من هنا وهناك

 

غادة السمّان في أحدث إصداراتها الأدبية

موقع القصة السورية



ثلاثة كتب أصدرتها الأدبية غادة السمان مؤخرا,أولها رواية بعنوان (حفلة تنكرية للموتى)، والثاني بعنوان (الرقص مع البوم) وهو مجموعة مقالات وخواطر. والثالث الذي صدر مع انصرام العام ودخول العام الجديد بعنوان (رعشة الحرية)، وهو كتابها الرابع في أدب الرحلات بعد (الجسد حقيبة سفر) و(شهوة الأجنحة) و(القلب نورس وحيد).‏

في هذا الكتاب الأخير، وهو أحدث إصداراتها عن (منشورات غادة السمان) تطوف المؤلفة بالقارئ في نيويورك وواشنطن وشواطئ كاليفورينا وكوبنهاغن، وستوكهولم، وجنيف، وبروكسل، ولوزانا، وروشيه دي ناي، وانسبروك، وسالزبورغ، والتيرول، وبافاريا، وكولونيا، وبرن، وامستردام، وبرشلونة.‏ ويختلف الرصد الأدبي الراقي الذي تقوم به الكاتبة عن كثير من الكتابات الحديثة فيما يسمى (أدب الرحلات) والذي يأتي على شكل خواطر صحفية أو سياحية.‏

هل فقدنا الدهشة‏

تنطلق الكاتبة وهي تبحر أو توغل أو تحلق بين هذه المدن الحضارية العجيبة في القارتين الأمريكية والأوروبية من سؤال يقول: هل فقدنا الدهشة، خاصة إذا كان المرء سائحاً بين هذه المدن للمرة الرابعة أو الخامسة، فلم يعد يندهش بناطحات السحاب الشاهقة، ومرآب السيارات ذي الطبقات العشر، فيتحول الحلم‏ إلى كابوس.‏

وتروح تصف مشاهداتها ذات التفاصيل الدقيقة وهي تنتقل في ساحات وشوارع نيويورك وكما قال عنها أحمد زين الدين: "المرآة التي تنظر الكاتبة من خلالها ليست مرآة فردية إلا بقدر ما تتمتع به غادة السمان من فرادة الموهبة وسعة المخيلة، وعمق الثقافة، والخصوصية التعبيرية، والأسلوبية وأخفاها وأصعبها، كما تكشف هذه المرآة الأديبة المتوحدة عن بطانة ثقافية وفنية عميقة، لدى الكاتبة.. هذا السفر الذاتي السري في ضمير العالم، كما في محطات الدهشة الحضارية والبشرية، لم يمنع الكاتبة من أن تحتفظ بجلدها الشرقي، وصوتها العربي، بهويتها وجذورها، وهي إذ تقارب الأمكنة والناس، فمن خلال

مرجع حضاري".‏

الثقافة المسموعة‏ تقول الكاتبة وهي تتحدث عن إحدى جولاتها في نيويورك:‏

"توقفت أمام واجهة مكتبة وقد عاودني الانتعاش إنها أول مرة أرى فيها مكتبة كاملة، لا كتاب واحداً فيها.. إنها مكتبة من نمط جديد تدعى (أوديو مكتبة) والكتب كلها من نوع (أوديو بوك) أي كتب سماعية مسجلة على اسطوانات أو أشرطة، وأهمها كتاب اسمه (تعلم الاستماع إلى الكتب بالإنكليزية) إنها مكتبة آتية لما بعد سنة 2000 (المقال منشور بتاريخ 14ـ 7ـ 1995) يوم تحال الكتب والمكتبات كلها إلى المتاحف، ويأتي عصر الإعلام المسموع ليحل محل المقروء، وكما تحمل اليوم هاتفك إلى المقهى، قد تحمل معك قريباً شريطاً مسجلاً هو جريدتك اليومية أو مجلتك المفضلة في حلتها الجديدة (المسموعة) هذا بانتظار المجلات المرئية المحكية على شاشة كومبيوتر للصور"..‏

وتتابع رحلتها في نيويورك حيث تعلن فجيعتها بما رأته في متحف الفن الحديث، في مانهاتن للفنان الأمريكي (الكبير) بروس نيومان، إذا كان المتحف عبارة عن منشآت خشبية، كمخلفات معمل نجارة، ومؤثرات صوتية ونيونية وتلفزيونية، معادن ولوحات وحبال وتماثيل معلقة أو تدور على خطافات حديدية بأصوات صدئة..‏

وتقول: "تغادر المتحف فترى على الطريق متسولاً يستعطي المارة، وآخر ينبش في برميل القمامة بحثاُ عن لقمة يومه، وتشعر بالخجل وتتساءل: هل يحق لكوكبنا هدر ملايين الدولارات على هراء (مكيف الهواء) كهذا في المتاحف باسم (الحداثة) بدلاً من إطعام الجياع على أبوابها"...‏

 

حدوة الحصان

‏ ومن نيويورك إلى شلالات نياغارا‏

تقول غادة: إن انهمار الماء في الشلالات يعادل قوة خمسة ملايين حصان أو 3.75 مليون كيلو واط بلغة العلم.‏ ولكن الأرقام لا تعني شيئاً حقاً أمام ذلك البهاء الخارق لشلال لا شبيه له.. وحين تستقل "عروس الضباب"، وهو اسم المركب الذي يقترب بك من هوة الشلال قدر الإمكان، يغمرك شعور بالخشوع أمام عظمة الخالق، وجبروت الطبيعة، وعجز الإنسان وضعفه وغطرسته في آن.‏ وهذا الشعور بالخشوع والحاجة إلى التأمل في عظمة الخالق، وبالتواضع الكوني، لا ترعاه المؤسسات السياحية الإسمنتية التي تنبت كالفطر في الشطرين الأمريكي والكندي من الشلال.‏ ولعل أطرف ما كتبته غادة السمان في هذا الكتاب ما كتبته عن كاليفورنيا..

اقرأوا معي:‏

"حين تقرر أنك تعبت من كاليفورنيا وتريد الذهاب إلى المكسيك، ستودعك بلدة سان دييغو في أقصى الجنوب بمهرجان للألعاب البهلوانية تقدمه الطائرات الثملة التي تتدحرج في الهواء مثل تمساح في الحر. إنها كاليفورنيا التي جاءت طفلتها هوليوود على صورتها ومثالها، حيث لا تدري أين تبدأ الحياة وينتهي الوهم.. وأين الخط الفاصل بين الحقيقة والخرافة.. في كاليفورنيا تكتشف أن كلمات كندة مترادفة، وحين تتجول بين مدن تحمل أسماء القديسين أمثال: سانتا كروز، وسانتا اينيس، وسانتا ماريا، وسانتا بربارا، وسانتا مونيكا، وسان فرانسيسكو وسان جوان وسان دييغو يدهشك كم من الشياطين ترتفع في شواطئ القديسين".

بين مطارين

‏ ومن أمريكا إلى أوربا.. بين مطارين.. "مطار عاصمة سويسرا الريفي الذي يستقبلك بالخراف والأبقار والأحصنة البرية.. عنوان صادق عما سينتظرك، وإذا كنت مثلي قد غادرت أحد مطارات نيويورك الشاسعة الجهنمية، كمعمل للجنون في الأمسيات المعفرّة برائحة الهباب والدخان والكآبة وشحم هامبرغر (الدراغ ستور) وإذا كان سائق (التاكسي الأصفر) قد نفخ في وجهك أبخرة (الماريوانا) الذي كان يواصل تدخينها عبر أسنان مسوسة وهو يمضي بك في زحام الجنون والسيارات إلى مطار كينيدي، ستعرف معنى أن تهبط بعد ذلك في مطار جنيف الهادئ، لتستقل منه طائرة ورقية ملونة إلى (برن) حيث الغيوم أكثر انخفاضاً من ذرى الأشجار فوق التلال التي تزنر عاصمة سويسرا معلنة تربعها على عرش النظافة واللطف المهذب وبورصة الهواء النقي..

‏ يقول البرتو مورانيا (الرحيل يلهيني ويحزرني ويغنيني) وبوسعك أن تقول الشيء ذاته عن سويسرا كلها، وتضيف إليه عبارة ((ويمدني بالأوكسجين بالمعاني كلها))‏

 

الأدباء في جنيف‏

وتقول عن جنيف أن عدداً كبيراً من الأدباء والفنانين أحبو سكينتها:‏

دوستويفسكي عاش فيها عام 1868، وإذا مررت بتقاطع شارع (مون بلان) و(ليفرييه)، ورفعت رأسك عن الواجهة الفاخرة لبائع التذكارات، فستقرأ لوحة حجرية كُتب عليها "دوستويفسكي عاش وكتب في هذا البيت عام 1868" ستحاول أن تتخيل كيف كانت جنيف ذلك العام؛ كيف كان المشهد يبدو من نافذة دوستويفسكي..‏

وإذا رافقتني إلى منطقة "دليس"، حيث حضور فولتير الطاغي، سنزور معاً مؤسسة ومتحف فولتير وقد كتبوا على اللوحة الحجرية "دليس فولتير 1755 ـ 1765"، وثمة شارع رئيس يحمل اسمه ومدرسة ثانوية، وهذا الفندق الكبير أسموه فندق فولتير".. ومع هذا فقد سخر فولتير مرة من الحجم الصغير لهذه المدينة قائلاً:

"إذا نفضت باروكتي.. غطت بودرتها المنطقة كلها"‏

وإذا كان فولتير قد أحب هذه المدينة بطريقته الخاصة الدافئة، فإن (لامارتين) تدفق نحوها نهراً من الإعجاب غير المتحفظ، فعلى شاطئ (كي ويلسون) وعلى لوحة حجرية، كتبت هذه الأبيات التي كتبها لامارتين عام 1841 في (تأملات شعرية)

حيث يقول:‏ جنيف...

تبسط مرفأها الحر

‏ لتحتوينا حرية الضعيف... ليس مجد القوي‏

جنيف تَدْمُر أوروبية‏

تصب الأفكار عند أسوارها‏

وتتعانق الحريات‏

ويتبادل الإسبان والألمان المعارف فيها‏

وكلٌّ يبسط يده للآخر.. وقلبه

‏ وفي نهاية كورنيش (كي ويلسون) نصب حجر كتب عليه بالبرونز: "إلى شاتو بريان الذي أحب جنيف كمدينة حرة.. أقام فيها أعوام 1805 ـ 1831 ـ 1832.‏

فيكتور هوغو أحب جنيف أيضاً، وغازل سويسرا في بعض نصوصه..

وكان ذلك كله قبل أن يكتشفها أوناسيس وسواه من أصحاب الملايين ويقررون تحويلها إلى مصحّ، وعن سويسرا وساعات سويسرا تقول غادة السمان:‏

"الزائر العربي سيشعر بالغصة في متحف الساعات، حين يتذكر أن ساعة هارون الرشيد التي أهداها ذات يوم لشارلمان أذهلته ونبلاء بلاطه بدقتها وجمالها، واليوم، ونحن نستورد ساعاتنا من أحفاد شارلمان، لعل ذلك الخاطر يلخص مأساتنا مع ماضينا وحاضرنا في آن، والمستقبل قطار يمضي مع تكات عقرب الثواني، وإذا لم تصعد إليه فهو لن يتوقف، وإذا لم نحرك زمننا، فلن تتوقف ساعات العالم إكراماً لنومنا"‏

 

الفندق والمتحف‏

ومن سويسرا تنتقل بنا إلى بلجيكا.. إلى بروكسل، لتحدثنا عن فندق رائع وغريب.. كان فندقاً عادياً، فجاء صاحبه بفناني بلجيكا الكبار، وأعطى كلاً منهم غرفة ليرسم سقفها وجدرانها كما يشاء، كما لو كانوا في مباراة إبداعية، وهكذا قام مائة فنان برسم الغرف العادية، محوّلين الفندق إلى متحف استثنائي بعدما أنفق صاحبه أكثر من مليون دولار على ذلك"‏ وقد اختارت الكاتبة الغرف رقم 108 لأن فنانها روجر رافيل رسم على جدرانها وسقفها خرفاناً راكضة قررت النزيلة أن تكافح الأرق بإحصائها بدلاً من ابتلاع أقراصها المنومة، والطريف أن "فاليوم" هو الاسم الذي أطلقه الفنان على عمله الفني.‏

أحبك يا وطني

‏ وتستمر رحلة غادة السمان في بلاد الله الواسعة، ولكنها تحن في النهاية إلى الوطن:‏

"ارغب في الكتابة عن رحلتين إلى قاع روحي العربية، بينما أنا أرحل من جزيرة إلى أخرى،ومن شاطئ إلى آخر في بلاد الفايكينغ والبرد الدافئ، وكيف وقفت أمام الأسوار المائية لاسكاندنافيا، وصرخت طويلاً عبر حنجرتي المقطوعة، وكان الدم يقطر مني أخضر اللون كدم الأشجار الخرافية..‏

آه أيها الوطن العربي.. الذي تهب منه عصافير شهوة التبديل، وتغلي في بعض أركانه عقارب الخيانة..

أحبك‏

آه أيها الوطن العربي الذي صوته التاريخ الآتي، وغضبه زوابع الصحاري والواحات، تسكنني، وتستوطن روحي مثل حفيد قتيل لم يثأروا له بعد.. وتمعن في ارتداء عباءة الأسرار والتناقض، فأحسك بعيداً كالذكرى وقريباً كسواد بؤبؤ العين.‏ احترف حبك، والحزن رايتي، والشوق مهنتي.. والغيرة من الشعوب المستقرة الآمنة قهوتي الصباحية.‏

                                                 ف ج




 

اطبع الموضوع  

Home