القلم السياسي

 

احذروا الفتنة

محمد ناصر




احذروا الفتنة وسياسة أحكام الصدف
د. محمد ناصر

   ليس من أحكام الصدف أن يقول السياسيون والمثقفون والمناضلون العسكريون في فلسطين أنهم يعملون للشعب والقضية رغم كل العراقيل والمستجدات والأمور التي تحط في المرحلة الحالية من نضال الشعب الفلسطيني من أجل تحرير أرضه واستقلاله. كلهم يقول بأنهم من الشعب ويعملون من أجله رغم الفتنة ورغم نموها الدائم المستمر، ومنذ إعادة الانتشار لقوات الاحتلال الصهيوني من غزة وما قبلها. إنها كلمات منثورة في الفضاء، وهل نصدق بعد ما رأينا وسمعنا من الفضائيات وتأكدنا أن الكثير ينقصنا في الساحة الفلسطينية على صعيد معنى السلام الأهلي ومصلحة الشعب والقضية والاستقلال. فلقد تبين أن هناك خلط في المفاهيم عند الكثيرين بين المصلحة التنظيمية والعشائرية والمصلحة الوطنية وحقوق المواطن العادي والاحتكام إلى الأنظمة والقوانين التي تنضم العلاقات بين أبناء الشعب الواحد أبناء تنظيمات أو مواطنين عاديين أو أبناء عشائر وعائلات معروفة.
      ومن خلال ما جرى بالأمس من أحداث مؤسفة في غزة والضفة ، يبدو أن الكثير لا يعنيهم سوى تقديم مصلحتهم على أي اعتبار ومصلحة للشعب الفلسطيني جميعاً. وأن السلام الأهلي الذي يتغنون به ليل صباح ما هو إلا شيء منفصل عن حياة الشعب الفلسطيني، أنه كلمات منثورة في الفضاء لا يهم أن فعلنا كل شيء... ولو أشعلنا الحرب الداخلية من أجل تكريس المصالح الضيقة للتنظيمات أو للأفراد أو للعائلات.
    وأي شيء أغرب من إشعال فتنة من أجل الاستقرار التنظيمي والهدوء ؟ وأي شيء أغرب من أن يقول من (اشتبكوا) وأرهقوا الأرواح الزكية في غزة أنهم يعملون من أجل الشعب ؟! قلنا أن ذلك ليس من أحكام الصدف ونضيف بأن مثل هذه الإدعاءات تشكل حلقة جديدة من حلقات تعلقنا بالمعاني والمفاهيم عن واقع حيات الشعب الفلسطيني وقدره . فقد تعود البعض أن يبرر الأخطاء ( أخطائنا ) في هذا الواقع بإرجاعها إلى أهداف بعيدة وكلمات منمقة جوفاء. وهي وأن كانت كذلك بالنسبة إلى المدركين، إلا أنها بالنسبة لفئات كثيرة كلمات تحرك العواطف وتلهب الحماس.
   أما كيف يحصل ذلك ؟ حصل في التصريحات التي نسمعها اليوم من الأطراف التي نزلت إلى الشارع واحتكمت للغة السلاح في أوقح وأنذل وأجرم موقف بديلاً عن لغة العقل والتبصر والمسؤولية . ورغم أن أرض غزة امتلأت بالقنابل وأزيز الرصاص، والحقد والبغضاء والتعصب التنظيمي والعشائري في الكثير من الأحيان، وبما هو أقوى وأشد فعالية، بالكذب والإشاعات والأضاليل ، بين الأطراف المتنازعة، ورغم أن غزة باتت نقطة سوداء في صفحة الهدوء والاستقرار فإن الفئات المتنازعة ومن ينصبون من أنفسهم حماة للشعب وطليعة ثورية على طريق التحرير لا يخجلون من الادعاء بأنهم يعملون من أجل الشعب ويجاهدون من أجل حقوقه ومصالحه وأهدافه وتمثيل القانون على الأرض.
     إن مصلحة الشعب الحقيقية هي في أن يبقى، وأن يبقى حياً، وقادر على الحركة وأن يرى سلطة ونظام يتجسد على أرض الواقع يتمثل في السلام الداخلي والأخذ بعين الاعتبار مصلحة الشعب الفلسطيني لا المصلحة التنظيمية لبعض التنظيمات. وكل المحاولات لجر الشعب الفلسطيني لصراع داخلي، هو تسخير لهذه الحقيقة من أجل كلمات شعرية منمقة  وكل محاولة لإلغاء هذه الحقيقة، هي محاولة خاطئة ومجرمة بحق الشعب الفلسطيني المناضل الصابر كبشر .
     أن كل قتيل هو طعنة نجلاء في قلب حياة الشعب الفلسطيني وفي قلب مصيره ومستقبله. والشعب الفلسطيني بحاجة لأبنائه أحياء لأنه من طلاب الحياة وليس من طلاب الموت والانتحار.
     لقد عرفت الإنسانية كثيراً من الذين جروا شعوبهم إلى الخراب باسم كرامة شعوبهم. عرفت تلك الحروب الضارية التي حدثت من أجل ما سماه قادة الحروب، شرف القبيلة أو شرف العنصر أو الأصل أو العائلة والتنظيم أو الحزب. وقد خسرت الإنسانية كثيراً باسم هذه الكلمات، وخسرت كثيراً من الرجال الذين قتلوا من أجل كلمات جاءت في قصيدة أو خطاب رجل تمكن من السيطرة على عاطفة الشعب. ألم يذهب الألمان مرة مدفوعين ببعض قصائد الشعراء: اذهبوا اذهبوا، اذهبوا إلى هناك، إلى حيث يجب أن ترن اللغة الألمانية. ألم يخرب هتلر بلاده وعندما جاءه الموت قال بأن هذه اللحظة هي أجمل لحظات حياته لأن الشعب الألماني سيبقى يذكر بأنه حاول في يوم من الأيام أن يكون سيد العالم ؟!
    إن هذه الكلمات شبيهة جداً بما نسمع اليوم في وطننا، وهي كلمات انطفأت كثيراً أمام العقل البشري الحديث ، هذا العقل الذي واجه الخراب والدمار في الحروب القديمة والحديثة وعرف كيف تتساقط الجثث وتمزق الإنسان من أجل كلمات شعرية منمقة ،أو من أجل أهواء وأمزجة عابرة .
    يبقى هناك شيء واحد وهو أن الذين يفهمون الوطنية في التهور والاندفاع، يخطئون في فهمهم هذا . أن مفهومهم للوطنية هو مفهوم قديم وخاطئ . أن الوطنية والنضال تعني أولاً وقبل كل شيء الحفاظ عل أبناء الوطن، وتعني من ثم العمل المسئول المنظم البناء من أجل الوطن، إنها تعني الإخلاص العميق للمواطنين والعمل الدائم للحفاظ عليهم وعلى أبنائهم وأحفادهم.
   آن أن يدرك من يتعارك ويتبارز في الشارع الفلسطيني وحمل السلاح وأحل الدم الفلسطيني أنه مات أو قد يموت من أجل كلمات منمقة تحرك فيه الحماس والاندفاع والتهور، كلمات لا معنى لها في عالم الحقيقة الفلسطينية والواقع، وأن القضية الأولى هي قضية بقاء فلسطين والشعب الفلسطيني ، بأي شكل من الأشكال وبأية صورة من الصور، وأن الدماء التي تلوث الأرض الفلسطينية المحتلة بأيدي فلسطينية اليوم هي دماء  أبناء الشعب الفلسطيني.
    أن حمل السلاح من قبل الفلسطيني ضد أخاه الفلسطيني ينبغي أن يكون من الخيال، وما دام السلاح بعيداً عن ساحة النقاش، سنجد الحل، لذلك لا جدوى لحمل السلاح لحل الخلاف الداخلي. أن أي مطلق سلاح أشهره في هذا الخلاف لا يصوب إلى الآخر، بقدر ما يصوب إلى كل فلسطيني وعربي وإسلامي. أن السلاح معناه الموافقة
على كل ما حدث وسيحدث في فلسطين، ويعطي العدو الصهيوني المبرر لكل جرائمه ضد الشعب الفلسطيني، وعندما تنطلق القوة تكتسح في طريقها كل عقل ومنطق.
     و من المعيب كل العيب أن يستمر الحديث - مجرد الحديث عن "الوحدة الوطنية" وعن عدم جواز الاقتتال الداخلي وعن المواثيق التي تطرح بين الفينة والأخرى وتحرم هذا وذاك من الأمور التي لا تستوجب حتى ذكرها ، لأنها من الأمور الأبجدية التي يجب أن تكون من ألأبجديات  الحياتية  لكل مواطن فلسطيني .
نقول :   كفى.. كفى، أليس فيكم من يشفق ومن يعتبر... ألا تؤمنون بوطن ؟ ماذا دهاكم ؟ أيها المناضلون الثائرون وأيها الإسلاميون الجهاديون، قمتم فوضويون ذاتيون ، ينهش بعضكم بعضاً ، وتملئون ارض الوطن الفلسطيني رعباً وخوفاً، وتشعلون في هذه القلوب الصافية حقداً وحسداً وبغضاً. ثم وقف صغيركم وكبيركم يدعي بأنه مخلص لشعبه وأنه يبني ويلعن الفساد والمحسوبية وبأنه يخدم الشعب وفلسطين القضية وعروبته وإسلامه .... وكلكم من أول مسلح من مواليكم، أنانيون قاتلون..... وكلكم حولتم هذه الدنيا الصافية البريئة التي يفخر بها
شعبكم إلى ( فوضى )، إلى ساحة صراع قبلي يطغى فيها حمل السلاح على الإدراك والفكر والمصلحة العامة والوفاء للشهداء، وأنتم من يدعون إلى مواصلة طريقهم ونهجهم ؟! .
       كيف يصل الحقد والحسد بإنسان إلى أن يخرب وطنه وأهله وأرضه من أجل أرضاء الآخر مهما كان، تنظيمه، أو حركته أو جبهته أو قواته أو كتائبه أو عشيرته ... أو نفسه ؟
       لقد برهن كل منكم عن جهله، عن تهوسه عن أنه أخر ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في انحطاطه وأي انحطاط أشنع من حمل السلاح لمطاردة الأخ لأخيه والمواطن لمواطنه...


 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home