القلم الفكري

 

الحس الجمالي ونعمة التذوق

بشير خلف



 

                     الحـــس الجمــالي .. ونعمة التذوّق!!

                                                                      ? بشير خلف /الجزائر

        الإحساس بالجمال ، والميل نحوه مسألة فطرية متجذرة تحيا في أعماق النفس البشرية ؛ فالنفس الإنسانية السوية تميل إلى الجمال ، وتشتاق إليه ، وتنفر من القبيح وتنأى عنه بعيدا . إن الطبيعة الإنسانية تنجذب إلى كل ما هو جميل ؛ وقد ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " إنّ الله جميلٌ يحبّ الجمال " . والإحساس بالجمال والوله به ، والاعتناء  به ، واقتناء الأشياء الجميلة قد يقوم بها الإنسان تلقائيا بفعل ذاك الميل الفطري المتجذّر في أعماق النفس ... شاء الله سبحانه وتعالى المبدع البديع الخالق أن يجعل من الجمال في شتّى صُوره مناط رضا وسعادة لدى الإنسان ، واستصاغة الجمال حقٌّ مُشاعٌ لكلّ

إنسان ، والأكيد أن تذوّق الجمال والتمتع به يختلف بين فرد وآخر ،ومن أمة إلى أخرى ، ومن عصر إلى آخر ، لكنه اختلاف محدود قد يمسّ جانبا من الجوانب ، أو عنصرا من العناصر التي تشكّل القيمة الجمالية

      كيف نعرّف الجمال ؟ وكيف نحدّد جوهره وأسسه الموضوعية ؟  فهل الجمال كل ما ترتاح إليه عينا الإنسان ؟ هل هو كل ما يعجبنا ويفرحنا ويشدّنا إليه ؟ أم أن ما ترتاح إليه عينا الإنسان ، وما يثير الإعجاب ، لا يكفي لتعريف الجمال وتحديد جوهر الجمال الحقيقي السامي ..ربما يخفي " الجمال الظاهري" الذي تراه العينان القبح والبشاعة ..

       وننطلق من الطبيعة فهي نبْعُ الجمال الفيّاض ... الذي لا يجفّ ، فإذا جفّ هذا النبع لا يندثر الجمال فحسب ، إنما تفنى الحياة وتموت الكائنات كلها ..أي لا حياة إذا ماتت الطبيعة ، فالحياة مرتبطة بالطبيعة ، والجمال مرتبطٌ بالطبيعة . تُشبع الطبيعة حاجة الإنسان للجمال ، وتُنمّي لديه شعوره به الذي يرتبط بالميل نحْو الطبيعة ، لأننا كبشر نشعر في تنوّع موضوعاتها ، وثرائها بما يمتع أبصارنا ويبعث الراحة في نفوسنا بما تُمثّله من شفافية وطُهْرٍ ونقاء ، فنحن نستمتع بتعدّد ألوان أوراق الشجر ، وبدقة نظامها البنائي ، وبالانسجام العجيب والعلاقات بين خطوطها ، والتي تتّصف بالرشاقة والنقاء .. من ذاك نعثر في الطبيعة على معايير التناسق والتوازن ، وعلى تجسيدات الثراء اللوني ، والإحساس بالرحابة المكانية ، وبالصفاء الضوئي ، وبتناغمات الكائنات في هذه الطبيعة .

      والحقيقة أن إعجاب الإنسان بجمال اللون والوله به ، يتجلّى على سبيل المثال في ألوان ريش الطاووس والتناسق في تمدّده ، وخُيلاء الطاووس لمّا يتحرّك ..وكذلك إحساسنا بالرضا والارتياح ونحن نتملّى الجو المشبع باللون في منظر غروب الشمس ، وانبهارنا بالنضارة اللونية في شروقها ، كلّ ذلك يرجع إلى كوْن الإحساس باللون هو من أكثر أنواع الشعور بالجمال شيوعا بين بني البشر، وأشدّهم جذبا.

     للألوان تأثيرٌ عميقٌ في دواخل النفوس ، فتظهر بهيئة ملموسة ساحرة تارة تحرّك أغلب الناس محرّكة فيهم الذوق الجمالي المتماشي مع كلّ إنسان ، وتارة أخرى بنفس إيماني ، وروحانيات ، واعتقادات تتداخل في كنف الدين والأعراف ، وحتى الأسطورة لدى بعض الشعوب ...إن اللون هو صفةٌ للنور والضوْء ، وأن للنور السماوي الآتي من الشمس قدسية وحظوة يكتسيها في جلّ المعتقدات .

      في العقيدة الإسلامية جاءت دلالات اللون تعبيرية أو رمزية أو حسّية أو جمالية ، وارتبط اللون بمصدرين جوهريين : أولهما ، النور القادم من السماء المقترن بالخالق الأعلى ، فهو ( نور الله ) سبحانه وتعالى ، أو ( نور القلوب ) بما يعنيه الإيمان المنوِّر لدواخل النفس المظلمة ..وثمّة تداخلٌ لغوي ذو دلالات بين كلمتي " ظلمة " و " ظلم " المقترن بقُبْح الظلم والطغيان المنافي لجمال العدل ، وهكذا فكل انحراف واختلال هو قُبْح لأنه ابتعادٌ عن الجمال الواجب اقترانه بإرادة الله ؛ وبذلك فإن اللون وجماله يقترن مع وجود الضياء ، ثم يتداخل المفهوم مع العدل والقسطاس الإلهي . وأصبح الأسود المظلم لدى أغلب شعوب الأرض رمزا للحزن ، والألوان المشعّة الفاتحة دليلا على الحبور والمسرّة في الأعراف الشعبية .[i][i]

     ثاني الحوافز المرتبطة باللون والتي تؤدي إلى التذوق الجمالي،هي العين كأداةٍ جاسّة للنور واللون .والعين ذكرها الله في مُجمل نعمه على الناس ..ناهيك عن اعتبار اختلاف الألوان في ناموس الطبيعة والخَلْق في حدّ ذاته معجزة ربّانية تدعو الانتباه ، وإن تكريسها ما كان ولم يكن عبثا ، كما ورد ذلك في الذكر الحكيم : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ) (فاطر:27) و: (من الآية28 ).

      قد يطرح القارئ السؤال التالي وما علاقة الألوان بالجمال وتذوّقه ؟ وأيّ الألوان أجمل ؟ وهذا بطبيعة الحال يجرّنا إلى أقوال بعض علماء النفس الذين من بينهم العالم النفساني الألماني " فشنر " إذْ يقول : ( صحيحٌ أن اللون الأحمر جميلٌ إذا ظهر على وجنة الفتاة ، ولكنه ليس جميلا إذا برز في أرنبة الأنف .) وهكذا نحسّ بجمال اللون من خلال مضمونه وأهميته ، وبذلك تكون نظرتنا إلى وهَج الغسق الأحمر مختلفة عن احمرار الوجه البشري . كما أن للطبيعة المحيطة وصورة الكون حضورُهما في المدى الفلسفي للألوان ، فالأزرق يلْقى الحظوة لارتباطه بالسماء ولوّن الماء الذي هو جوهر الحياة : ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُـلَّ شـْيءٍ حَيٍّ ) . واللون الأخضر يرمز إلى الأمل والخصوبة والخلود المرتبطة أساسا مع بُعْدي اللونين المكوّنين له وهما الأزرق الدّالّ على الماضي والأصفر الدّالّ على المستقبل ، وما يعاكسهما في ذلك والذي يمثّل الزمن الحاضر فيبدو احمر اللون .[ii][ii]

    يقفز أمامنا والحالة هذه سؤال مهمٌّ : هل كل كائن قادر على تذوّق الجمال والإحساس به ، والتعرّف على الجمال الحقيقي الأصيل ؟ أم أن الإحساس بالجمال والتعرّف عليه يحتاج إلى طاقة وقدرات ، وملكات رفيعة ، بل وخبرة ومستوى معرفي معيّن .. ونعتقد كما يعتقد العديد من ذوي الخبرة والاختصاص ،أن ليس كل إنسان يملك القدرة لاستيعاب وإدراك الجمال .

        تذوّق الجمال في رأينا يحتاج منّا :

1.  ـ إلى عقْلٍ نشطٍ ناضج ، فالعقل الخامل لا يملك القدرة على العثور على الجمال ، ولا التعرّف على ميزات الجمال ، ومن ثمّ الإحساس به ، وتحديد جوهره ، وتذوّقه والتنعّم به .

2.    ـ إلى قلْب مُحبٍّ ، فالمحبة هي التي تنير الطريق على مواطن الجمال والتوقف عندها والتأثر بها .

3.  ـ إلى عين نشطة ومشاعر مرهفة حسّاسة ، فالإنسان الذي اعتاد أن يقضي حياته بين جدران أربعة ، لا يدرك جمال نهر تعانقه المروج والبساتين ، والذي لا يرى من الحياة غير وجهها الحالك ، لا يدرك الجمال ولا يعيه البتّة .

4.  إلى نفس طيّبة ، متّزنة ، سويّة ، متسامحة ترى الوجود كله جميلا .. إلى أخلاق رفيعة سامية..نفس تنطوي على الخير والحبّ والجمال ، والفضيلة ، غير ميّالة للقبح والبشاعة في أذى الغير ..نفس طيّبة وتعتقد الطيبة في غيرها .

5.  ـ إلى خبرة بالحياة ومكوناتها ، وإلى إدراك للوجود ، وإلى قناعة بالموازنة بين الجانب الروحي ، والجانب المادّي ، وبين الجانب الحسّي والجانب المعنوي .

     إن الجمال يلبّي ويروي لنا حاجة إنسانية سامية ، وعلينا هنا أن نميّز بين الحاجات الإنسانية السامية للإنسان وبين الحاجات الوضيعة ، وإدراك قيمة الشيء معناه معرفته ، على سبيل المثال إذا لم ندرك ونقدّر ونعرف قيمة الوطن ، فهل يمكن أن نشعر بجمال الوطن ؟ قد نختلف حول العديد من القضايا ؛ إلا أننا لا يمكن أن نختلف حول الوطن الذي نعتبره أسمى وأرقى وأنبل مراتب الجمال .

        الإنسان هو الوحيد من بين الكائنات قادرٌ على التطوّر ..قادر على استكمال ميزاته الإنسانية التي تُمي|زه عن باقي الكائنات ، لأنه يملك العقل والإرادة ..الإنسان يملك غرائز نبيلة سامية نافعة ، ويملك بالمقابل غرائز عدوانية وحشية مخرّبة ضارّة ..إلاّ أن نزعة الخير موجودة أصلا فيه ..والجمال قادر على إبرازها وتوظيفها في سبيل الخير .وهو الوحيد من بين الكائنات كلّها ، قادرٌ على مجاراة الطبيعة التي هي نبْعُ الجمال ، في أن يكون جميلا ، وهو القادر على حماية الطبيعة لتكون مصدر قوّته وإلهامه ..بإمكانه أن يرفد ينابيع الجمال فيها ؛ وقدرته هذه تنبع من طموحاته وأحلامه .. فطموحات الإنسان وأحلامه تعبّر أيضا عن جانبٍ مهمٍّ للكشف عن القيم الجمالية ، والتواصل معها ، وتعبّر عن جانب مهمٍّ من طموح الإنسان وسعْيه ، واجتهاده لكي يكون جميلا .[iii][iii]

     إن القيم الجمالية هي غذاء الروح ، وغذاء الروح لا يقلّ أهمية عن الغذاء الطبيعي للإنسان ؛ إنْ لم نقل : إن الغذاء الروحي أكثر وأشدّ أهمية من الغذاء الطبيعي المادّي للإنسان ..ونعني بالغذاء الروحي ، كل ما يساعدنا على أن يبقى عالمنا جميلا يسرّ العين والروح ، ويفي الجسد .

     ويشكل الموقف من القيم الجمالية ، والإبداع الجمالي ، والتعامل مع الجمال بُعْدا أساسيا في الحضارة الإنسانية ..فالحضارة التي تخلو من الجمال ، وتنتفي وسائل التعبير عنه فيها ، وتنعدم صناعة موضوعاته فيها ، لهي حضارة متخلفة ، لا تتجاوب مع مشاعر الإنسان ، ولا تلبّي أشواقه النفسية ونزعته الفطرية إلى الخير والحقّ والجمال ، ولا تعبّر في الآن نفسه عن إنسانيته .(1)

         قد لعب الجمال والفن بمعناه الواسع دورا كبيرا في حياة الإنسان ، إذْ كان وما يزال مظهرا من مظاهر تميّز الإنسان العاقل عن باقي المخلوقات ، ووسيلة تعبير هذا الإنسان عمّا يحسّه من مشاعر وانفعالات ، وكلما ارتفع مستوى هذا التعبير ، ارتفع معه مستوى هذا الإنسان ، ومستوى الحضارة التي يعيش فيها .

      إن المجتمع الذي يُعنى بالفن والجمال ، هو مجتمعٌ يستطيع أن يحافظ على توازنه وترابطه ، ويسمو بأفراده إلى مراتب تساعدهم على الوئام مع محيطهم ، والحرص على تحسين واقعهم ..مجتمع يرتفع بأفراده فوق مستوى الحياة العادية ، ويمنحهم خبْرات إيجابية ، ويشحنهم بطاقات روحية يسمون بها فوق الروتين اليومي ، فيحقّقون ذواتهم أفرادا ومجتمعا .

       يقول المرحوم الدكتور زكي نجيب محمود :

     " الإنسان العادي من جمهور الناس ، إذا عرف في حياته الجارية كيف يفرّق بين ما هو جميل وما هو قبيح فيما يحيط به من أشياء ، فإنه في معرفته تلك ، يظلّ بعيدا أشدّ البعد عن القدرة على بيان الأسس التي إذا توافرت في شيء ما ، كان ذلك الشيء جميلا ، وإذا غابت عن شيء ما ، كان ذلك الشيء مسلوب الجمال ، بمقدار ما غاب عنه من تلك الأسس ، وقد يحدث هنا أن يتصدّى للمشكلة مفكر موهوب في عمق التفكير ودقّته ، فيتناول هذه التفرقة بين الجمال والقبح ، حتى يصوغ أسسها ومبادئها وشروطها ، وعندئذ يُقال عن مثل هذا المفكر : إنه فيلسوفٌ ، كما يقال عمّا يكتبه في هذا الموضوع : " إنه فلسفة الجمال "  ولنلحظْ هنا أن عملية النقد في مجال الفن والأدب ، إنما هي فرْعٌ يتفرّع عن فلسفة الجمال ، ولذلك فقد يختلف النقاد في الأساس الذي يقيمون عليه نقدهم ، باختلافهم في المذهب الفلسفي الذي يناصرونه "

   يطرح بعد ذلك الدكتور زكي نجيب محمود عدة أسئلة حول فهم الناس للجمال ، فإذا هم اتفقوا حول الفهم وربّما حتى التعريف ، فإنهم تأكيدا سيختلفون في التفسير والتعليل ، وما هو المقياس الذي يجعل ذلك الشيء قبيحا وهذا جميلا :

      (( ... قد تلتقي أنظار الناس جميعا على الشيء الجميل فتتفق على جماله ، ثم يبدأ اختلاف الرأي فيما بينهم حين يبدؤون في التفسير والتعليل ، فماذا في هذا الشيء أو ذاك قد جعله في أعين الناس جميلا ؟ أهو ـ في نهاية التحليل ـ ما به ممّا ينفع الناس في حياتهم الكاملة ؟ أم هو صورة بنائه وتكوينه ، بغضّ النظر عمّا ينفع وما لا ينفع ، أم هو شيء غير هذا وذاك ؟ )) ـ هموم المثقفين ص 249[iv][iv]

      ويربط المرحوم الدكتور نجيب محمود تذوّقنا للجمال بالجانب الروحي المتأصّل فينا والمستمد من عالم الروح ، وما نصفه بالقبح يتنافر مع ذلك ؛ فيرى أن الجمال في الأشياء الجميلة ما هي إلاّ صفةٌ ندركها ، فندرك أن بينها وبين الجانب الروحي فينا شيئا من حيث الجوهر ؛ وعلى عكس ذلك الشيء الذي نصفه بالقبح ، إنما هو شيء يحمل صفة تتنافر مع حقيقة أرواحنا ، فالأشياء الجميلة تُذكّر الروح فينا بطبيعتها الروحانية ، وذلك لأن هذه الأشياء الجميلة كلها تشترك في " الصورة " المستمدة من عالم الروح ، وإذا ما خلا شيء من تلك الصورة كان قبيحا .  

     ومن الخطإ أن نعتقد أن للجمال مقاييسه الحسية وحدها ، تلك التي تقع عليها العين ، أو تسمعها الأذن ، أو يشمها الأنف ، أو يتذوقها اللسان ، أو تتحرك بها لمسات الأطراف العصبية ... فالجمال مادة وروح ، وإحساس وشعورٌ ، وعقل ووجدان ، فإذا التقى فلاسفة الجمال في بعض الجوانب أو العناصر ، فستضل هناك في عالم الجمال مناطق يعجز الفكر الفلسفي عن إدراك كنهها ، والوصول إلى أبعادها . فليس العقل وحده هو القوة القادرة على استكناه كل أسرار الوجود وما خفي فيه ، ولحكمة يقول الله تعالى في كتابه العزيز ( ...فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.) (الحج: من الآية46)

      وبعيدا عن الفلسفة وأهلها ، فالإنسان العادي السوي مثلما يشاهد الجمال في عالم الطبيعة يشاهده ويتذوّقه في الأشياء الجميلة التي يقتنيها ، ويلحظه في الإبداع الفني الذي يصنعه الإنسان كالعمارة التي يبدع فيها المهندسون ، والطرق الفسيحة التي تحاذيها من الجانبين مساحات ظللتها أشجار وارفة وزخرفتها زهور وورود تفوح عطرا ..مساجد تألقت بعمارتها الإسلامية المميزة ، كما أن الإنسان السوي يشاهد الجمال وينعم به في اللوحة الفنية ، الملابس الزاهية ، ترتيب غُرف المنزل ، الكُتب المزخرفة ، الخط ، ترتيل القرآن الكريم ، الزخارف والنقوش في الأواني والأبنية والفُرُش والزرابي ، في الإيقاع الموسيقي الأصيل والصوت الشجي ، والوزن الشعري العذب ، في الكلام الحسن ، في الحوار الهادئ ، في الاحترام المتبادل ، في فنّ الإصغاء للغير ، في حُسْن التعامل مع الجار ، مع الأقارب ، مع الزملاء في العمل ، في آداب الأكل ، في سلوك النظافة في داخل المنزل وخارجه ، في الحفاظ على البيئة .

      وكما نشاهد الجمال ونتذوقه في الإبداع الذي يصنعه غيرنا ونصنعه نحن أيضا ، فإن موضوعات الجمال التي كرّم الله بها عباده في الطبيعة أفسح وأجمل وأكثر جاذبية ؛ حيث يغمرنا الجمال في عالم الأزهار والطيور وسفوح الجبال ، وجداول الأنهار ، وشلالات المياه المنحدرة ، وكثبان الرمال الذهبية ، ومغيب الشمس ، وفي شكل الإنسان الذي قال الخالق عزّ وعلا في شأن تكريمه :  ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الاسراء:70)         وقال أيضا : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) .. كما نسعد بالجمال ونحن  نتذوقه في سماء الليل الصافية ، وفي النجوم المتلألئة ليلا ، والقمر وهو يغمر الكون بضيائه ..نتذوّق الجمال في الغيمة ، في قوس قزح ، في الضباب وهو يدثر ما حولنا بغلالة شفافة منعشة ، نتذوقه في نزول الغيث وتجمُّع قطراته وهي تنساب والأرض تتشرّبها في نشوة ..الجمال نتذوّقه في عيون الضباء ، وفي عيون المها وابتسامات الأطفال ، في ألوان الأسماك وشاطئ البحر ورماله الذهبية ، وأمواجه ..في حقول الزرع المترامية ، في السنابل الناضجة وهي متمايلة بما حملت من ثمار الخير ..في الخضار بألوانها المختلفة ..في الأشجار المثمرة وتدلّي الثمار بألوانها وأشكالها يانعة شهية في عراجين النخلة وهي مدلاّة ، مثقلة بحبات التمر في لونها الذهبي الرائق الشفاف ..وفي الأزهار بألوانها وأريجها .. وفي ملكها الورد بدون منازع ..

      عموما ، فالجمال قد يكون متعلقا بالإنسان ، أو الحيوان ، أو النبات ، أو الصخور ، أو الجبال ، أو البحار ، أو السماء ، أو حتى السحب وتشكيلاتها ، تهاطل الأمطار ، تساقط الثلوج ، أو التعبير الإنساني خاصة في الفنون المختلفة ، وقد يكون مرتبطا بالجانب المادي ، أو الحسّي ، وقد يكون متعلقا بالجانب العقلي أو المعرفي ، أو التأمّلي قد يتمثّل في حالات صامتة ، أو حالات متحرّكة ، أو في مزيجٍ من الصمت والحركة ، وقد يكون في وجْهٍ جميل ، أو جسد جميل ، أو مسرحية جميلة ، أو مقطوعة موسيقية جميلة ، أو فيلم جميل ، أو لوحة فنية جميلة ، أو حديقة طبيعية جميلة لم تطلها أيدي البشر ، أو حديقة أخرى تولاّها الإنسان بالرعاية والاهتمام .

     اختلافات هائلة بين تكوينات وحالات الجمال وتنويعاته ، فوصفنا العام لها بالجميلة إلاّ لكونها تثيرنا وتبعث المتعة والراحة في نفوسنا ؛ حيث يوجد الجمال في جميع مظاهر الحياة ، في الطبيعة والمباني والبشر والفنون واللغة ... كما يوجد في العلوم ، فالفيزيائي  ريتشارد فينمان يرى بأن " المرْء يمكن أن يستبين الحقيقة بفضل جمالها وبساطتها " ويعلن فيزيائي آخر بقوله : " إن الجمال في العلوم الدقيقة وفي الفنون على السواء هو أهمّ مصدر من مصادر الاستنارة والوضوح " .(3)

     كلٌّ تلك موضوعات تجسّد الجمال ، بل الطبيعة بأسرها لوحة فنية تفيض بالحسن والجمال ، والنفوس السوية تثير لديها الإعجاب ، وتتفاعل معها روحيا ، إذْ تتحوّل لديها شعرا ، أنشودة ، عبادة وإجلالا وتسبيحا وتعظيما لمبدع هذه الطبيعة وخالقها .

      أين نحن من هذا العطاء الربّاني ؟ هل نحسّ بهذا الجمال الفياض في سلوكنا اليومي ؟ هل نتذوق القليل أو الكثير في يومياتنا وليالينا ؟ ...هي أسئلة مطروحة علينا أفرادا وجماعات ، ولا أعتقد أننا نجهل واقعنا وسلوكنا الذي يجهل في أغلب الحالات كُنه الجمال ومفهومه ، ومعاداتنا لكل ما هو جميل ، وإنْ جهلْنا التذوقَ الجماليَّ فإننا في نفس الوقت نترفع عن تعلّم التذوق الجمالي ونرى بأنه من الصغائر التي ننزل إليها ، والبعض يراه أنه من الضعف والدونية .. نحن أغلبنا معطوبٌ من الداخل. لكن  كيف السبيل إلى إصلاح هذا العطب ؟ ؟

       صُور الجمال في الكون والحياة ، دليل على قدرة الله تعالى وعظمته وحكمته ، والقيم العليا في الديانات السماوية ، سيّـما في الدين الإسلامي الحنيف ، ترمز إلى نواحٍ جمالية مثلى ، لأنها ينبوع السعادة الحقيقية المتمثلة في الحق والخير والجمال ، للبشر في كل زمان ومكان ، فالخير والفضيلة ، والحب والصدق ، والعدل والرحمة ، والتآخي والبرّ ، والطهر والعفاف ، وغيرها من الصفات والسلوكات الإنسانية الحميدة التي تبعث في النفس الطمأنينة والأمن والأمان ..جميعها ينابيع للخير والوفاق وجمال النفس والكون في شموليته الواسعة ، والبيئة المحيطة بالإنسان .

      لقد دعت الآيات القرآنية إلى تأمل الكون ، واكتشاف روعة التنظيم والتنسيق فيه ، والجمال به ، حتى يزداد الإنسان إيمانا ويقينا ، ويسعد بتلك الثروة الهائلة التي تغمر الإنسان والكون في كل كوقع عملا بقوله تعالى : " وإنْ تعدّوا نعمة الله لا تحصوها " . إن تذوق الجمال واليقين من أعظم نِِعم الله ، وقد رمز إليها أحد المفكرين القدماء بقوله : ( إن بين جنبيّ من اللذة ، ما لو علمها الملوك لقاتلوني عليها بالسيوف . )

       إن القرآن يوجه الحسّ البشري للجمال في كل شيء ، وإنه يسعى لتحريك الحواس المتبلّدة لتنفعل بالحياة في أعماقها ، وتتجاوب تجاوبا حيا مع الأشياء ، والأحياء ، وهنا يلتقي الفن بالدين ، ويلتقي الجمال مع التوجيهات الربانية في تأمل الكون وتذوق الجمال به ؛ (4) { الأستاذ محمد قطب ، منهج الفن الاسلامي } ..والفن الصحيح هو الذي يهيّئ اللقاء الكامل بين الجمال والحق ، فالجمال حقيقة في هذا الكون ، والحقّ هو ذروة الجمال .

                                       في الجمالية والجمال

     ونعني بالجمالية ، تلكم المعرفة التي نهتدي بفضلها إلى الحكم على الحُسْــن وتقييم الجمال ،فالجمالية كمذهب مشهور في الفن بمعناها الواسع هي ( محبّة الجمال ) ..حيث ترى طائفة كبيرة من أصحاب هذا المذهب أن قيمة الفن تُوجد في ممارستنا المباشرة له ..والجمالية تُعطي الشكل أهمية كبرى وتكون قيمة العمل الفني في الشكل دون الموضوع ، بينما يرى آخرون من أتباع الجمالية : أن الجمال قيمةٌ لا غنًى عنها ، تقديرها ضروري للحياة الخيّرة ، ولكن لا يمكن فصْلها عن قيمتي الخير والحقّ .

        وعموما فالجمال يقابله القبح ..والجمال قيمة من القيم السامية مرغوبة ، ولكن القبح قيمة أيضا ولكنها مستهجنة ، ومن القبح أيضا ما يكون في حدّ ذاته جميلاً ؛ ولذلك فإن الجمال في معناه المطلق " قد يكون " صعْب التحديد ، سيّما في هذا العصر الذي اختلطت فيه القيم ، واختلفت الاتجاهات ، وتغيّرت الأذواق ، فإنك تجد من الناس مَنْ يستحسن الشيء الذي تستقبحه أنت وتنفر منه ، ويجد فيه من الأريحية والهزّة الداخلية ما تراه أنت فيه من اشمئزاز وكُرْه .ومهما يكن من أمْرٍ ، فإن لثقافة الفرد ، ولنوع الحضارة التي طبعت حياته ، ولنوْع البيئة الطبيعية والاجتماعية التي يتواجد فيها ، تأثيرا في إكسابه " الجمالية "  ودرجة إحساسه بالجمال ، والمعايير التي يوظّفها في التلذّذ بذلك .

    " الجمال إحساسٌ بروعة ، وشعورٌ بهزّة ،وانطباعٌ بأثرٍ وانجذاب لأريحية تعرو النفس فتتملّى وتتغذّى .

فأن تُِؤخذ بالاستماع أو تنبهر بالمشاهدة ، أو تتحرّك سواكنك أمام الرقّة والحُسْن مهما كان مأتاهما ، فقد شعرتَ بالجمال ، واستفزّك الجمال فتأثّرتَ به " (5)

    وليس غريبا أن يختلف الناس في تذوّق الجمال ، وأن لا يكونوا على درجة واحدة في الشعور به ، فمنهم مَنْ لا يؤثر فيه الجميل المألوف ، ومنهم مَنْ لا يرى جمالا فيما أجمع عليه بعضهم ، ومنهم من لا يرى أثرا للقيمة الجمالية الحقّ التي أجمع الناس عليها ، أو فيما يتأثرون به على أنه مُثيرٌ للإعجاب ..ومنهم من يستوي عنده القُبْح والجمال ، فلا يهتزّ لهذا ولا يشمئزّ من ذلك .ومنهم من تستهويه البشاعة ويركن إلى القبح في كل سلوكاته ، ولو أضرّ بغيره وبنفسه ؛ وتُمثّل الخطيئة ، والشرّ والفساد ، والظلم والتعدّي على الغير ، والاستغلال وتعاطي الحرام في جميع أشكاله ، وانتهاك حُرُمات الله ، والبعد عن مبادئ السماء ، والغفْلة والتغافل عن المبادئ الخيّرة ، كلّها صُورٌ بشعة ومُشينة للقُبْح الذي يُضادّ الجمال.

       لكن لحكمة يعلمها إلاّ الله سبحانه وتعالى ؛ هناك من الناس من لهم أعينٌ لا يُبصرون بها ، وآذانٌ لا يسمعون بها ، وقلوبٌ لا يفقهون بها ن إنهم كالأنعام بل هم أضلُّ ..وقد دعت الآيات القرآنية إلى تأمّل هذا الكون الشاسع اللامتناهي ، واكتشاف روعة التنظيم والتنسيق والجمال فيه ، حتّى يزداد الإنسان إيمانا ويقينا ، ويسعد بتلك النعم التي لا حصْر لها ، والتي تغمر الإنسان والكوْن في كل موقع : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا )(النحل: من الآية18)  .) إن الإحساس بالجمال وتذوّقه من أعْظم نِعم الله على عبده .

      لكن ما هو الجمال ؟ ما الضدّ للجمال ؟ هل الجمال كما هو متداول لدى شبابنا ، أو مترسّخ لدى كبارنا بأنه ينحسر في المرأة وما له علاقة بها  فحسب ؟ إن مفهوم الجمال وكنهه أسْمى من ذلك بكثير.

      الجمال ضدّ القبح ، وهو الحُسْن والزينة ، ومنه الحديث : ( إن الله جميلٌ يحبّ الجمال .) أي حُسْن الأفعال ، كامل الأوصاف . واصطلاحا : الجمال حُسْن الشيء ، ونضرته وكماله على وجْه يليق به ؛ ومعنى ذلك : أن كل شيء جماله وحُسْنه كامنٌ في كماله اللائق به ، فإنْ كانت جميع خصوصياته وكمالاته الممكنة ، فهو في غاية الجمال ...فالخط الجميل هو الذي جمع ما يليق بالخط من تناسب الحروف وتوازيها ، واستقامة ترتيبها ، وحُسن انتظامها ، فكل شيء له خصوصياته الجمالية ، فما يُجمّل الإنسان لا يجمل الحيوان مما هو من خصوصياته ، وما يجمّل فنّ الخط لا يجمّل فن الأصوات ، وما يجمّل الأواني ويزخرفها غير ما يجمل الثياب ، وهكذا في سائر الموجودات .

       وكما أشرنا فيما سلف ، فالجمال سمةُ واضحة في الصنعة الإلهية ، وحيثما يمّم الإنسان وجهه ، يجد من صُنْع الله ما يجذبه بلونه ، أو يستهويه بصوته ، أو يتملّك فؤاده بتناسقه ودقته المتناهية وصنعته المُحكمة ، فالجمال بعضُ آيات الله التي أودعها في مخلوقاته ، وطلب من الإنسان أن ينظر فيها ، أن يتأملها بالبصيرة قبل البصر ، ويستجلي الأسرار منها ، ويعتبر . قال الله تعالى :

  ( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:99)      قد تضمّنت الآية جمالا من الطبيعة ومظاهرها ، ما يدعو الإنسان إلى النظر والتأمل فيها ، بل إن هذا الجمال لم يُذكر ليُعْلم فحسب ، بل ذُكر أيضا كي يستمتع به الإنسان ، لأن المنفعة المادية ليست وحدها الغاية من خلْق هذه المخلوقات على هذا الوجه ..فالجمال منفعته معنوية تُغذّي الروح والنفس ؛ لذلك قال الله تعالى في سورة الأنعام : ( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (النحل: 5 ، 6)       ذكر الله تعالى المنافع المادية وأعقبها بالمنافع المعنوية المتمثّلة في الناحية التي تُحْدثها في نفْس مالك هذه الأنعام .

      تحدّث القرآن الكريم في آيات كثيرة عن الزينة والجمال ، ولفت نظر الإنسان إلى ما في عالم الموجودات من جمال وروعة وفنٍّ وإبداع لتكون دليلا على قدرة الله وعظمته ، ويتضح ذلك ونحن نتلو الآيات الكريمة التي وصف الله فيها نفسه بأنه ( بديع السماوات ) و( المصوّر ) و( الخالق ) وغيرها ممّا أضفى على كلّ شيء في هذا الوجود مسْحة الجمال والإتقان . والرسول صلّى الله عليه وسلّم كان المثل الأعْلى في الطهارة والنظافة ، والأناقة والجمال ، وسموّ الذوق .

     والجمال في الحقيقة ليس قيمة كمالية لمجرد الزينة ، كما أنه ليس تشكّلا ماديا فحسب ، ولكنه بالمعنى الصحيح حقيقة مركّبة في مداخلها وعناصرها ، وتأثيراتها المادية والروحية ن وفي انعكاساته على الكائن الحيّ ، ذلك لأن اثر الجمال لدى النفوس السوية يخالط الروح والنفس والعقل ، فتنطلق ردود أفعال متباينة ، بعضها يبدو جليا وبعضها وبعضها الآخر يفعل فعله داخليا ، لكن محصّلة ذلك كله ما يتحقّق للإنسان من سعادة ومتعة ، وما ينبثق عن ذلك من منفعة تتجلّى فيما يأتي أو يدع من أفعال وأقوال ، وفيما يحتدم داخله من انفعالات ومشاعر .. والجمال بداهة لدى كل ذي لُبٍّ لا يرتبط بالمظاهر الحسية وحدها .. وإذا كان تذوّق الجمال والاستمتاع به مباحا في الشريعة الإسلامية ، فإنه مدخلٌ على إلى ارتقاء الروح والذوق ، وسموّ النفس وخلاصها من التردّي والسقوط في الرذيلة ، ومحرّك للفكر كي يرتقي ويجول إلى ما هو أبعد من المظاهر الحسية التي مآلها الفناء والزوال ، فالجمال عنصر من عناصر الإيمان ، والقيم الجمالية الفنية تحمل في ثناياها ما يعمّق هذا الإيمان ، ويقويه ، ويجعله وسيلة للسعادة والخير في هذه الحياة .

                                    

                             لكل إنسان رؤية ورد فعل تُجاه الجمال

     إن لكلّ إنسان رؤية وردود فعل حول الجمال كمفهوم ، والجمال كانطباع تجاه أشياء مادية وروحية مختلفة يتذوّق جمالها حسّيا وعقليا ، تترك في نفسه إحساسا بالبهجة والاهتزاز والنشوة والدهشة ..هذا الإحساس هو المقياس الذي يحدّد جمال المادة التي تترك لدى المتلقّي ، الانطباع الممتع ، والإحساس بالبهجة ، سواء عن طريق التأمل العقلي ، أو عن طريق حواس السمع ، أو النظر ، أو التذوّق .

     ولكي يكون لدى الإنسان إحساسٌ جماليٌّ راقٍ ، يتطلّب ذلك تربية للذوق الفني والجمالي لديه منذ الصغر ، ولا يعدم أن يتدارك ذلك ولو نسبيا عند الكبر ..قد يقول قائل كيف ؟ ومتى ؟ وما السبل إلى تحقيق ذلك والعصر عصر السرعة لا يترك للإنسان المعاصر الذي تدفعه الحاجات اليومية ، ومطالب الأسرة والأبناء فرصة كي يستردّ أنفاسه فيلتفت إلى نفسه المتعبة .. يمنحها فُرصا للراحة والتأمل  بين الحين والآخر ؟ الإحساس بالجمال وتذوّق الفن في كل مناحيه الطبيعية والبشرية ، وما ينتجه الإنسان نفسه وهو كثيرٌ ، يتطلّب الهدوء والأناة والتأمل ودقة الملاحظة فيما هو مرئي .. بشاعة السلوك البشري المتنامي ..قساوة الإنسان تجاه أخيه الإنسان التي يمارسها بطرق وأساليب تنوعت وتعدّدت في كل بقاع الدنيا ..هذه السيولات من الفيض الإعلامي الذي يلاحق الإنسان في جلساته ببيته ..في لقاءاته مع أحبائه وأصدقائه ..في سيره اليومي العادي في الطرقات والأسواق ، تهزّه في اليوم الواحد عشرات المرّات بهول ما يقع يوميا من مآسٍ وتراجيديات ، هل تركت وتترك للإنسان المعاصر ما يبعث في نفسه الأمل ، والسكينة حتى ينظر للحياة بمنظار الخير والفضيلة اللذين هما مكوّنان أساسيان من الجمال ، ومحرّكان داخليان للتمتع بالجمال أينما هو .

       وماذا نحن قائلون عن الإنسان الجزائري الذي مرّ بمحنٍ قاسية وفضيعة في السنوات الأخيرة ، حتى ان هناك دراسة حديثة نُشرت أخيرا بيّنت أن 90 %  من الجزائريين مرضى  يعانون من أمراض نفسية ، والخوف بطريقة أو بأخرى مترسّب لديهم في اللاشعور ، وحوالي سبعة ملايين شخص أغلبهم من النساء أميون ، وفي دراسة حديثة أيضا حوالي سبعة ملايين شخص يعانون من مرض ضغط الدم ، فضلا عن أمراض أخرى مختلفة بعضها معروف منذ القديم ، وبعضها الآخر ممّا جاد به العصر ..فضلا عن تاريخ الإنسان الجزائري المُوغل في القدم والممتد إلى آلاف السنين ، ما عرف فيه هذا الإنسان الأمن والاستقرار والسكينة ، والحياة الهنية إطلاقا ..فالغزاة دوما وراءه ، ما تركوه يستقرّ مرحلة ينعم فيها برفاهية الحياة كباقي الشعوب الأخرى على المعمورة ..ومرحلة الاستعمار الفرنسي كانت أشدها قسوة عليه ، حيث كادت تمحو أثره من الوجود ، بعد الاستقلال خرج محطم النفس معطوبها ، فارغ اليدين ..لتتلقفه محنة أخرى أكثر قساوة ، وأشدّ إزهاقا للأرواح ، وأوسع تدميرا لأغلب ما أنجزته الأمة في مسيرتها بعد الاستعمار ..كانت الفاجعة على النفوس التي أُزهقت ، والمكاسب التي أُتلفت ، والآثار النفسية التي ترسّبت ، والأمل الذي تبخّر في غدٍ مشرقٍ .. لا نعجب أبدا فيما نشاهده يوميا حولنا من بشاعة في السلوك ، ومن بلادة في الطبع ، ومن لامبالاة من أغلب الجزائريين فيما يجري حولهم ، ومن لهف وراء المكاسب الدنيوية ، ومن تكالب وحشي وراء الربح وكسْب المال بالطرق الشرعية وغير الشرعية ، وتفشّي الرشوة والمحسوبية ، والاغتناء بالمال العام ..الكلّ يشعر بالقلق والتوتر ، وبعدم الثقة فيما هو موجود ، الكلّ يعادي الطبيعة البشرية الجميلة ويراها ضعفا ..الكل يشنّ حربا على الطبيعة وينأى عن التمتع بما فيها من نقاء وجمالية ..نعادي الجمال ..حربنا متواصلة ضد البيئة التي نحيا فيها .. منها نستمدّ أسباب بقائنا في هذا الوجود ..

 لو نتكلم عن يوميات الإنسان الجزائري في تعامله مع البيئة التي حوله من منطلقها الضيق فالقريب ، فالأبعد ، ونقارنها بالبيئة والوئام والمصالحة معها في دول أخرى ، لانعدم وجه المقارنة البتّة لبعدنا كثيرا عمّا عندهم ..ومن الغريب أننا لمّا نزور تلك الدول نعود إلى ديارنا ونحن مبهورون بالنظافة والتنسيق ، والجمال الذي يمسّ كل شيء ، ويصل إلى كل ما له علاقة بالإنسان ، ولا نُسائل أنفسنا لِم كان ذلك عندهم ، وما كان عندنا ؟ ..مآسينا في العطب النفسي الذي نعانيه لا تُحصى وهي تتوالد باستمرار ..ولكن هذا لا يمنعنا من العودة إلى الأصل .

     يمكن أن يكون الإنسان هو المخلوق الوحيد الأكثر تحسّسا للشيء الجميل برغم المحن التي يمرّ بها وخاصة لدى الإنسان المؤمن الذي بحكم إيمانه المتين بخالق الكون والمتصرّف فيه وفي عباده ، سلّ أمره إلى الله الرحمن الرحيم ، حينها تطمئن نفسه ويعود الهدوء والأمل إليه ، فينعم بما كرّمه به ، ويُحسن امتلاكه والتصرّف فيه وتذوّقه بما في ذلك الجمال .. الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يتجاوز واقعه ويسمو بنفسه على مراتب أعلى وصولا إلى سلوك الخير والفضيلة والحب في أسمى مراتبه .

      إن القرآن الكريم حثّ الإنسان المسلم تأمّل الكون ، والتدبّر فيما أبدعه الله فيه من مظاهر الجمال هو وصولٌ إلى محبّة مبدع هذا الجمال ، فالجمال سببٌ من أسباب حبّ الخالق ..إن المسلم الحقيقي والسوي في نفسه وإيمانه بخالقه ، كلّ ما يحيط به يذكّره بالله ..وكل ما في الكون يأخذ وجهته نحو الخالق .

      يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه ، " إحياء علوم الدين " :

      ((  ... والمسلمون يحيطون أنفسهم بكل ما هو من شأنه أن يذكّرهم بالله ، فإن كل شيء داخل هذه الأمة يأخذ وجهته نحو الله عزّ وجلّ ، والجمال هو الطاقة المحرّكة للنفس الإنسانية من خلال فعْل الحبّ لله من حيث كونه عزّ وجلّ موضوع الجمال ، فالله جميلٌ يحبّ الجمال ، فالله الواحد الأحد هو منتج الخلْق ومبدع الجمال .)) وبذلك نلاحظ التداخل أو التكامل بين الخلْق والإبداع في الذات الإلهية . ويضيف الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : (( ... إن الجمال مرتبط بالمحـبّـة ، فالجمال دافعٌ للحبّ ، وسببٌ من أسبابه))      إلاّ أن الحبّ المرتبط بالجمال ، لا يُنتظر منه فائدة ولا منفعة ، فالإحساس بالجمال عنده كما عند الفيلسوف الألماني المعروف ( كانط ) منزّهٌ عن الغرض ، فالحبّ لذاته وليس لفائدته ..فالغزالي جعل الجمال الظاهر من شأن الحواس ، والجمال الباطن من شأن البصيرة ـ القلب ـ وقد اقترن رأي الإمام ابو حامد الغزالي ببناء الاتجاه الأخلاقي الموحّد على أساس وقيم ، ومعالم التخلّق بأخلاق الله ( المطلق ) ، هو بالقدْر ذاته رؤية الجمال الحقّ والتحلّي به ..وهي المقدمة التي تحوي في ذاتها وحدة الخير المحض ، والجمال في الوجود كلّه .

       كما كان للأفكار الصوفية تأثيرٌ على مفهوم الجمال ، حيث تقوم الفكرة الأساسية لدى الصوفية ، أن الإنسان يستطيع أن يتّحد في ذات الله روحيا عن طريق الوجْد ن والحياة المتقشّفة ، والتنسّك ن والعبادة الخالصة ، وتنقية الروح والنفس من جميع الرغبات ، والشهوات الدنيوية ؛ ومتى ما يصبح في حضرة الذات الإلهية يدرك أن الجمال الحقيقي هو فيما يرى من نورٍ ، وما جمال العالم إلاّ انعكاسٌ للجمال الإلهي.

في هذا السياق نجد أن الفقيه والمتصوّف " أبو حامد الغزالي " جعل الجمال الظاهر من شأن الحوّاس ، والجمال الباطن من شأن البصيرة ..فيقول : ( الصّورة ظاهرة وباطنة ، والحُسْن والجمال يشملهما ،  وتُدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر ، والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة ، فمَنْ حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ، ولا يتلذّذ بها ، ولا يحبّها ، ولا يميل إليها .. ومَنْ كانت عنده البصيرة غالبة على الحواس الظاهرة كان حبّه للمعاني الباطنة أكثر من حبّه للمعاني الظاهرة ، فشتّان بين مَنْ نقْشا مُصوّرا على الحائط بجمال صورته الظاهرة ، وبين منْ يحبّ نبيا من الأنبياء لجمال صورته الباطنة .)

      وهناك قولٌ حاسم للغزالي أيضا في موضوع الجمال وهو يقول :

    (( منْ لم يُحرّكه الربيعُ وأزهارُه ، والعودُ وأوتارُه ، فهو فاسدُ المزاجِ ليس له علاج ٌ . ))

     وبالرغم من مآسي الحياة وقساوة عوادي الأيام ، أجمع البشرُ على حبّ الجمال والتعلّق به ، والبحث عنه وسطوته على مشاعرهم وأثره في نفوسهم ، ولكنهم تباينوا في  تعريفه أو تفسيره . ويذهب البعض من اللغويين العرب إلى أنّ كلمة " الجمال " يمكن أن تكون واردة من كلمة :  " الجمل " الذي يقرن الجمال بالمنفعة . ويجوز أن تكون التعابير الواردة في الذكر الحكيم مثل ( سَراحا جميلا ) أو ( صفْحا جميلا ) أو ( هجْرا جميلا ) ما يرمز للتسامح وروح الإيثار .(6)

       أمّا الجمال الذي نستعمله للدلالة الفنية ، ولا سيّـما في العمارة ، فهو يقابل كلمة " أسطاطيقا " اليونانية الأصل والتي تعني علم الإحساس ، والإدراك ، والمعرفة الحسّية ، وهو عِلْـمُ قوانينِ تطوّرِ الفن ، ويتبوّأ موقعا بارزا في الفلسفة وفي علوم الفن . ولعلم الجمال جانبان نظري وعملي ، الأول يبحث في تطوّر التطبيق الفني ووضْعه في قوانينه المعيّنة ، والثاني أساسي في تجسيد الجمال التطبيقي في الثقافة والنقد الفني ..وفي علم النفس نجد الجمال يتلاقح مع المشاعر الرقيقة ، والأفكار السامية إلى جانب المشاعر الأخلاقية والثقافية ..ولعلّ أفلاطون الفيلسوف اليوناني مِـن أوائل مَنْ بقيت تدويناته عن الجمال ، وصرّح بأن ( الجمال والخير والحقّ حقيقةٌ واحدة ، فليس بجميل على ما يقوم على الباطل ويأتي السوء منه ) وهذا الأقرب للمفهوم الإسلامي ، ويأتي الفيلسوف أرسطو فيما بعد ليفرّق بين العمل وبين الشكل ، فالعمل لديه هو الخير بعينه ، ولكن الشكل هو الذي يضطلع بالجمال ، والشيء الجميل يتنزّه عن الغرض ، وهذا لا يعني لديه أنه يخلو من الفائدة ، ويصف في ذلك " الموسيقى " بأنها مرادفٌ للطهارة والسرور والتهذيب وهذا هو الجمال بعينه .(7)

       عالج العديد من الفلاسفة فيما بعد النواحي العاطفية والروحية والإنسانية التي ترتبط بالجمال لدى الفرد ، وذهب البعض منهم بأن الحكم الأخير في ذلك هو الفرد فيما يقبله ، أو يرفضه تبعا لِما يُمليه عليه خياله ، وتمشّيا مع سجيّته وفطرته . ومن العلماء مَنْ شرح الجمال " بالراحة البيولوجية " ، أي شعور الإنسان بالارتياح ؛ ومنهم مًنْ قال بأن الجمال محسوسٌ وليس ملموسا ، ويَرجع الإحساس هذا على الصورة ، وليس للمادة ، وإن تقدير الجمال أمْرٌ كيفي لا كمّي ، وهو بذلك لا يُقاس بالأعداد أو المقادير حيث يعتبر ـ كانط ـ : ( أن الجمال هو ذاك الذي يكون ممتعا بالضرورة ، وهذه المتعة تنبعث من نفوسنا ، ونحن ندرك أن هذا الجمال مقطوع الصلة بأية فائدة مهما كانت ) ..وحدّد ـ كانط ـ نوعيْن من الجمال حدهما حرٌّ ، والآخر تابعٌ ، فيكون حرّا إذا انعدم الغرض ، وتابعا إذا هدف إلى غرض ما .

       وفي نفس السياق نجد هذا المفهوم الجمالي لدى البعض من العرب المُحدثين مرتبطا بإدراك القيم حيث يصف " محمود الشكرجي ، ذلك المفهوم بقوله :

     (( إن الإدراك الحسّي هو صفةٌ جوهريةٌ في الجمال ، والصفة الثانية هي النقد الواعي المشتمِل على الأحكام القيْمية الغريزية المباشرة ، أي يشتمل على حالتي اللذة والألم . والمجال الذي يشترك فيه كلٌّ من النقد الحسّي والنقد الواعي هو المجال الذي توجد فيه الإدراكات الحسّية النقدية ، أو مجال الإدراك النقدي التشوّقي ، وبذلك يصبح علم الجمال ؛ هو إدراكٌ للقيم . ))(8)

      وعودةٌ إلى كُنْه الجمال في التراث الإسلامي حيث جاء مقترنا بإحدى صفات الله سبحانه وتعالى ، كما ورد في الحديث النبوي الشريف ( الله جميلٌ ويحبّ الجمال ) ، وجاءت الحظوة بالجمال من مصادرها الصريحة في جمال الخلْق الإنساني ، وجمال الطبيعة والكون التي أنعم الله سبحانه بها على البشر . وقد عرّف لنا ابن منظور ذلك في لسان العرب بقوله :

     (( ... المسلم مدعوٌّ إلى الإتّصاف بالجمال الذي هو البهاء ، والحُسْن في العقل وفي الخُلُق ، وإلى تنمية إحساسه بالجمال الذي أوْدعه الله سبحانه في الكوْن : جمال الصورة ، وجمال المعاني على حدٍّ ســواء .))

     إن التربية الشاملة المُثلى بما تتضمنه من تربية جمالية تسمو بالإنسان إلى عالم القيم العليا ، فتشرق روحه بالخير ، وتتحلّى نفسه بالحقّ ، ويعبق قلبه بالحبّ ، وتنفد بصيرته حيث ينابيع الجمال . وإن تذوّق الجمال ، باعتباره قيمة من القيم العليا ، يُدخل الإنسان في عالم باقي القيم ..والفضائل السامية ، والخصال الحميدة ، وهذه ما هي إلاّ مظاهر من جمال النفوس الخيّرة .

     يقول المرحوم العلاّمة محمد الغزالي : (( إن الضغط على الطبيعة البشرية ، خُيّل لبعض الناس أن محبّة الجمال في آيات الكون نزعةٌ تخالف التقوى ! . وليت شعري لمنْ تُرسم صور الإبداع في قوله جلّ اسمه : ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) (قّ:6)   كما انه يجدر بالذكر أن تقدير العرب للجمال قبل الإسلام كان معكوسا على الأشياء المادية الحسّية مثل جمال المرأة والبعير والفرس والأطلال ، فكان مقتصرا على ردود الفعل والمشاعر العاطفية المباشرة من حُبٍّ وشوقٍ وحنينٍ ولوعة ولهفة اللقاء فكانوا ينظّمون شعر الغزل فيمن يحبون ويعشقون . وحينما جاء الإسلام اهتمّ بجمال النفس ، والخُلُق والخِلْقة ، فقد حثّ الناس على النظافة والاهتمام بمظهرهم وزينتهم ، فقد قدّر الإسلام الجمال وكلّ ما هو جميلٌ ، والجمال هنا يشمل الجانب الشكلي والروحي .

 



 

 

 

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home