٍ عبر تشويش عام لكل حواسه واقترابه إلى حد كبير من الحالات الصوفية ..

 

كيف ينظر (خالد) إلى العلاقة بين المبدع والناقد وما هي الحدود التي يسمح فيها للناقد بالتدخل في عالم المبدع ، وهل صحيح أن الشاعر أقدر من غيره على تقييم الشعر؟.
كيف ينظر (خالد) إلى حركة النقد في ساحتنا الأدبية أل ايوافق أنها تميل إلى المجاملة والإطراء حينا والازدراء والهجوم حينا آخر وتفتقر إلى النظرة الموضوعية التي تنظر إلى النص بعيدا عن صاحبه ولا تحتكم إلا إلى القواعد الفنية التي تميز الغث من السمين؟
"
أما علاقتي بالنقد فيحكمها أساساً ما يتركه النص المقروء من انطباع لديّ ، وهو انطباع لا ينفصل عن رؤاي الذاتية أو مفاهيمي التي كونتها عن العناصر الفنية المختلفة لنوع العمل الأدبي.
الكاتب ناقد ، ولكنه يحتاج إلى عين أخرى محايدة لتقييم عمله ، وهذا دور الناقد الذي يكشف مواضع الجمال والإبداع ، كما يضع يده على مواطن الضعف والخلل ، فإن فعل ذلك يكون قد أسدى خدمة جليلة للمبدع ، وعلى المبدع أن يكون ممتناً لهذا الناقد ، وبالنسبة لي ما زلت أندهش من كاتب يضيق بالملاحظات النقدية التي تكشف ثغرات النص وعيوبه بموضوعية ، وأعتقد أنه كاتب يأبى أن يتطور ، ويصرّ على أن يظلّ مختبئاً داخل شرنقته النرجسية التي لن تفيده شيئاً .
وللنقد أصول واضحة ، فمن خرج عنها بالمديح المجاني أو الهجوم الاعتباطي ، فلا يجوز أن نكترث بما يقول .

 أود أن تحدثنا ..عن الزلزال ...وكيف غير مسيرة الشاعر الى غير رجعه .....ماذا فعل فيك سقوط بغداد ..؟؟

. هل كان عليك أن تفتح هذا الجرح ؟!
أنت سميته الزلزال ، وأنا أقول إن هذا الزلزال لم يحدث على أرضنا فحسب ، بل حدث أيضاً في سمائنا التي تظللنا ، فانهارت على رؤوسنا حمماً لم نملك لها ردّا ، ولم نجد حيلة لاتقائها .
من أجل سؤالك هذا نشرت قصيدة " أطلق كلابك وانتصر " بالرغم من ضعفها الفنيّ حسب مفهومي للشعر ، أما إذا سألتني : لم كتبتها إذن ؟! ، فأجيبك : لا أدري .. كانت " فشة خلق " فحسب .
ولكنني سأهديك نصاً آخر كتبته عشية سقوط بغداد على لسان بعثي هارب ، وأرجو أن تجد فيه جواباً عن سؤالك .
( أعترفُ الآن .. )

أعترفُ الآنَ للرّيحِ التي تقفزُ بين الكُثبان

بأنّ قلبي قارورةٌ للدَّمْعِ القديمِ ،

وبأنَّ يديَّ خِرْقتان باليتانْ

أعترفُ الآنَ

بأنّني خنتُ بغدادَ في الليلِ ،

وانسربتُ في الفِجاجِ كالدُّخانْ

خلعتُ جلدي، وارتديتُ ظلَّ الرمادِ،

استجرتُ من الرمضاءِ بالسَّعيرِ

وولْوَلْتُ مع النساءِ في الميادين ،

هِمتُ على وجهي خلفَ النخيلِ

هربتُ حتّى من الفراتْ !!

أعترفُ الآنَ

بأنّني انكفأتُ على أضلعي خاوياً

من كلِّ ما كانَ في أرض السَّوادْ

لا سومرَ في قلبي ولا بابلَ

لا شيْءَ من حكمةِ حمورابي في خاطري

ولا بيتَ من شعرِ أبي نواس !!

أعترفُ الآنَ

بأنّني نسيتُ اسمي ثلاثينَ عاماً

ولم أحفظْ سوى رقمي المقدَّسْ

نسيْتُ أسماء أطفالي

ولم أحفُلْ بغير أسماءِ الطغاةْ !!

أعترف الآنَ

بأنّ بغدادَ تنبذني كما ينبذ السيلُ غُثاءهْ

وبأنّ جهات العراق تضيقُ عليَّ

كالأنشوطةِ الملساءْ !!

أعترفُ الآنَ

بأنّني مطليٌّ بالعار كالجمل الأجرب

تتقزّزُ منّي البدويّاتُ العابراتُ

ويرجمني الأطفالُ العراةُ في الرّمال

أعترفُ الآنَ

بأنّني أخافُ من خيالي

وأفزعُ من كلّ درْبٍ

حيثُ تركضُ الجماجمُ المثقوبةُ خلفي

وتُحاصرني أنّاتُ الثّكالى الهائمات

أعترفُ الآنَ

بأنّني هلكتُ يومَ سلكتُ طريقَ النّجاة

وجَرَرْتُ بغدادَ من جدائلها

كي يفوزَ هولاكو

ويرشقَني بأوسمةٍ من عظام الأجنَّةِ

وحبّاتِ الأحداقْ !!

أعترفُ الآنَ للريح التي تقفز بين الكثبان

بأنّني لم أكن سوى هباءٍ منثور

حملته هذه الرّيحُ حيناً

ثمّ ذرّتْهُ بعيداً ...

حتّى كأنّه ما كانْ !!!

هل تختار البحر مسبقا و من ثم تبدا بالكتابة ,,, ام ان القصيدة هي التي تستدعي البحر؟

إن الكلمة / الجملة الأولى هي التي تفرض البحر الشعري ، ولم يحدث أن فكرت في تفعيلة أو بحر محدد قبل أن أشرع في خربشة قصيدتي .

...يقول بول ايلوار ان الشاعر ضد العالم!!! فهل هذا صحيح ؟

ليقل بول ايلوار ما يشاء ، فما شأني به ؟!
ولير بول ايلوار العالم كما يريد ، فلن يفرض رؤيته عليّ .
ومع ذلك يا صديقي ، لا أملك إلا أن أكف عن مزاحي ، وأحاول أن أفهم ما عناه بول ايلوار حين قال : الشاعر ضدّ العالم ، فأظنه قصد أن يقول : الشاعر ضدّ القبح ، وضدّ الثبات ، وضدّ الركون إلى وطأة الواقع ، وضدّ الخضوع إلى ما يبدو مسلّمات لا تقبل النقض أو المعارضة ، وضدّ الارتهان إلى حاجات الجسد دون الروح ، وضدّ الطغيان بكل أشكاله ، وضدّ .. وضدّّ ....
هل تتوقع أن أختلف معه في هذا

. هل هزمتك قصيدة ...

ما أكثر القصائد التي هزمتني ، وتسربت من بين أصابعي كالماء ، فلم أملك حيالها سوى الحسرة والحزن .

 هل تخشى الحرف الخائن وتعرقله لكي لا يشي بصوتك في قصيدة وما القصيدة التي تخشى كتاباتها
..
إذا كان فهمي لسؤالك هذا صحيحاً ، فأنا أكتب تجاربي دون خوف ، بل إنني لا أستطيع كتابة الشعر بعيداً عن ذاتي وتجاربي ، أما القصيدة التي أخشى كتابتها فهي التي تطيش بعيداً ، وما أكثر قصائدي الطائشة !!

 

بما أنك تكتب الشعر والقصّة ، في أي نوع منهما تجد نفسك أكثر، وأيهما يكون أحب إليك.

لن أخفي عنك أنني كثيراً ما طرحت هذا السؤال على نفسي ، وأنني كنت دائماً أفشل في تحديد الجواب ، لكن ثمة أمرأ أحب توضيحه في هذا السياق ، فأنا أنقطع حيناً عن كتابة الشعر كأنني على خصومة معه ، وأنشغل بالقصة بكلّ طاقتي ، كما أجدني في حين آخر منقطعاً عن كتابة القصة كأنها لم تشغلني يوماً ، سابحاً في فضاء الشعر قراءة وخربشة .

ماذا يعني لك التوجه للطفل بنص أدبي جميل وكيف تقيّم ذلك.

محاولات الكتابة للطفل هي الأكثر إقلاقاً لي ، لأنها كتابة صعبة فعلاً ، تتطلب الكثير من الشروط الذاتية والموضوعية ، فأنت لا تستطيعين الكتابة للطفل إن لم تعودي طفلة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، كما لن تستطيعي الكتابة له إن لم ترتقي بخيالك إلى مستوى خياله المجنح ، أما معرفة معجمه اللغوي فتحتاج إلى حساسية بالغة ، لأن الأمر هنا لا يتعلق بما يعرفه الطفل من معاني الألفاظ فحسب ، بل يتجاوزه إلى تلمّس الألفاظ التي قد لا يعرف معناها ، ولكنها تثيره وتشدّه من نواح عديدة كجرسها الموسيقي ، أو إيحائها المعنوي ، أو غير ذلك من مدركات الطفل التي نجهلها .
أسعى في كتابتي للطفل إلى تسريب قيم الجمال المختلفة ، ونادراً ما أهتم بالجوانب المعرفية أو التربوية ، لأنني أعتقد أنها قليلة الأهمية في أدب الطفل

ماذا تعني لك كتابه قصيده 00ولماذا تكتب الشعر

لا أدري لماذا أكتب ، كما لا أعرف كيف أو متى وجدت نفسي أخربش على الورق ، وأظن أن الإنسان مطبوع على البوح ، وما الكتابة سوى لون من ألوان بوحه ، ولعلنا نتوهم أننا نقاوم الفناء على هذه الأرض بالكتابة ، فنكتب و .....
وعما تعنيه لي كتابة قصيدة ، أقول : إنها لغبطة ، وترجمة لما يعتمل في الروح في لحظة معينة ، ترجمة تنقش المشاعر والرؤى في كلام يسمى قصيدة ..

... ما العمل الإبداعي الذي توّجت به سني كفاحك, وتحب أن تقدمه على أنه تتويج لرحلة الإبداع في مشوارك، والذي ترى أنه مزيج من شعر التجربة في الإبداع والخلق والصورة الفنية...

: ما خميرة الإبداع في رأي الشاعر خالد الجبور حتى يخرج العمل الفني بصورته الأبهى والأجمل والأنضج والأكمل؟ هل هناك ما وراء الموهبة والثقافة والتجربة ...؟!

عدا عن الموهبة والثقافة والتجربه ، يحتاج الكاتب إلى الإيمان بالقضية التي يكتب عنها ، وإلى لحظة انفعال - في الشعر خاصة - تكسر حاجز الصمت ، وتفتح باب الكلام على مصراعيه ، فليتني أحظى بمثل هذه اللحظة بين الحين والحين

البعض يرى أن القصة هي تلك الكذبة المتفق عليها بين الكاتب والمتلقي، والبعض الاخر يراها سندويتش العصر، أنت كيف تراها؟

* أظن أنّ هذا التعبير الذي ينسحب على كافة الفنون يعكس تسطيحاً متعمداً للعمل الفنيّ ، فليس المطلوب من الفن أن ينقل الحقيقة كما تجري في الواقع ، وحسبه أن يمتلك القدرة على الإقناع المنطقي والفنيّ ليكون بالتالي قادراً على التأثير .


كيف تتعامل مع ساردك أو الراوي الذي تسند اليه سرد القصة؟ وما هونوع التبئير الذي تختاره له؟

* يبدو هذا السؤال جيداً في ظاهره ، لكن ما أن تتدبّره حتى تدرك أنه سؤال تصعب الإجابة عليه من وجهين : الوجه الأول : لأن السؤال يفترض وصفة محددة للتعامل مع السارد أو الراوي وطريقة بناء القصة ، في حين أن كل قصة تفرض شكلها بحسب مضمونها فيما يسمى جدلية الشكل والمضمون ، والوجه الثاني : لأنّ الجواب عن مثل هذا السؤال ليس من مهمة الكاتب ، وإنما هو من اختصاص الناقد المحايد
 .
تتميز القصة بالاختزال والتركيز واعتمادها على اللقطة والفكرة الموحية بالاضافة الى المقومات الفنية، هل الكتابة القصصية للآطفال لها خصوصية معينة؟

* من البديهي أن تختلف القصة المكتوبة للأطفال عن القصة المكتوبة للكبار ، ولكن ليس من ناحية توافر العناصر الفنية ، وإنما في توظيف هذه العناصر ، بحيث تتلاءم مع فضاء الطفل وخياله ، وتشبع حاجاته النفسية والجمالية والمعرفية.

في نظرك ما هي السبيل كي نخرج من الاطفال كتاب قصة وشعراء؟

* أعتقد يا عزيزي أن الإبداع استعداد فرديّ قبل أي شيء ، ومن واجب الآباء والمؤسسات التربوية ومراكز رعاية الطفولة أن تكتشف من لديهم هذا الاستعداد ، وأن تحفزهم بكل وسيلة ممكنة من أجل صقل مواهبهم وتنمية قدراتهم.. ولكن ...........

لم يزال الكتاب العربي رهين القطرية ،ولايوزع بالكيفية المناسبة ، والأمية من جهة والجمارك العربية المجتهدة من جهة لآخرى ، تجعل الكتاب رهين أكثر من محبس ،فكيف يتم الخروج من هذه الدوائر المغلقة .

أنا أعتقد أن مشكلة الكتاب في الوطن العربي تكمن في كساده الشديد ، فنحن أمة لا تقرأ فعلاً ، ولو كان للكتاب مستهلكون لتخطى التجار الحواجز جميعها ، ولوجدت الكتاب العربي يباع في كل مكان . إنها أزمة ناجمة عن العرض والطلب إذن ، وليس علينا أن نلوم الحكومات في هذه المسألة ، لأن مصادر المعرفة تجاوزت الكتاب ، وما عادت الحكومات العربية تكترث بما يتسرب من مطبوعات ورقية إلا بمقدار محسوب وضيق لأسباب معروفة

اين تجد نفسك في القصة ام الشعر؟

* تأتي أوقات أظن فيها أن السرد أقدر على التعبير عما أريد قوله ، وتأتي أوقات أخرى أجدني فيها متعلقاً بأهداب الشعر ، وفي كلا الحالتين ما زلت أحاول وأغامر لعلي أفعل شيئاً .
وما تعني لك بغداد؟؟

اسمح لي أن أترك الإجابة عن هذا السؤال لما خربشته في قصيدة " أطلق كلابك وانتصر " وفي قصيدة " أعترف الآن " .


الفن هو التعبير عن ملكة التعبير في الانسان..وهو نشاط انساني رفيع المستوى..والكتابة جهد خارق في محاولة اعادة الانسجام لهذا الكون...الكتابة للاطفال...هل حنين للطفولة؟...ام ان المبدع اصلا طفل عاري وحكيم؟

أعجبني ما سقته من كلام عن الفن والكتابة ، ويسعدني أن أؤيدك في إشارتك إلى أن الكتابة للأطفال لا تنسلخ عن الحنين إلى عالم الطفولة ، كما أتفق معك في أن المبدع طفل عار وحكيم ، فإن فقد طفولته بما تحمله من دهشة واندفاع وصدق ، فلا أظنه سيكون قادراً على الاستمرار في الإبداع .

ماذا تعني لك هذه الكلمات : الأرض – الحلم – الكلمة – الماضي – المرأة – أنا – الحزن – السعادة

شعرت أمام كلماتك الجميلة هذه بأنني تلميذ خائب ، فكرم روحك سربلني بحيائي القديم ، وهأنذا أتلعثم بالرد ، وأحاول أن أقول شيئاً يليق باعتذارك الذي رأيت فيه ما رآه ابن زيدون في تأخر أبي الحزم بن جهور أمير قرطبة في إطلاق سراحه من السجن ، حيث كتب له يقول : " ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه ، أو تأخر غير ضنين غناؤه ، فأبطأ الدلاء فيضاً أملؤها ، وأثقل السحائب مشياً أحفلها .. "
لن أستطيع أن أجيبك إلا باقتضاب شديد عن الكلمات التي سألتني عنها ، فكل كلمة منها تفتح على قصيدة لا تنتهي ، لذا سأجتهد هذه المرة أيضاً ، وعسى ألا أخيب ..
الأرض :
الأرض أمنا جميعاً ، ولكنها صارت أراضين ، أرضنا وأرضهم ، وعلى أرضي أحس بجذوري تمتد للأعماق كأنني زيتونة أو سنديانة ، في حين أشعر على أرض الآخرين بأنني أمشي " على قلق كأن الريح تحتي " ..
* الحلم : قوت السفر إلى الأيام القادمة .
* الكلمة : قالوا : في البدء كانت الكلمة ، فعرفوا الإنسان والحضارة .
* الماضي : هو نحن الآن .
* المرأة : ذات وحشة صرخت قائلاً :
آه أيتها المرأة التي تعبر الطريق
حدقي قليلاً في وجهي
لتعرفي كم أنا حزين ووحيد
حدقي قليلاً ولا تتوجسي
فبيننا برزخ من زجاج وماء
يشفُّ ............................
ولكنه حتماً يحول دون اللقاء !!
* أنا :
اليمامات يهدلن في خاطري
والغمامات يخفقن بين أهدابي
................................
هو ذا ما يبعثر روحي
وينثرني في الجهات كالشظايا !!
* الحزن :
أيها الحزن الراقد في دمي
كالسمّ أو الحريق
اسمح لي بدقيقة من البكاء
ولتذهب صلابتي إلى الجحيم !!
* السعادة : ما زلت أبحث عن طريقها ، ولعلها خرافة ، أو تعبير مجازي عن حلم يراود البشر ، وطبعا تظل الأحلام جميلة


هل الغموض في العمل الإبداعي بشكل عام (و في الشعر - في شتى أشكاله- بشكل خاص) يُعد ركنا ً
من أركان الإبداع ؟ أو شرطا ً لنجاح العمل الإبداعي و الاحتفاء به ؟
و هل المُبَاشَرة تقلل - باللضرورة - من قيمة العمل الإبداعي أو تخرج به من دائرة الإبداع , إن صح
التعبير ؟

سؤالك جوهري ، ويطيب لي أن أحاول إيضاح الملتبس في مفهومي المباشرة والغموض ، لأن كثيراً من الشباب يتشوشون حيال المصطلحين ، ويعتقدون أن المباشرة نقيض الغموض ، كما يظنون أن الغموض عملية مقصودة ، في حين أن الأمر بعيد عن ذلك ، فالمباشرة شيء والوضوح شيء آخر ، ولا بأس في الوضوح حين يشعّ بالفن ، بينما تشوّه المباشرة والتقريرية العمل الأدبي نثراً أو شعراً ، فالتعبير الأدبي يقوم أساساً على الإيماء والتلميح ، ولا أهمية فيه للأفكار المجردة ، فالأديب يسعى إلى التصوير والتأثير ، ومن هنا ولدت الصور البلاغية والتعبيرات المجازية منذ القدم ، أما التعبير الخطابي التقريري المباشر فلا يمكن أن تكون له قوة التأثير المفترضة في النص الأدبي ، لأنه يخلو من التصوير المعبر عن الأفكار والعواطف بطريقة إيحائية قادرة على التأثير في المتلقي .
الغموض الناشئ عن عمق الصور وغرابتها ( وهو أمر نسبيّ ، يختلف من قارئ لآخر ) ، غير الإبهام والتعمية المقصودة ، فالغموض محمود والإبهام مذموم ومرفوض .
ومن البلاغة القديمة قول العرب في وصف حاتم الطائي بالكرم : " حاتم كثير الرماد " ، وهذه الكناية الجميلة أبلغ وأوقع أثراً في النفس من قولهم : حاتم كريم جداً ، ففي الكناية فسحة للاستنتاج ، وفيها دليل مادي ملموس على كرم حاتم ، فالرماد لا يكون إلا بكثرة الطبخ ، وكثرة الطبخ لا تكون إلا بسبب كثرة القرى للضيوف ، أما التعبير الثاني فالأغلب أن يقع على السمع دون الوصول للقلب ، فمباشرته تدرجه في الكلام العادي الذي نسمعه طوال اليوم ، حيث لا يلفت انتباه السامع ، كما لا يترك له فرصة لاستكشاف المعنى الكامن في التعبير ، وله أن يصدق الخبر أو لا يصدقه ، في حين لا تترك له الكناية بما تقدمه من دليل على كرم حاتم سوى احتمال واحد وهو أن يصدق الخبر .
ولعل في المثال التالي الذي أتركه لك ما يفيد شيئاً بخصوص الوضوح والغموض :
وصف أحد الشعراء بياض الغيوم ، فقال : كانت الغيوم في نعومة اللؤلؤ ، عوضاً عن قوله : كانت الغيوم بيضاء كاللؤلؤ ، فالصورة الأولى أقل وضوحاً في المعنى من الصورة الثانية ، والسبب أن فيها تراسل حواس ، فقد أعطى الشاعر ما لحاسة البصر " لون الغيوم " إلى ما يخص حاسة اللمس " نعومة اللؤلؤ " ، أما الصورة الثانية فأبسط لأن الشاعر قدّمها على نحو نمطي مألوف .

أرجو أن أكون في هذه العجالة قد استطعت مقاربة سؤالك ، فالموضوع طويل ، ويحتاج إلى مناقشة مطولة ومفصلة
 




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home