مقال

 

غزة الذبيحة، والعالم اللئيم المتفرج

عبد الله لعماري



يعج عالم البشرية اليوم، بمئات الآلاف من المؤسسات والهيئات والمنظمات والأبواق التي تملأ الدنيا طنينا مدويا حول احترام حقوق الإنسان، وكرامة الإنسان، والحديث عن السلام والأمن، وعن حرمة الدم البشري.

وتعودنا على الدوام، ومنذ سنين وعقود، أن تصاب هذه الجيوش العرمرمة من عازفي سمفونية حقوق الإنسان، أن تصاب بالبكم والتخارس، كلما كان الدم الفلسطيني يسفك ويراق، بل كلما كانت أنهار الدماء الفلسطينية البريئة تجري وديانا على الأرض التي ولد فيها أنبياء بني الإنسان، وتنزلت فيها اديان بني الإنسان.

واليوم، وللمرة الألف في تاريخها، تحاصر غزة هاشم من طرف قطعان الصهيونية برا وجوا وبحرا، بالدبابات والمدفعيات والمجنزرات والطائرات والبواخر الحربية، بجيوشها المدججة بالسلاح الفتاك الحديث، التي تلقي بحممها ونيرانها ومتفجراتها، على تجمع بشري من الولدان والنساء والشيوخ والمرضى، هو أكثف تجمعات البشرية المكدسة على الأرض في حيز ضيق، في عدوان بربري فظيع، تسميه "إسرائيل" الصهيونية بكل وقاحة، واستخفاف بالإنسان، واستهتار بقيم الإنسان: أمطار صيف.

وفيما تزكيه وتباركه وتحرض عليه أعظم قوة في الأرض، هي الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتولى القيادة الديكتاتورية لأمم العالم، بالغطرسة والاستكبار، فتسمي هذا العدوان الأرعن : دفاع إسرائيل عن نفسها.

لا لشيء، سوى لأن بضع مئات من الرجال في غزة، يمتشقون بضع مئات من البنادق العتيقة، ويفرقعون مفرقعات بئيسة، أطلقوا عليها اسم صواريخ القسام، يطلقونها على مشارف حدود أرضهم " المحررة "، فلا تصيب أحدا، سوى أن تثير بعض الخوف لما تحدثه من وقع الانفجار، كأقصى ما يملكون فعله، لرد عدوان قصف الصواريخ على بيوتهم، واغتيال قياداتهم.

ويقف العالم، وهو يتلهى ويتفرج، بعربه وعجمه، وبغربه وشرقه، وبكل قاراته الخمس، وبكل الوانه وألسنه وإيديولوجياته، وهيأة أممه المتحدة، يقف متخاذلا واجما وهو يتفرج على تدمير المنشئات والمنازل فوق النساء والأطفال والشيوخ، وتخريب الجسور والمعابر والأسواق والمستشفيات فوق رؤوس المرضى، وعلى تقتيل شعب تعيس أعزل، لا يملك دبابة واحدة، ولا طائرة واحدة، ولا حتى شراعا واحدا.

لأن هذا العالم اللئيم، أراد هكذا أن يبقى هذا الشعب المستضعف، بلا سلاح ولا دفاع ولا حصون، في مواجهة جيش من الصهاينة، من محترفي القتل الجبان، وعديمي الضمائر والذمم، وفاقدي الهوية، قد صنع على عين هذا العالم اللئيم وبيده، حين مده بكل أسباب القوة والمنعة والوجود.

أليست أوربا الاستعمارية، وامريكا الأمبريالية، وروسيا الشيوعية، هي التي تآمرت على ذلك الشعب الفلسطيني المسالم، حينما جمعت أجداد الصهاينة من يهود كل أصقاع العالم، ومن شذاذ الآفاق، ومحترفي الإجرام، وشرعنت لهم تشريد شعب واحتلال أرض مقدسة.

أليست انظمة العرب والمسلمين، وجيوش العرب، هي نفسها قد تورطت في خيانة هذا الشعب الشقيق، الذي تجري في عروق أبنائه، دماء العروبة والإسلام، تلك الدماء التي يحمي بهاأبناء الشعب الفلسطيني أقدس مقدسات العرب والمسلمين، ونيابة عن كل شعوب العرب والمسلمين.

أليست هذه الانظمة هي التي كانت تتاجر في نقل اليهود العرب إلى فلسطين، ويجمع قادتها من هذه التجارة المربحة أكياس الذهب والدولار، فتحول الصهيونية هؤلاء اليهود إلى قتلة ومخربين وسفاكين للدم العربي، المسلم والمسيحي.

أليست أنظمة العالم العربي والإسلامي هي التي تعقد مع هؤلاء الذين يسحقون الشعب الفلسطيني الآن بالتقتيل والتدمير في غزة، والضفة والقدس، يعقدون معهم العلاقات والصفقات والمعاهدات، ويفتحون لهم الأبواب والأسواق والأبناك، ويطبعون معهم في العلن وفي الخفاء.

واهم، وغارق في أوهامه، من يعتقد أن الحديث عن حقوق الإنسان، وشرعة العدالة بين الأمم من بني الإنسان، حديث له مثقال ذرة من المصداقية، والمشروعية.

وضال، وسادر في غفلته، من يصدق أن المجتمع البشري، وفي زمنه الراهن، وبكل العلو السامق والشاهق في عنان السماء، الذي ارتقت إليه قوته المادية، وإبداعاته، وكشوفاته، من يصدق أن هذا المجتمع يحمي الإنسانية، ويحمل مشعل الحضارة، ويضطلع برسالة الكرامة الإنسانية والسلام والعدالة والاستقرار.

إن المجتمع الإنساني برمته، ضالع في الجرائم ضد الإنسانية، التي يرتكبها الآن، وارتكبها من قبل، الجيش الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني الأعزل، لأن هذا المجتمع الإنساني، اللائذ بصمته ولامبالاته، أمام دمار غزة، هو ذاته المجتمع الإنساني، الذي صنع هذا الوحش الصهيوني، بسياساته الاستعمارية الظالمة، وأوفاقه الغاشمة، وصفقاته الجشعة، وصنعه وهو مصمم على أن يصير الشعب الفلسطيني البئيس لقمة رخوة وسائغة بين أنياب الوحش وبراثنه.

أليست أمريكا هي التي تسلح وتمول، وتحمي وتبارك، وتحرض هذا الجيش الصهيوني، أليست تلك الدبابات والطائرات والمجنزرات من صنع يديها ومن هباتها ومكافآتها.

والعالم الغربي، والأمم المتحدة، وهيئات حقوق الإنسان، ومؤسسات الشرعية الدولية، وهلم جرا، هل كان لها الموقف الإنساني الصحيح والسليم والشجاع مما تقترفه "إسرائيل" الصهيونية، وتحت المظلة الامريكية.

وهل وعى العالم، أن ما تقترفه "إسرائيل" هو تهديد للأمن الكوني والسلام الأممي.

وهل يعي هذا العالم، الذي أصبح قرية صغيرة في عصر الثورة الرقمية، ان السلام يبدأ من فلسطين، وأن الحرب تبدأ من فلسطين، وأن الإرهاب الصهيوين في حق الشعب الفلسطيني، بتلك الوحشية والسادية والدناءة والنذالة، والولوغ في الدم البريء، وأن هذا اللؤم العالمي في التفرج على المحرقة الفلسطينية بنشوة وبرودة أعصاب، وعدم التدخل للنجدة والحماية والإنقاذ لحياة مئات الآلاف من خطر ماحق.

هل يعي هذا العالم، أن ما يقع في غزة، قد يفتح على البشرية  أبواب جهنم، ويغرق الأرض في طوفان من الإرهاب والإرهاب المضاد.

أما الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس، فعاض بنواجذه على إرادته نحو العزة والكرامة والتحرر، ولو من صلب آلام حصار الجوع، ولو من تحت أنقاض الدمار، ولو من محنة يتمه أمام لؤم العالم وقطيعته وحصاره، وهو يتفرج ويتلهى ويتلذذ على مأساة واقع، أشبه بمأساة الأيتام في مأدبة اللئام، وليس لهم حينها إلا كما نادى طارق بن زياد في جنده: العدو من أمامكم والبحر من ورائكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home