القلم الفكري

 

مخلوقات الأشواق الطائرة لإدوار الخراط

حورية الظل



عدوانيـــة الفضــاء الخارجــي في رواية
 "مخلوقات الأشواق الطائرة لإدوار الخراط"

حورية الظل*

مع تطور الرواية الجديدة أضحى الفضاء يفرض إرادته على الشخصية حيث أصبح فضاء شخصية، فهو ودي أو عدواني، فاستطاع بذلك أن يسهم في بنينة المحكي. والفضاء الخارجي في غالبيته فضاء عدواني، ويحضر ذلك بقوة في الرواية الفرنسية الجديدة1. فما أن تغادر الشخصية الفضاء الداخلي وتتواجد بالخارج إلا وتصيبها عدوانيتهم. والمدينة بشوارعها وحاراتها أضحت مكانا معاديا للإنسان المعاصر، حيث لا يبقى فيها إلا الدمار والخراب والامتهان لإنسانيته، ومن الروائيين الغربين الذين عبروا عن ذلك Joyce من خلال تصويره لمدينة "دبلن" في روايته Ulysse.
 والفضاء الخارجي عند إدوار الخراط لا يهادن الشخصية المتواجدة به فيؤذيها، ويبدو ذلك واضحا بمجرد مغادرة السارد، في نص "وجه مقطوع" للفضاء الداخلي الآمن (الغرفة) لتتبدى عدوانية الفضاء الخارجي (الشارع) في ترسخها ووثوقيتها، وقد تمظهرت في هبات البرد، ويعبر السارد عن ذلك بقوله: "صدمتني هبات البرد ونفذت إلى عظمي، أحكمت لف الإيشارب الصوف حول رقبتي تحت ياقة المعطف الثقيل" (الرواية، ص 14)، وفعل "صدمتي" الذي يحيل على الماضي جاء مفتتحا لهذا الفضاء وتحذير للقارئ أو إعداد له لتلقي صدمات متوالية تتمثل في طوبوغرافية الشارع والأشياء والشخصية، كلها عناصر صادمة لأنها تبنت المغايرة والمفاجأة قانونا لها، يقول السارد: "كانت أكوام الثلج الصغيرة، القذرة على جانبي الأرصفة ومفارق الطرق تذوب ببطء، وتسيل بماء قليل له خرير مسموع في صمت ما قبل الفجر، وأنوار مصابيح الشوارع صفراء تومض بهالات غير منتظمة الاستدارة في بلل الهواء المحمل بقطرات دقيقة جدا من ماء الضباب"2.
يعرض السارد من خلال هذا المشهد، فضاء باردا في وقت تتضاعف فيه برودة الجو (ما قبل الفجر)، كما أن الأوصاف التي منحت لمؤثثاته، تضعنا في فضاء كل وحداته التوصيفية تشير إلى عدوانيته، فلم يمنح للشخصية المتورطة فيه أية حماية أو ود، وإنما تركت لمواجهة مصيرها، وهي لا تبلغ عن عدوانية الفضاء بنفسها، وإنما نكتشفها من خلال الأوصاف الممنوحة لها وللمكان الذي تتواجد فيه: "كان الرجل راقدا على الرصيف المبلول، معطفه مفتوح عن بطنه الضخم الذي يرتفع وينخفض في إيقاع التنفس الصعب وقميصه مشعث خرجت أطرافه من حزام البنطلون" (الرواية، ص 12).
وقد وصفت الشخصية وهي تواجه مصيرها دون أن تتمكن من تجنبه، لكن: "إظهار التعاسة والبؤس اللذين يهددان الإنسان إنما يعني (...) السعي إلى تلافيهما"3 رغم أن هذا الإظهار في المثال السابق يتمظهر بطريقة حيادية.
ويبدو تأثر الخراط واضحا بالفضاء العدواني الخارجي، كما صورته الرواية الفرنسية الجديدة، حيث حضور الفضاء فيها قويا، وهي تهتم بالفضاء المديني الحديث، والأشكال الهندسية الباردة والعدوانية، حيث: "ينزع الطابع الإنساني على العالم، وتعالج الشخصيات كالأشياء، ويتم التخلي عن كل الأعماق الميتافيزقية، وتفضل المدن الهندسية الحديثة الباردة"4 هذه البرودة التي تسربت كذلك إلى كل العلاقات الإنسانية فغاب التآزر والتراحم، والأمر نفسه نجده عند إدوار الخراط، خاصة وأنه يتناول فضاء مدينيا، ووظيفة هذا الفضاء تحاكي وظائفها المرجعية.والخصيصة التي يؤكد عليها الكاتب من خلال توظيفه للفضاء الخارجي العدواني، هي إدانة تشييء الإنسان وامتهانه: "ومحاولة تأكيد كرامة الإنسان في وجه قوى القهر والامتهان الكونية ... بكل ما تحمل من قسوة، وكل ما تستثير من مقاومة"5، فجاء فضاء الشارع والشخصية المتمركزة فيه لكشف ضياع الإنسان في الفضاء المديني الحديث.
ويصبح الثلج والظلمة والريح عوامل تكاثفت لأجل انتهاك إنسانية الشخصية، لكن البنية العميقة للنص تدين المسؤول الحقيقي عن هذا الوضع المتمثل في الواقع المعاق الذي شيأ الشخصية وسلبها كرامتها وحقوقها.
وإذا كان السارد يملك الوسيلة لرد عدوانية الفضاء الخارجي المتجلية في البرد القارس: "أحكمت لف الإيشارب الصوف حول رقبتي تحت ياقة المعطف الثقيل"، فإن الشخصية كما يبدو من خلال مقروئية النص، لا تمتلك الوسائل لفعل ذلك. حيث أن: "قميصه مشعث خرجت أطرافه من حزام البنطلون"، فينبسط أمامنا وجه المكان السافر والمتعجرف أمام ضعف الشخصية واستسلامها لما اتخذته ملاذا ومكانا للنوم، رغم عدم صلاحيته لذلك.
وقد تسلح المكان (الشارع)، لإيذاء الشخصية بالعوامل المناخية بالدرجة الأولى حسب ظاهر النص، وسنوضح ذلك من خلال الترسيمة التالية:
ـ هبات البرد
ـ أكوام الثلج الصغيرة القذرة
ـ بلل الهواء المحمل بقطرات دقيقة
ـ الرصيف المبلل
إن هذه الإشارات المكانية المتمثلة في العوامل المناخية تعتبر ترميزا إلى دلالات تفصح عن القيم السائدة في المجتمعات التي ترسخت به العدوانية ضد الإنسان.
لكن ما يبرز مظاهر العدوانية، ويجعل الكاتب في مواجهة معها من أجل مساءلتها هي طريقة الكتابة: "لأن الكاتب الحقيقي ليس لديه ما يقوله: لأنه لا يمتلك سوى طريقة للقول"1. وطريقة إدوار الخراط في تبئيره للفضاء هي لغة الحياد2. ومن ثمة فإنه يمتلك طريقة للقول، وفي نفس الوقت يمتلك ما يقوله، ليستطيع الاستجابة لمتطلبات الواقع العربي الذي يحتاج لنوع خاص من الكتابة، فاستطاع أن يخضع مقولة التشييء لخصوصية الرواية العربية، حيث وضع الكثير من مقولات الرواية الفرنسية الجديدة في خلاف ما وضعـت له من أجـل خدمـة رؤيتـه الخاصة. فإذا كان العالم عند A.Robbe-Grillet لا يمتلك أية دلالة، يصبح عند الخراط مالكا لدلالة خاصة، فينجز بذلك عملا يخدم الواقع والرواية العربيين.
وإذا كان الفضاء العدواني بطبيعته: "يذكي الحقد أحيانا، كما يذكي الثورة أحيانا أخرى، في قلب الشخصية"3 فإن قراءتنا للنص تفرض علينا أن نضيف: "وفي قلب السارد" وقد أبدى السارد رفضه لهذا الواقع وحقده عليه بطريقة غير صريحة، تبدت في تخلصه من فضاء الشارع، واستعادته لفضاء طفولي، مستوحى من الذاكرة والحلم، عاش فيه نفس ما تعيشه الشخصية: "تحركت أشواق الطفولة القاهرة، وقلت ما أكثر ما يحمل الفجر من مرارة، قلت في ليلي: أيسقط دمي في الشوارع أمام وجهك؟" (الرواية، ص12).   
ليصبح للفضاء ذي المرجعية الواقعية تأثيرا ضاغطا، جعل السارد يستحضر فضاءات طفولية، ورغم كونها تعود إلى عوالم طفولية، إلا أنها لا تنتمي إلى طيمة "الفردوس المفقود" وإنما هي الأخرى محملة بالمرارة والقهر والعدوانية.
وبانتقالنا إلى طوبوغرافية الشارع، فإن طبيعته تفرض عليه أن يكون فضاء انتقال للشخصيات، وكل انتهاك لهذا القانون يجعله عدوانيا، فالذي يستعمله من خلال وظيفته الطبيعية يستطيع اتقاء شره من خلال الألبسة كما فعل السارد، الذي جعل الشخصية تنتهك هذه القوانين، حتى يتمكن من عرض إيديولوجية معينة وكذا طريقة للقول، تحقق للنص خصوصيته وفرادته.
إن الفضاء المديني يتبنين بطريقة تقسمه إلى قسمين، قسم تحتله البنايات، ويعتبر فضاء مغلقا وآمنا، لكنها تبدو في المقطع الوصفي (مغلقة وباردة) في وجه الشخصية، رافضة لها، وقسم تحتله الشوارع كفضاءات عدوانية لمن لم يستعملها لما وضعت له في الأصل، لأنها بطبيعتها تعتبر فضاء للتنقل وليس فضاء للنوم.
فاستطاع السارد من خلال تبئيره للشخصية والفضاء العدواني، أن يكشف عن تناقضات المجتمعات الحديثة وتنطعها بالشعارات الجوفاء، حيث فقدت بعض المفاهيم والقيم مصداقيتها، وأصبحت مجرد شعارات، كحقوق الإنسان، والحرية والعدل. إنها مفاهيم أهدرت تحت قدمي الأشياء التي أصبحت لها السيادة في الواقع الراهن. ويفرض الفضاء الخارجي بطبيعته علاقته بالشخصية، حتى تكون علاقة تلاؤم بينهما، وفقا للواجبات والمحظورات القائمة في عرف المكان، لكن الكاتب مكن الشخصية من انتهاك القانون المكاني، كما انتهك هو القانون الكتابي للرواية التقليدية، فعرض بذلك الشخصية للعقاب، لاتخاذها الشارع مكانا للنوم وليس للتنقل، ليصبح الانتهاك مستوجبا إيجاد حل لنفي هذا الانتهاك الذي قامت به الشخصية، ويتمثل في إيجاد سكن لها. لكن: "الأبنية الراسخة تبدو (...) ثقيلة ومغلقة وجدرانها السميكة لا منفذ منها، وطأتها لا تحتمل" (الرواية، ص12) . إن البنايات هي الأخرى لا تحمل الود للشخصية فهي ترفضها، لتظل غير مالكة لمأوى يجنبها اتخاذ الشارع مكانا للنوم، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن مشكلة الشخصية ستظل قائمة، ولن تجد مسكنا يحميها من عدوانية الفضاء الخارجي الذي يعاقبها على مخالفة ليست مسؤولة عنها.
وقد تولد تجاه المكان إحساسان:  إحساس السارد، وإحساس الشخصية، وسنطلع على إحساس هذه الأخيرة من خلال المقطع التالي: "وجهه محمر مربد ومغمض العينين في نسيان تام، قلت هل تتركه هذه المدينة، هذا العالم كما تركهما" (الرواية، ص 12)، إن ملفوظات مثل (مغمض، نسيان، تتركه)، تعمق حس القهر الذي تعيشه الشخصية، فضلا عن اللامبالاة وعدم الاهتمام الذي تواجه به المكان، فلم تكترث لعدوانيته حتى تستطيع تحقيق الاستمرارية، فاستطاعت بذلك التعايش معه، وتمكنت من الاستغراق في النوم الذي يتطلب الدفء، في مكان شديد البرودة.
أما السارد فإنه يكشف عن مدى إحساسه بالحبوط والأسى، والرفض لهذا الفضاء المترجم للواقع، وقد ظهر ذلك جليا من خلال اللغة الواصفة المتسمة بالجمود والحياد، وبتخلصه من هذا الفضاء وولوجه فضاءات ذاتية داخلية، وهذا الإحساس سينتقل، حتما، إلى القارئ الذي يحس هو الآخر بعمق المأساة فيسحب ثقته من الواقع.
لينزاح الفضاء الخارجي عما قال به "هنري ميتران" حيث يرى أن الإحساس القلق الذي يتملك الشخوص تجاهه نستشف من ورائه اغتباطا كتيما يتملك السارد، وينتقل بالطبيعة إلى القارئ1. لكن الفضاء الخارجي عند الخراط يكشف عن أن الحس المتولد عن المأساة المتولدة عن عدوانية هذا الفضاء قد أصبح مشتركا بين الأقطاب الثلاثة "الشخصية والسارد والقارئ". ويبدو أعمق وقعا عند السارد منه عند الشخصية. ويتمظهر ذلك من خلال ولوجه عوالم ذاتية مستحضرة من الذاكرة، وكذا تعليقه على وصف الشخصية الذي سيعمل على تغطية بعض القصور: "قلت ألن يسعفه شيء ولا أحد؟ قلت: أبحاجة هو إلى نجدة، أم في هذه الظلمة نجدته" (الرواية ص 12)، فبرزت الإدانة جلية عبر هذه الأسئلة التي تمظهرت من خلال حوار داخلي عميق موجه من الذات وإليها، رغم أن وصف الشخصية والفضاء كاف لإبراز ملامحها وواقعها.
إنها أسئلة تعبر عن الإدانة المغيبة تحت قشرة اللغة الصلبة والحيادية التي بأرت الفضاء الخارجي، فهذه اللغة تعبر عن ذات لا إحساس لها، وهي شخصية أنتجها العصر الحاضر بتشييئه للفرد، إن الذات في تصويرها للفضاء تعبر عن الإنسان المعاصر المقموع الفاقد لهويته وشخصيته والمفروغ من العاطفة والإحساس، فلم تعد تنتج إلا لغة جافة لا حرارة فيها ولا حلم.
وتصل عدوانية الفضاء الخارجي ذروتها حين يورد الشخصية الموت، وذلك حين خرجت لفضاء الطريق ويصور السارد هذه الشخصية بطريقة مجردة مستمرا في الإخلاص لحياده: "كان يجري على الطريق، جلبابه الأبيض القصير يضربه هواء الجري على منتصف ساقيه... سقط بوجهه على بعد خطوات، دون أدنى حركة أو صرخة، على حشائش الرصيف التي كانت قد توحشت وطالت تحت شجرة التين البنغالي الجسيمة الهائلة" (الرواية ص 13). لقد تحول الفضاء الخارجي إلى فضاء للموت، وسقوط الشخصية لم يغير من إصرار السارد على الاستمرار في بروده وحياده مع نقاء المقطع من أي لوثة عاطفية، رغم أن الموت بطبيعته يثير الأسى والشجن والرهبة والكثير من مشاعر التعاطف، لكن وصفه للشخصية الميتة جاء محايدا، وكأنه يصف سقوط شيء عادي وتافه، وزيادة في اللامبالاة فقد اتجه ببصره لوصف حشائش الطريق التي سقطت فوقها الجثة، وشجرة التين التي تظللها. فإدوار الخراط يسعى إلى التنويع في رواياته بين اللغة الحيادية ولغة الحلم، ومن خلال الطرق الكتابية يقترح بدائل للواقع.
وينزاح السارد عن الحياد التام ليفسر ما رصده من خلال الوصف الحيادي البارد عن طريق تقنيات كتابية مختلفة تتمثل في انسرابه إلى عالم داخلي، أو طرح أسئلة بدون جواب، أو الحديث عن الذات، وكل ذلك عن طريق لغة شعرية تعتمد المجاز والرمز.
إن لغة وصف الفضاء مهما بدت جافة وحيادية، فإنها قد وضعتنا وجها لوجه أمام مأساة الشخصية التي تواجه عدوانية الفضاء الخارجي، الذي يكشف الوجه السافر لمادية المجتمعات الحديثة وتشييئها للإنسان. ليظل الفضاء كاشفا عن إيديولوجية معينة، كما ينزاح الفضاء عن أن يكون مجرد مؤطر للشخصية، وإنما يصبح شخصية تفرض إرادتها عليها فتؤذيها، فيسهم بذلك في بنينة المحكي. واستطاع الكاتب من خلال الفضاء الخارجي، بعدوانيته وبروده، أن يمرر انتقاداته ورفضه للواقع.
* باحثة من المغرب
1- إدوار الخراط. مخلوقات الأشواق الطائرة. دار الآداب. بيروت. ط 1. 1990 .ص 11-12.
2ـ البير- يس، الاتجاهات الأدبية الحديثة، دار الآداب- بيروت، ط1. 1996 .ص 82.
3 - J.y. tadié, le roman au xxe siècle. Belfond, 1990, p : 161.

 4 ـ إدوار الخراط: مهاجمة المستحيل، دار المدى للثقافة والنشر، ط1 . 1996 . ص 131.
5 ـ جان ريكاردو: قضايا الرواية الحديثة.ترجمة صياح الجهيم. منشورات وزارة الثقافة. دمشق. 1997. ص 65.
6 ـ لقد تم الحديث عن لغة الحياد وأسباب توظيفها من قبل الكاتب في تبئيره للفضاء الخارجي في الفصل الأول من هذا البحث.
7 ـ رولان بورنوف وريال أويلي. معضلات الفضاء ضمن الفضاء الروائي، جماعة من المؤلفين. ترجمة عبد الرحيم حزل. نشر افريقيا الشرق. ط. 1. 2002. ص 120.
8 ـ هنري ميتران. المكان والمعنى . ضمن الفضاء الروائي لجماعة من المؤلفين. م.م. ص 155.




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home