قصة

 

الحب لا يحترق

ماهر نصرت



لم أكن أعلم في بادئ الأمر أن في تلك الحفرة القذرة تقبع امرأة حسناء يتملكها الرعب ، بعد أن شاهدت أحد الجنود يرمي بجسده هناك ، بعيدا"عن جحيم قاذفاتنا وعنفوان دويها كانت أعمدة الدخان تتصاعد من مصفحات تناثرت بجثث طواقمها على الطريق وألسنة اللهب تلتهم بشراهة بقايا أكوام الحطام ، أقتحمت الأدغال لأقف فوق تلك الحفرة المتطرفة كمغوار ثائر ، أصوب فوهة بندقيتي إلى  صدر من بداخلها وأردد بصوت عنيف كببغاء ضجر مالكه عبارة  (   out  … out … out … ) .

وجدتها ترتجف كالذي يساق إلى حبل المشنقة وتتوسل بهلوسة كلمات لم أعي معناها وهي تنظر نحوي مثقلة الدموع ، مهدمة القوى ، وكأنها توغلت في عمق نفق مهجور تتوارى خلف جدرانه وحوش البرية وأشباح المقابر.

كان هناك صوت بعيد لطائرة تقترب ورفاقي المحاربين رحلوا بنصرهم وهتافهم  يشقون طرق الأدغال المنحدرة نحو حافات المياه وجحور الأمان  

أدركت في لحظة من الرأفة أيقظت بقايا إنسانيتي بأني قد غدوت جلاّدا" للجمال والرقة   فها هي فتاة  في ربيعها السابع عشر ذات عينين زرقاوين وخصر ممتلئ وبشرة شقراء فاتنة ، تتقرفص مرعوبة في حفرة مليئة بالحشرات ، وقفت حائرا" أمام ذلك الكائن العجيب تتملكني الشفقة وتذكرت شهامة والدي في القتال يوم أمسك أسيرا" مهشم الساق ، فحمله فوق ظهره أياما" متواصلة ليوصله إلى المفرزة الطبية خلف جبال (ميمك) ومنذ ذلك الحين وأبي يتألم من فقراته   رحت أطمئنها بكلمات متعثرة وبشيء أعرفه من الإنكليزية ، وأزيز الطائرة يقترب

أحست بالأمان قليلا"بعد أن مددت لها يدي لأخرجها من قبرها ، رفعتها إلى السطح وتزحزحت عنها متصرفا" بأخلاق رجل أصيل يصون حرمة امرأة ، أمرتها بإلقاء السلاح والانطلاق أمامي بسرعة في الأدغال ،

 كنت معجبا"بجمالها أتأملها أثناء المسير ببصر محروم وروح معّذبة ونسيت أنها من أعدائي ،  أحسست برغبة عظيمة تشدني نحو أسيرتي أحاول أن ألتصق بجسدها الأشقر   أرتشف من شفتيها حرمان الماضي وأهرب بنشوتها بعيدا"عن تترية الحاضر أتشرنق بحنان امرأة تلملم شظايا كياني وتوقظ إنسانيتي من سراديب غفوتها  تحملني فوق بساط أنوثتها مجردا"من مخالب شقائي وتقذفني كعنصر جديد للطبيعة .. أنجذب .. أمتزج .. أتحد مع مكوناتها كإنسان له مشاعر يهوى الحب والرقة ويهرب من العنف والهمجية ، الحب ذلك الشيء الأسطوري الذي أدركته منذ مراهقتي ،كنت أقف لتلك الرائعة ( بثينة ) أبنت جارنا عند مفترق الطريق بشخصية هندسية مزيفة كأني مدير مصرف أو عالم ذرة أنتظر قدومها بشوق ( كانتظار الضعيف للرحمـة ) وعندما تغدو أمامي بجسدها اللعوب وهي تتوسط رفيقاتها الطالبات أتوغل لحظتها في صراع مع ذاتـي أكافح عبثا" كي أصحح خفقات قلبي المضطرب التي لازمتني ليومي هذا بما يعرف طبيا"( بارتجاف الأذينين المزمن ) ، قذفت لها في أحد الأيام أقصوصة كتبت فيها ،  ( أنت أيتها السمراء الرائعة   يامن تعتقلين روحي وراء قضبان الحب حيث اللوعة والضمور    بدأت ذرات جسدي بالتفكك وأواصر مداراتي بالتباعد فأرحميني قبل أن أتناثر متلاشيا ) ، أجابتني بأقصوصة هي أيضا" أرسلتها بيد أبن أختها فراس الملعون الذي أصبح طبيبا" للعيون فيما بعد ، كتبت فيها ( أنتظرني أيها المخترع ، سأتحد معك بذراتي وأمنحك فضاء آت مداراتي ونصنع قنبلة ذرية ) ، وقبل أن أكمل سيناريو حبي العذري الجميل (لبثينة ) شاء القدر أن يقذفني في أعاصير أعوام قاسية لم أجد فيها غير صواعق الحرب ودوي الدمار فقدت فيها انطلاقة شبابي مرابطا" فوق قمم الجبال وتحت سقوف الملاجئ حيث الرهبة والخوف ، أرتجف بردا" وأتضور جوعا" وأحشو مدفعي بآلة الموت الجهنمية  لأطلقها صوب المدى حيث الأعداء كما يدعون .. 

وأزيز الطائرة يقترب

كانت طائرة مروحية وها هي فوقنا مباشرة ، تطلق صوتا" يزلزل الأرض ويتحدى الطبيعة ، تتأرجح تارة" بإعصارها الجارف قرب قمم النخيل ، وترتفع تارة" أخرى مستديرة بعنف تطارد خطواتنا بضراوة  ... كنت وأسيرتي نقفز مسرعين فوق أحراش ملغومة بالحفر والأفاعي أحاول أن أختبئ وإياها بعيدا"عن منظار قناّص مهلوس يرتشف من زجاجة شمبانيا على ما يبدو وضعها بجانبه في قمرة القيادة رسمت عليها صورة لراقصة عارية ، يريد أن يفجر رأسي برصاصة  تحيلني إلى ذكرى 0

أخذت الطائرة ترشقنا بوابل من الرصاص وتكبح جماح خطواتنا المتعثرة أصلا" ، تيقنت في لحظة يأس بأني لم أنجو بهرولتي المتسلحفة تلك من أرنبة ذلك الصحن الطائر ، حزمت أرادتي كمحارب يتقدم نحو الموت بخطى" ثابتة وخبأت فارسة أحلامي في حفرة منزوية خلف نخلة عجوز وتحصنت وسلاحي بساتر متواضع أستعدادا" لملاقاة  أعدائي 

حان وقت المنازلة ، وهاهي الطائرة تقترب مني كصقر ينقض على فريسة ، وجهت بندقيتي المتخلفة نحوها وكنت أعلم بأني أحتاج إلى معجزة لكي أسقط تلك القلعة من عليائها ، وقفت عنيدا" خلف الساتر ألتزم بموقف تحد غير متكافئ وأردد بكبرياء ( أهلا" بالموت أن كان هو السبب الوحيد الذي يعيد لمدينتي كرامتها ) .

وأنا منشغلا" بضبط بندقيتي ( آلة المصير) شعرت بصعقة كهربائية مرعدة وخزتني في مؤخرة قدمي ، زلزلت جسدي وأشلّت حركتي ، أدرت رأسي إلى الخلف كثمل أفرط في شرابه وأذا بأسيرتي الحسناء تحمل قضيبا" رماديا" كالذي يستخدموه في صعق أجساد السجناء أدركت أنها النهاية وحاولت عاجزا" أن أسدد فوهة بندقيتي لرأسها لكنها سبقتني في خطف السلاح من يدي ولكمتني بقوة على مؤخرة رقبتي ، وبحركة  متمرسة أطلقت شعلة تنوير حمراء ، هبط على أثرها ثلاثة جنود كأنهم رواد فضاء ، حملوني على عجل فوق سرير مشبك أنزلوه معهم من السماء ومن ثم إلى المعتقل حيث أكاديمية الخلاعة الأمريكية وغموض المصير.  




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home