القلم النقدي

 

قراءة في كتاب صدر

حسيب الكوش



دينامية الخيال:

المعرفة، الصورة وبناء الجملة النظرية.

حسيب الكوش

 

" إذا كان العقل منشئا للمفاهيم الكلية، فإن الخيال عامل تفريد وتذييت وخصوصية واختلاف، على أن وظيفة الخيال الأساس، تتجسد في تحقيق المعرفة، عبر توثيق الاتصال بين الإنسان والعقل".

                                                                   عبد الباسط لكراري

(دينامية الخيال – ص: 84)

       

تعرف سيرورة النص النقدي بالمغرب انقطاعات Catastrophes دالة تؤسس لإبدالات جديدة على مستوى التصور والمفهوم والممارسة. ويشكل كتاب الأستاذ الباحث عبد الباسط لكراري " دينامية  الخيال، مفاهيم وآليات الاشتغال "[1] مساهمة نوعية لاجتراح نمذجة تستوعب المحصلات النظرية لاجتهادات النظار العرب والباحثين الغربيين (ذوات معرفية ومؤسساتية) بخصوص المسألة الخيالية عبر القبض على نقط تقاطع الأزمنة المعرفية وإعادة سبكها من خلال توليف Combinaison يستند إلى النماذج الدينامية المستلهمة لنظرية الكوارث ومدشنا بذلك لإبستيميته الخاصة، فما هي خاصيات الجملة النظرية في النص النقدي عند عبد الباسط لكراري ؟ وما هي مرتكزات النمذجة في تصوره المعرفي ؟

1- الأطر المنهجية والتوتر الابستمولوجي:

        إن مجابهة إشكال معقد، في مقام الخيال، يفترض بالضرورة تناولا معقدا[2]. من ثم، فالجملة النظرية في " دينامية الخيال " مكثفة إحاليا ومفهوميا وتنصهر داخلها مسارات إبدالية تتخذ أبعادا أفقية وعمودية ودورية. وذلك وفق مقولات ثلاث للتحليل:

1- المراقبة الابستمولوجية لسيرورات التنظير للخيال منذ النمذجة الأرسطية إلى النمدجة الفينومينولوجية المعرفية، وهو مسعى تأطيري للمفاهيم.

2- إبراز إحداثيات الفضاء المعرفي للخيال من خلال التركيز على التشكيل الهندسي لبنياته وقوانين نموه، وهو مسعى لتحديد الآليات.

3- ثم عمليات لحم الضميمة الأولى والثانية من خلال مقترحات نظرية الكوارث عبر طروحات روني طوم وجان بتيتو وحلقة الديناميين البنيويين، وهو مطلب نمذجة دينامية للخيال.

 

إن النمذجة داخل العلوم الفنية[3] تظل متوترة بين مطلب الموضوعية الدنيا (على أقل تقدير) فيما يرتبط بإجرائية التحليل من جهة، وهو ما يحقق خاصية العلمية. والمطلب الجمالي الفني المبرز لإبداعية النص وشرط وجوده من جهة أخرى، وهو ما يحقق خصوصية الإنتاج والتلقي. من ثم نفهم مغزى " فلسفة التناول العلمي والإبستمولوجي " (ص:9) في " دينامية الخيال ". فـ " هدفنا الأسمى هو البرهنة على أن المعرفة النقدية الأدبية قابلة للتطور في ظل نظرية صلبة تدعم جهازها المفاهيمي وحركة خطابها ومفرداتها " (ص:175).

التوتر الابستمولوجي[4] بين الشرط الفلسفي للإشكال والشرط العلمي للمقاربة يعكس الوعي بالأطر المنهجية والقائم على المطالب النسقية عوض السرد التاريخي من خلال اقتراح نمذجة قائمة (من حيث البناء العلمي) على : الملائمة، الانسجام، وقابلية النقض[5]، فـ " نقد النماذج يستلزم بالضرورة امتلاك نموذج " (ص:9).

إذن، بقدر ما يستند البناء النظري في " دينامية الخيال " إلى مقولات تشكل طريقا ضروريا لمسارات النمذجة بقدر ما تتبلور إبداعية الجملة النظرية في تصويب وجهات نظر من أجل مفردات جديدة لمقاربة الخيال. فما هي مفاصل هذه المسارات المعرفية ؟

2- الفنطاسيا: الضوء والمعنى.

إن الامتلاء النظري الذي حققته النمذجة الأرسطية بخصوص الخيال يشكل مجالا للتناظر وإعادة البناء بالقدر نفسه الذي يحتفظ فيه بعناصر الثبات والمرجعية، فما هي الاستلزامات الابستمولوجية التي تؤسسها علاقة الفنطاسيا بالإدراك البصري ؟ (ص:25).

السؤال / المفتاح السالف يجد في " دينامية الخيال " مدخلين متكاملين، يتعلق الأول، وهو الظاهر، بتفكيكه إلى عناصر التشكيل الطبيعي : الضوء، المادة، وما هو حسي – بصري. ويتعلق المدخل الثاني، وهو الباطن، بالحمولة المعرفية للأشكال والمتمثلة في تداخل علوم الفزياء والبيولوجيا والرياضيات والعلوم المعرفية والنقد الأدبي في اكتناه ظاهرة الخيال[6]، تترابط المادة بما هي معطى للحواس مع قدرات تسعى لصياغة تمثيلات عنها Représentation. فبأي معنى نتحدث عن البعد المعرفي للفنطاسيا ؟

نعم، يمكن القول مع أرسطو أن الصور البصرية تظهر حتى وإن كانت الأعين مغمضة. وهو قول يؤشر على أن الصورة باعتبارها عصب الفنطاسيا ليست آلية للانعكاس ولكنها آلية للإبداع وممارسة التعقل. فـ " أعقد العمليات الذهنية المجردة كاستعمال المفاهيم وممارسة الاستدلال وأشكال البرهنة الرياضية تظل جميعها مرتكزة على اشتغال الفنطاسيا، بل إن " أصالة التصور الأرسطي تكمن في أن خاصية الإزدواجية ( أو الطابع الوسطي) تعكس، على مستوى الوظيفة المعرفية Cognitive للفنطاسيا، تجاوزا للتلقي السلبي المحض ( أو التلقي من الدرجة الثانية كما يسميه ) إلى الإتصاف بالتلقائية الذاتية الخاصة والفاعلية شبه خاصة " (ص:29)، وحيث يغدو الاختلاف ( هنا البعد الأفقي للجملة النظريـة) بين منظور أرسطو ومنظور أفلاطون اختلافا معرفيا (ص:24) وتصبح الفنطاسيـا ( وهنا البعد العمودي للجملة النظرية ) موجها تكويناModalité génétique  للخطاب (ص:37). فما هي حيثيات الهجرة المعرفية لهذه الإشكالات إلى السياق العربي – الإسلامي – اليهودي ؟

لقد عالج الباحث التفاعل المعرفي بين الأنساق الثقافية اليونانية والعربية الإسلامية – اليهودية من خلال نمذجات فلسفية أربعة: ابن سينا، ابن باجة، ابن رشد وابن ميمون ونمذجة أدبية من خلال مقترحات " منهاج البلغاء " لحازم القرطاجني. وقد علل اختيار هذه النماذج وفق ما ترتضيه الأسس الابستمولوجية لاستراتيجية البحث. فبالإضافة إلى طبيعة قراءتهم لإشكالية الخيال وما يحف من أسئلتها من تعقيدات فزيائية وبيولوجية وسيكولوجية وقيمتها الانتقادية للنموذج الأرسطي، هناك السياق المعرفي لهذه النماذج، والذي غذاها من خلال مباحث التشريح، والديناميكا الفيزيائية مما كان له أثره الواضح على الخطاب الواصف عند ابن باجة على الخصوص. و " ما حفزنا بخاصة على اختيار هذه النماذج هو فضيلة الحوار العلمي والجدل الفكري في صميم هذه النماذج المعرفية ذاتها، مما ساعد على تطور نظرية الخيال لغة وخطابا ونسقا، بصورة نوعية ملحوظة امتدت آثارها إلى بنية الثقافة العربية الإسلامية، وحقول المعرفة الإنسانية قاطبة " (ص:69).

ولئن كان التواجه المعرفي بين الثقافات يتم أساسا على مستوى الخطاطات الذهنية – وهنا نقتبس مفردات التوصيف من روني طوم – فإن اللغة باعتبارها مجالا لهذا التفاعل تجلي إشكالات النقل والترجمة. وهو ما توقف عنده الباحث من خلال تصويبات ومقارنات وتعديل للنقول العربية عن أصولها، وكان صنيعه مثيل ما قومه من ترجمات حديثة لنصوص غير عربية. ويندرج هذا الإشكال بمحصلاته ضمن الترتيب المعرفي لإبدالات التنظير للخيال؛ فالانتقال من لغة إلى لغة أخرى يعني الانتقال من نسق معرفي إلى نسق معرفي آخر. غير أن الأمر الدال هو اللحمة الدينامية لتصورات الأرسطيين العرب واليهود؛ فإخطار الصورة – على سبيل التوضيح – من منظور ابن الصائغ معدلا وفق المطلب الدينامي لنظرية الكوارث، تحدده الترسخات البيولوجية وما يلائمها من الصور الطبيعية الصادقة، وهو ممارسة انتقائية للصور الذهنية تشترطها العوامل الطبيعية والبيولوجية والنفسية (ص:83).

رغم صرامة الأطر المنهجية للنمذجات السالفة فإن الفنطاسيا سيتم عزلها عن وظيفتها المعرفية (ص:106) مع الآباء الأغريق والآباء اللاتين ومحاولة تكريس طابع الدنس والخطيئة بها قياسا إلى تمجيد العقل. غير أن الإبدال الكبير في التنظير للخيال سيتحقق مع خيال العرفان من خلال نموذجي ابن عربي والملاصدرا الشيرازي. فما هي القيمة المعرفية لهذا الإبدال ؟

3- الصورة الصوفية والمسح المعرفي:

الخطاب الصوفي هو خطاب الصورة بامتياز. من ثم، يعيد الأستاذ عبد الباسط لكراري التشديد على تنبيه جلبير ديران والذي يحدد فيه ثلاث لحظات قسرية تعرضت لها الصورة:

1-   الاختزال الوضعاني للصورة إلى علامة.

2-   الاختزال الميتافيزيقي للصورة إلى مفهوم.

3- الاختزال الديني / التيولوجي للصورة إلى مسالك من التسويغ الوعظي وأنواع من العبودية الزمانية والحتميات التاريخية (ص:136).

هل يمكن الحديث عن ترتيب معرفي بين خيال العرفان والنمذجات الأرسطية ؟ لقد فطن الباحث إلى كون هذا الترتيب يفتقد نسقية ابستيمية. وهو ما حذا به إلى إعادة توليف النص النظري لابن عربي من خلال تحديد البنيات الكارثية في التصوف الأكبري. فالملفوظ النظري لابن عربي بخصوص العلاقة بين الوهم والعقل ينحل من خلال مفردات القراءة الدينامية إلى إشكال التعالق بين الصورة والمعنى؛ فالصورة يحركها الترسخ الطبيعي Prégnance Naturelle والمعنى يحركه الترسخ النفساني Psychique (ص:122).

كما أن المسح Scaning ( بالمعنى المعلوماتي ) المعرفي الذي مارسه الباحث على الخطاب الصوفي جعل من تراتبية الأعلى والأسفل في معجم صاحب الفتوحات تقسيما قائما على التفضية المعرفية (ص: 161)، وأصبح السفر عند الشيرازي سفرا معرفيا (ص:146) من خلال طرق ضرورية Chrèodes (ص:159). وبالنظر إلى سمات الصورنة والترييض في الاقتراب الدينامي – المعرفي من جهة، وطبيعة النسق الصوفي من جهة أخرى، فإن الجملة الواصفة كان لها أثرها على اجتراح نمذجة وصفية تتجاوز خاصيات الصورة الصوفية؛ فـ " الصورة ليست علامة ولا مفهوما مجردا، هي نسج لفيض وجدان ولإشارات برزخية، هي كيمياء ذوقية. والمعنى فيها حالة وجود " (ص:137). فهل نحن بصدد الخطاب الصوفي أم الممارسة الصوفية ؟ إن مفهوم الخطاب، من المنظور السيميائي الحديث، يتحدد باعتباره ممارسة ( اجتماعية ثقافية ) Discours en acte، ممارسة فعل المعرفة، ومعرفة الفعل. لا باعتباره خطابا صوريا يتم تمثله وفق خطاطة مرمزة تلغي الذات المعرفية للفاعل الإنساني[7]، وقد كان لهذا التحول في مفهوم الخطاب أثره على مسارات النمذجة في كتاب " دينامية الخيال " من زاويتين. أولا، إعادة موضعة الإنسان باعتباره ذاتا متلفظة في زمان ومكان متجذرين وجوديا وتصبح التجربة الصوفية تبعا لذلك تجربة معرفية Cognitive. وهو استنتاج ثقافي – معرفي. وثانيا، فتمرحل فصل " خيال العرفان " بين النمذجات الأرسطية والنمذجات الظاهراتية – المعرفية والدينامية مكن من خلق تواصل إشكالي في بنية النسيج النظري للكتاب. حيث انطلاقا من كانط ومرورا بهوسرل ووصولا إلى نظرية الكوارث والأطر التصورية للبيان المعرفي ستتم عملية إعادة الاعتبار للتذوات بين العالم والذهن، بين الطبيعة والمعنى قصد كتابة تاريخ جديد لمفهوم الخيال وانبثاق Emergence المعرفة. وهو استنتاج منهجي. فما هي أهم سمات هذا التحول النظري ؟

4- الطبيعة والمعنى : انبثاق المعرفة.

نحن الآن متكلمون عن جوهر التوتر الابستمولوجي في كتاب " دينامية الخيال ". فإذا كانت الجملة النظرية في الباب الأول تميزت بتداخل المستويين الأفقي والعمودي من أجل إعادة ترتيب الأزمنة المعرفية للمفاهيم فإنها في الباب الثاني والقسم الأول من الباب الثالث اتخذت طابعا دوريا، منفتحا وكونيا. حيث أن النموذج الاستبدالي لنظرية الكوارث سيعرف خلخلة لأصوله الرياضية والكانطية والفينومولوجية وهو ما فرض تعديل مفرداته، وبالآلية نفسها عدل الباحث تصورات البيان المعرفي وخصوصا التصور الإدماجي للفضاءات عند ماك تورنر. وهكذا، فاقتراحات مهندس السيميائيات المعرفية بيير ويلي والدينامي المحنك بيير آج برانت وابن البناء والسجلماسي وجاكندوف ولايكوف وتورنر... تتموقع بشكل استبدالي قد توحي مورفولوجيته بعدم ترتيب معرفي مسبق ولكنه في العمق مؤشر على انقطاع نظري مفاده استقلالية المنهج وبداية تجسد النمذجة المقترحة من طرف الباحث.

ينطلق هذا التجسد من الرصد المنهجي لمسارات الاستراتيجية المعرفية عند كانط (ص:185). فالمخيلة في الإبدال الكانطي ملكة تقوم ببناء الصورة الفضائية للموضوع داخل الحدس المجرد. وهنا يؤكد الباحث – الفرق الجوهري عن الثنائية الحدية في التراث اليوناني، والبذرة الأولى للوصل بين الطبيعة والمعنى، بين النظام المورفولوجي المتعلق بالشكل والنظام السيميائي المتعلق بالمعنى (ص:189): إننا بصدد فزياء المعنى. ولئن كان للتصور الكانطي الميسم التأصيلي في النموذج الكارثي فإن اقتراحات بييرآج برانت فيما يخص " التبادل الإدراكي " تتناسب إلى حد بعيد مع محصلات النماذج الدينامية في دراسة الوشائج والروابط العضوية بين الشكل والإدراك والتمثيل المعرفي (ص:225). وهو ميسم التعديل الذي يحقق في البناء النظري لـ " دينامية الخيال " البعد الاستبدالي لنمذجة جديدة. فالباحث لا يكتفي بعرض الدرس الدينامي – وهو مطلب دقق فيه العبارة والإشارة عبر بلاغة ديداكتيكية مضبوطة[8] – ولكن يشدد على مفاصل القوة في بعض المفاهيم ( مفهوم الشيء ) ويقوي شدة مفاهيم أخرى ( مفهوم الترسيمة )[9]. كيف تتحدد، إذن، السيرورة المعرفية من المنظور الدينامي ؟

يضطلـع الجهـاز الحسـي الفطـري – والقـول للأستـاذ لكـراري – ببنينـة التجربـة  Structing of exprience على مستويين: المستوى الطبيعي – الفيزيائي، ومستوى ترسيمة الصورة. وكلاهما يتأتى إدراكه وتصوره عبر عملية " بنينة " التجربة. فالطاقات والقدرات – يتابع الباحث – الخيالية الفطرية بما ينطوي تحتها من ترسيمات ومقولات واستعارات إلخ. تخصص المفاهيم المجردة من خلال وصلها بمفاهيم " ترسيمة الصورة "، ومفاهيم الإطار الطبيعي وغيرها. ولهذا الهدف – يستنتج الباحث – ظهرت نماذج علم النفس المعرفي أصلا، وبوحي من سيرورات إنتاج المعرفة وفهم آلياتها تأسست ونمت فروع الذكاء الاصطناعي بأجياله الحديثة (ص:227)، ثمة، إذن، مبدآن جوهريان ينتظمان تحويل الطبيعة إلى معرفة: الانبثاق المزدوج والتنظيم المزدوج؛ فمكونات البنية التصورية تتعاضد مع عناصر الفضاء الطبيعي لتأسيس فضاءات الدلالة (ص:231). ولتوسيع الإطار الإشكالي لهذا التصور نؤكد على أن التعالق طبيعة / معرفة، فزياء / معنى (والمختصر في إشكالية الانبثاق) يؤول مبدئيا إلى صيغة بيوفزيائية، لكنه في العمق إشكال بيومعرفي. ذلك أن المعلومة الجينية باعتبارها المحصل النهائي للترابط بين الذات المعرفية والعالم تتخذ تسنينا رقميا وفق علاقات كيميائية، تحسيبية التنظيم ولكن تسمح بقصدية التصرف السيميائي: فلا حياة من دون معرفة ولا معرفة من دون حياة[10]. بهذا المعنى نفهم حضور الجسد في الفينومولوجيا ( ميرلوبونتي على الخصوص ) والعلوم المعرفية ( فاريلا، روتش وآخرين )[11]، والنموذج التوتري في السيميائيات الفرنسية الحديثة[12].

في أوج هذا التعقيد النظري يذكر الباحث وهو على أهبة تفعيل النمذجة المقترحة على نص    " كتاب الحب " للشاعر محمد بنيس بأن الذي يستأثر بالإهتمام في الأثر الأدبي هو الصورة وكيمياء تشكيلها (ص:388). ولكن، حين نتحدث عن الصورة فنحن نشدد على ثقل رمزي ولغوي أيضا يفجر الكتلة الحسية الجامدة وينسج كوكبة من الصور (ص:288). وبتعبير أب الفينومنولوجيا يظل " الواقع " الذي تبرزه الصورة هو دائما على شاكلة " كما لو "، إذ تتموج الصورة، وتطفو أمام أنظارنا على نحو إدراكي (ص:293)[13].

وبالنظر إلى القيمة الرمزية للمتخيل تتبع الباحث الأصول البيوثقافية للخيال الرمزي عند كاسيرر، يونغ، وباشلار من أجل صياغة القواعد البيولوجية للرمزية في النسق الديراني (نسبة إلى جلبير ديران) وتوضيح الأفق النظري الموسع في تصورات ستيفان لوباسكو.

إن التمرحل المنهجي الذي اعتمده الباحث والذي ينطلق من الأطر الطبيعية فالمعرفية ثم الخيالية – الرمزية تمرحل مشفوع بسياقات تشكل السيرورة المعرفية لآليات إنتاج الخيال. فالمسعى الإجرائي يستهدف كثلة نصية ( كتاب الحب )، وبالتالي، فالصورة النصية لم تعد حبيسة قوانين البيان اللفظي الذي يعزلها عن مداراتها البيومعرفية والثقافية. فـ "الدال لا يصنع الصورة حتى متحددا بمدلوله، لأن الصورة أعمق غورا من مجرد اقتران محسوس بمدرك ذهني، بل لا بد من وصلة بحركة النفس ومدارات الخيال والتمثل " (ص:387) من هذا المنطلق سيسعى الباحث إلى قراءة دينامية لنظريات البيان وخصوصا مبحث الاستعارة. ذلك أنه سيقع إدماج البيان اللغوي ضمن استراتيجية شاملة من البيان المعرفي (ص:396).

أمام فرط الخطاب البلاغي العربي في التقنين ووأد فعالية تنظير الصورة وانطولوجيتها – يقرر الأستاذ لكراري – برز الإبدال القرطاجني (ص:366) الذي حقق من خلال موضعه جديدة للصورة داخل الذهن تحولا معرفيا هاما داخل التفكير البياني. بالإضافة إلى الميسم الرياضي والمنطقي لصنيع ابن البناء والسجلماسي. ويعود ذلك إلى كون مفعول الصورة – يقول الباحث – يسترشد بما يعرف في النظريات المعرفية ونماذج الذكاء الاصطناعي بالأطر والخطاطات والمدونات والمعرفة بالعالم في فهم طبيعة واشتغال الصورة في اللغة. فالصورة البلاغية، يوضح الباحث تنزع أولا – بتموضع أداة وسيطة، بين إرادة القول والقول ذاته، إلى تعتيم اللغة، كي تسلط عليها لاحقا، مزيدا من الأضواء. وينجم عن ذلك إعادة تنظيم مفاجئ لفضائنا الذهني، مما يشكل بحق حدثا معرفيا هاما (ص:400). فوفق هذا التصور حدد الباحث الاقتضاءات الشارطة لاستعارة الصورة داخل النماذج التصورية سواء في بداياتها مع جورج لايكوف ومارك جونسون أو في أبعادها الإدماجية للفضاءات مع فوكونيه وماك تورنر مستعينا بديناميات الأطر الكارثية.

إن التعالق المفهومي بين الأطر الطبيعية والمعرفية سيتحقق إجرائيا من خلال ما سماه الباحث " متخيل الأثر " في " كتاب الحب ". ففي فضاء الحب يتقاطع الواقعي والخيالي تقاطعا دالا ومنتجا للسيرورات الدينامية. ويمكن الارتكاز على نظرية " الترسخ والتمدد " المتفرعة من الصيغة الحديثة لنظرية الكوارث لاستخلاص عدة إجرائية قادرة على توصيف هذه البنية المفتوحة في متخيل الأثر (ص:465). كما أن تشبع تجربة الحب بقيم التفاعل الفزيائي والثقافي والاجتماعي في العالم المحيط بها جعل منها نسقا انتربوسيميائيا متنوع التجليات تخترقه منظومات رمزية وبلاغية وأنواع من الاستعارات التصورية (ص:473). وهو ما عزز آليات الترسخ والتمدد بالآليات التصورية. وقد ركز الباحث على الاستعارة التصورية " الحب حرب " بالنظر إلى قيمتها الخطابية Discursive في التراث الشعري. بالإضافة إلى آلية مورفولوجية التراسل بين الحواس والمستثمرة للأنساق التواصلية وآلية شكل الطية والبنيات السيميائية الدورية المعضدة بثنائية صراعية: الحب – اللاحب والمرتهنة إلى إجراء المربع السيميائي[14].

 

 

5- رحيق المعرفة :

        كل نمذجة، في المحصلة، هي نمذجة ثقافية تتداخل فيها حقول معرفية متعددة، من ثم، فكتـاب " دينامية الخيال " رحلة في فضاءات تنظيرية متجاذبة. وهو ما انعكس على بناء الجملة النظرية، سواء من حيث المفاهيم، إذ عمل الباحث على إعادة الترتيب الأفقي للنمذجات العربية وغير العربية من خلال القوة الاستبدالية للاقتراحات الدينامية، أو من حيث الآليات، والتي تجشم الباحث عناء تعديل مرتكزاتها حتى تتلائم إجرائيا مع مسوغات التحليل وانفتاحية النص.

        ونحن نعول على الباحث عبد الباسط لكراري بالدفع بآفاق نمذجته نحو الصورة البصرية       ( خصوصا و " كتاب الحب " فيه قسم مشعور وآخر مرسوم ) والخيال الوسائطي ( الصورة الافتراضية والمعلوماتية ) والخيال التربوي ( الاستثمار البيداغوجي لآليات الخيال ) من أجل خيال معرفي موسع.

        وبعد، لا أجدني إلا مذكرا بمثال للشيخ توماس سيبيوك يبرز فيه مسالك المعرفة. حيث حدد مسلكين. مسلك حيوان الخلد الذي لا يمل من الحفر بأنفه بحثا عن جحر أعمق في الأرض، وحتما رغم تعمقه سيظل أنفه ممرغا بالتراب. وهو نموذج الباحث الذي يسيج مجال بحثه حيث لا يتكلم إلا لغة علمية مفردة. وهناك مسلك النحلة التي تأخذ من الزهور أغلى ما فيها وهو رحيقها، وتنتقل به من حقل إلى آخر عاملة على تلقيح النباتات المتنوعة الأصناف. ولتنتج في المحصلة عسلها الخاص، وهو مثال الباحث الذي ينفتح على مجالات معرفية متعددة يأخذ زبدة مفاهيمها، ويعمل على خلق التفاعل بينها، ليتم في الأخير توليد نمذجته الخاصة. وكتاب " دينامية الخيال " شهد من صنيع نحلة مغربية برونق ديناميات الألوان في لوحة الغلاف للفنان عبد الله الحريري. بهذا، فاختيار نظرية الكوارث هو اختيار مسلك في فن العيش والبحث عن البعد الرابع في حياتنا اليومية.

 



[1] - عبد الباسط لكراري (2004) : دينامية الخيال – مفاهيم وآليات الاشتغال – منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، ط1. وأرقام الصفحات تحيل إليه.

[2] - إن سمة التعقيد Complexity كخاصية نسقية انبثقت داخل البيولوجيا ثم انتقلت إلى باقي العلوم، وهي تتعلق من حيث الظاهرة، بتعدد العناصر والعلاقات، ومن حيث المنهج، بتعدد إمكانات الوصف، بنظر إلى الدراسة / المدخل الجامعة: EMMECHE (C) (1997): Aspects of Complexity in Life and Science. Philosophica.Vol.59.N.1

[3] - ترتبط العلوم الفنية بالنص / النصوص. وبالنظر إلى المسعى التحديدي للمعنى، والبعد التأويلي للدلالة، يصبح التحليل رهين استراتيجيتين: الوصف الدقيق للمعنى دون السقوط في التأويل، والتأويل الأرجح دون التقيد بشكلانية فارغة. للتقريب:

RASTIER, F (2001) : Arts et sciences du texte, PUF, Paris                                                                  

[4] - يتلخص مفهوم التوتر الابستمولوجي في سؤال توماس كون: " كيف يمكن أن ينسجم التوجه نحو تقليد بعينه مع ممارسة الضوابط الضرورية للإنتاج المتواصل لأفكار وتقنيات جديدة ؟" عن: سالم يفوت (2003) : التقليد والابتكار في العلم، وجهة نظر تومس كون، ضمن: التقليد والتجديد في الفكر العلمي، تنسيق بناصر البعزاتي سلسلة ندوات ومناظرات (رقم106)، منشورات كلية الآداب بالرباط.

[5] - تحقق الملائمة استقلالية الموضوع العلمي في العلوم الإنسانية (اللسانيات والسيميائيات على الخصوص)، ويرتبط الإنسجام بالصوغ المنطقي للاستدلالات، بينما قابلية النقض – حسب كارل بوير – تشكل عملية الخطاب العلمي، وهذا نموذج للتكثيف الإحالي في الجملة النظرية (Theory – Zapping).

[6] - للتوسع في الأبعاد الطبيعية والسيمائية للضوء وعلاقتها بالنصوص الفنية، يمكن العودة إلى :

- FONTANILLE, J (1995): Sémiotique du visible, des mondes de lumière, PUF. Paris                         

[7] - كل خطاب يحدد " شكل حياة " Lebensform)). وقد كان لفلسفة فيتعنشتين الثانية دورا مركزيا في هذا التحول المفهومي داخل السيميائيات.

[8] - للإطلاع الجامع على مفردات النظرية الدينامية نحيل إلى:

Gaétan, D(1998): Dynamique du sens : autour des thèses sémiotiques de Jean Petito, villencure d'ascq, P.V. de septentrion.                                                                                                                    

[9] - " ليست الترسيمة Schème صورة، ولكنها القدرة على تشكيل الصور وبناء النماذج "، " فنحن حين نرسم خمس نقط متوالية، فنحن هنا نعطي صورة عن العدد " خمسة "، أما حين نمارس التفكير في رقم معين بصورة مجردة، فنحن إنما ننتهج هذا الضرب من التفكير لتمثيل صورة ما طبقا لمفهوم معين، وتسمى تلك الصورة ترسيمة خاصة بهذا المفهوم " (ص:244-245).

[10] - أليست الدينامية هي الحياة ؟ أليست الحياة هي السيميوزيس (Sémiosis) ( في معناها الموسع لا في تحديدها الضيق عند بورس )؟ ونحيل، للتناظر، إلى :

HOFFMEYER, J (1996): Signs of meaning in the universe. Trans.on. B.J. Laolland Blomington. Indiana university press.                                                                                                               

MERRELL, F (1996). Signs Grow : semiosis and life processes.


  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home