مقال

 

ماذا وراء GOOGLE EARTH ؟

رضا محافظي



 ماذا وراء GOOGLE EARTH ؟

رضا محافظي

   لما بدأت الشبكة العنكبوتية تمتد داخل العالم العربي و الاسلامي و العالم الثالث رأينا الأعين تجحظ و العقول تنبهر لِما وصل اليه العقل البشري من قوة في الابداع و الابتكار ، و رأينا كيف أن العالم صار فعلا – كما كان يتردّد دوما – قرية صغيرة لا حواجز فيها و لا حدود . و مرت فترة قصيرة بعدها و سرعان ما اكتشفنا أن ما وصلنا من ابداع علمي كان مستعملا منذ فترة طويلة من طرف مصالح التجسس للدول الكبرى في ستينيات القرن الماضي ، و لم ننل حظنا منه الا بعد أن استهلكت تلك التقنية و فقدت فعاليتها و لم يبق حرج و لا ضرر من وضعهـا بين أيـدي عامة الناس لاستغلالها و التمتع بها بكل الصور و الصيغ . و هكذا هـو العالـم الغــربـي اليــوم ، لا يتـقـاسـم مـع العـالمـيـن العـربي و الاسلامي و العالم الثالث الا ما يمكِّنه من البقاء في مكان الأفضـلية و موقع القوة ، و لا يقبل بأي حال من الأحوال نقل التكنولوجيا الى تلك العوالم و تقريبها من التفاصيل التقنية و الفنية التي تمكنها ربما من الاخذ بزمام الأمور في يوم من الأيام .

 

   خرج علينا مؤخرا محرك البحث المشهور قوقل بخدمة GOOGLE EARTH و انبهر البعض من جديد بما وضع تحت تصرف عامة الناس و مختصيهم من تقنية عاليـة للتـصـويـــــر و المسح تمكّن من رؤية أية منطقة من العالم بكل تفاصيلها الدقيقة من أعلى البنايات و المنشآت الى أخفضها و حتى الى ما هو أصغر من ذلك من سيارات و أشخاص و غير ذلك. و قد صاحب هذا الانبهار في بعض البلدان حديثٌ مستفيضٌ حول انتهاك سيادة الدول و اختراق حدودها التي كانت آمنة  و تمكين عامة الناس من أسرارها و تفاصيل منشآتها و مواقعها الحيوية .

 

   انبهار البعض في تصوري ليس له مبرر لكون أنّ معطيات كثيرة سابقة و أحداث مختلفة كانت تشير بما لا يدع مجالا للشك الى تمكّن العالم المتقدم من مراقبة كل بلاد الأرض عن طريق الأقمار الصناعية ، و آخر تلك الدلائل كان استغـلال تلك الأقـمار في الحـرب علـى العـراق قبل و خلال و بعد دخول القوات الأمريكية و القوات المتحالفة معها الى أرض الرافدين خريف سنة 2003 م . و قد رأينا حينذاك كيف أن المواقع العراقية كانت تدمر الواحد تلو الآخر عن بـعـــــد و بدقة متناهية . كما أن الدلائل على ذلك التمكن و تلك القدرة متوفرة لكل فاحص اليوم . ألا نرى كيف أن القوات الاسرائيلية تتصيد طرائدها من قادة المقاومة في فلسطين و كيف تصل اليهم بصواريخها الموجهة من البحر أو من الجو و هم في سياراتهم الشخصية أو منازلهم دون أدنى نسبة فشل حين الوصول لحظة تنفيذ العملية ؟ .

 

   أنا لم اطرح على نفسي السؤال كيف سمح قوقل – و من ورائه القوى المسيطرة على الأقمار الصناعية – بنشر تلك الخدمة على عموم الناس و مجّانا ، لأنني مقتنع أنها لم تعد شيئا ذا بال هناك وراء البحر ، و لو كان الامر غير ذلك لما وصلت الينا تلك الخدمة بكل تأكيد . أنا طرحت على نفسي سؤالا آخر : اذا كانت تلك الخدمة بما فيها من ابهار للبعض و بما فيها من أشياء جديدة كانت الى وقت قريب من الممنوعات و المحظورات و من المسائل التي لا تتوفر الا في دوائر ضيقة و أروقة خاصة ، قد وضعت بين أيدي عامة الناس في أرجاء المعمورة كي يتسلوا بها ، فعلى ماذا تتوفر القوى العظمى اليوم من تقنيات مراقبة عن طريق الأقمار الصناعية أو غيرها و التي دفعتها الى استصغار خدمة قوقل ارث و وضعها للاستهلاك الجماعي المجاني ؟ .

 

   الجواب أنها بالتأكيد شيء أكبر و أدق بكثير مما يتوفر لدينا . و في الوقت الذي نتسلى نحن فيه بخدمة قوقل الجديدة و تتمتع بعض صحفنا بالحديث عي رؤية فيلات الأغنياء و مسابحهم فان العالم الغربي يكون مشغولا من جانبه بتقنية جديدة تزيد من اضعافنا و تزيد من استغلاله لخيرات بلادنا و عقول أبنائنا ، و سنكتشف بعد ثلاثين سنة أو يزيد – مثلما حدث لنا مع الانترنت ذاتها – أنهم أعطونا لعبة نملأ بها أوقات فراغنا في الوقت الذي يكونون هم فيه في جد و شغل كبيرين .

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home