القلم النقدي

 

حق القارئ

علي بخوش



 

حق القارئ

علي بخوش

 

كثيراً ما نسمع عن برامج تخصص لطلبات المشاهدين عما يحبونه من أعمال فنية متعددة؛ كالمسلسلات والأفلام والأغاني ...وغير ذلك، فتلبي تلك البرامج مبتغى المشاهدين وأمانيهم.
ولا يتوقع أن ينحو الأدب هذا المنحى، فالأديب ( الشاعر ، الروائي، القاص، الكاتب...الخ) مبدع ينطلق دون قيد أو شرط ودون أن يجعل من اهتمامه إرضاء القارئ وتحقيق أحلامه.
ومع ذلك، فالقارئ له حق يجب أن يراعيه المبدع في كل الظروف؛ فمن حق القارئ أن يتواصل مع النص الأدبي، ومن حقه أن يتذوق ويحس بالجمال والمتعة والفائدة، ومن حقه أن يشارك المبدع في انطلاقته وسباحته وتحليقه، في فضاء النص. فالمبدع إنما يكتب للقارئ وعليه أن يحقق شرطا مهما وهو التواصل، ذلك إن بعض المبدعين ـ بدعوى الحداثة والتجريد والتغريب ...ـ يكتبون نصوصاً أدبية من النوع  يوناني فلا يقرأ". وفي هذه الحالة لا يمكن أن يتهم القارئ بعجزه وضعف خبرته الجمالية، فالمبدع نفسه هارب من التواصل والفهم. فإذا كان من حق المبدع أن يحلق ويبدع ويسبح ويعبر بطريقته الخاصة وإذا كان من حقه أيضا ألا يرضي المتلقي، فليس من حقه على الإطلاق أن يهدم كل جسور التواصل بينه وبين القارئ. فالقارئ ينشد المتعة الجمالية والتجربة الروحية ومعايشة أجواء القصيدة ووجدانها، فكيف يتسنى له ذلك إن كان النص يكتب بلغة أخرى غير اللغة التي يفترض أن تكتب بها.
ولا أدعو في هذا المقام أن ينزل الشعر والأدب إلى جمهور القراء باختلاف طبقاتهم ومستوياتهم، بل أدعو أن يرفق المبدعون بالقراء بعض الرفق، وذلك بأن يؤمنوا أن لهم رسالة ومسؤولية من خلال ما يبدعون، ولهذا عليهم أن يتواصلوا أولا مع القراء وبعد ذلك من حقهم أن يطلبوا من القراء صبراً وتأنياً وعمقاً في القراءة.

فلا أحد يطلب من المبدع أن يكتب ما يريده القارئ، ولا أحد يستطيع أن يجبر المبدع على ذلك، بل لا أحد ينكر ما تشكله هذه الدعوات من خطر على الإبداع والفن.
فمن حق الشاعر، بل من واجبه، أن يلخص تجربته في الوجود ورؤيته الخاصة الفريدة والمميزة لهذا الكون بطريقة فنية، ويملك الشاعر لوحده حرية التصرف والانطلاق في رسم هذه الرؤى والمواقف والتصورات والخلاصات دون أن يحق لأي ناقد أن يوقفه أو يعترض عليه.
لكن من حق الناقد ـ أو على القارئ العادي ـ أن يعترض على الشاعر حين يقرأ قصائد مبهمة لا تعبر عن أي شيء ، يبذل القارئ جهدا غير يسير لكي يلج القصيدة ، لكي يلمس محيط القصيدة فحسب، لكي يمسك بخيط واحد ـ على الأقل ـ من خيوط القصيدة ، لكي يعبر القصيدة خجلا وباحتشام، ولكن بعض هذه القصائد المبهمة لا تحقق له ذلك ، إنما تمارس نوعا من الإرهاب القرائي ـ إن صح التعبير ـ على القارئ؛ فالقارئ متلق حداثي ليبرالي إن هو أحسن التواصل مع هذه القصائد، لكنه يتحول إلى متخلف إرهابي ورجعي بدائي إن هو لم يهلل لها لأنه ببساطة لم يستطع التواصل معها.
وليت الأمر مقتصر على بعض القصائد لبعض الشعراء ، لكن الأمر يتعلق بموجة أو نزعة شائعة قوية تميل إلى الغموض المتطرف والتجريد القاتل الذي يهدم جسور الاتصال والتواصل.
ما يريده القارئ الواقعي هو ألا ينساه الشاعر فحسب، وأن يتذكره ، في لحظة الابداع.. الإبداع مسؤولية وقدرة؛ مسؤولية حين يدرك الشاعر ـ مثلاً ـ أنه مثقف الأمة والمدافع الروحي عنها وأن يدرك ذلك بصدق وايمان وتجسيد..
لست أكشف سراً حين أقول إن القارئ قد فر إلى ميادين فنية اخرى غير الشعر ـ ولو أن المبدع ليس هو المتهم الوحيد ـ فعلى سبيل المثال يعرف المرء بعض الذين يحبون تتبع منابع الجمال الأدبي قد نفروا من الشعر الحداثي وحين نسالهم يقولون بعض ما يكتب أصبح كالرياضيات.
صحيح ان هذه الفئة من القراء لا تمثل كل القراء لكنها تمثل جانبا منهم على الشعراء الحداثيين أن يراعوهم

ويفر كثير من القراء ـ بنسب مختلفة ـ من مجال الشعر إلى مجال النثر، فهم يجدون في الرواية والقصة وأي مقطع نثري آخر ما لا يجدون في المقطع الشعري ـ أو على الأقل هذا ما يدعيه بعضهم ـ والحق أن في مثل هذا الكلام جانب من الصواب؛ ذلك إن النثر مجال خصب ليفجر فيه المبدع فيه إمكانياته، ويشبه الأمر الملعب الكبير الذي يتيح للاعبي كرة القدم تفجير طاقاتهم فيه ، في حين أن الملعب الضيق أو الصغير لا يسمح بذلك، وهذا حال الشعر والنثر، فالشعر يحتاج إلى قدرة رهيبة وتمكن تام ومعرفة عميقة بخفاياه، دون أن يكون هذا مانعا من الإبداع وفق شروط معينة يحددها النظام الشعري. وهذا ما جعل البعض ـ وليس الكل ـ من المبدعين يهجرون هذا المجال ويلتحقون بمجال النثر، ولعل هذه الهجرة ولدت هجرة قرائية إلى مجال النثر بدورها.
وهذا لا يعني على الاطلاق ان النثر اسهل ركوبا واخفض درجة من الشعر ، إنما يعني ان الشعر ـ أو بعض هذا الشعر على الأقل وكما بدأ يحذر بعض النقاد ـ قد بدأ يفقد تواصله مع القراء والمتلقين، مما جعل بعض هذا الشعر لا يقرأ إلا من لدن اصحابه.

ينجح المبدع ـ عند بعض النقاد ـ عندما يبرع في التواصل الكلي مع القارئ، والوصول إلى دواخل نفسه، ومخاطبة أعماقه مخاطبة لين ورفق حينا وشدة وقسوة حينا آخر، لكنها مخاطبة لا تعدم التواصل الجمالي. ومع ذلك فهذا المبدع لا يسيء إلى فنه أو يحط من قدره؛ إذ لا يعني الاهتمام بالمتلقي أن تكون غاية الشاعر ـ مثلا ـ هو أن ينزل بشعره الى مستويات قد تضر بالعملية الفنية في حد ذاتها ، إرضاء للقارئ ومحاولة للتقرب منه. فمهمة المبدع هي نقل رؤيته الخاصة وتجربته الخاصة عن الكون والوجود والحياة بشكل فني وجمالي الى القارئ، مع شرط بسيط جدا هو أن يضع المبدع في ذهنه أي قارئ يخاطب؛ فإن كان القارئ غريبا ، احسن التواصل معه، وإن كان القارئ عربيا اجاد التواصل معه ، وإن كان غير ذلك هيأ لكل مقام مقال كما يقال.
وقد يقول قائل إن التجربة الانسانية والشعورية واحدة، وهذا أمر صحيح ، لكن مستويات القراء مختلفة ، ومرجعيات القارء مختلفة؛ فالقارئ الشيوعي ليس هو القارئ الرأسمالي والقارئ اليهودي ليس هو القارئ المسيحي، والمبدع هو من يحسن مخاطبة الجميع دون ان يفقد فنه مميزاته الخاصة.

وما دام القراء ـ على أرض الواقع ـ لا يشكلون كتلة واحدة، فإن هذا يقودنا إلى سؤال هام ألا وهو : أي قارئ يفترضه المبدع حين يؤلف عمله الإبداعي ؟
ربما من الصعب أن يجيب المرء عن هذا السؤال إجابة قاطعة حاسمة، لأن ذلك يستوجب علينا العودة إلى المبدعين وسؤالهم وهذا أمر صعب من الناحية العملية، بيد أنه من الممكن أن يستنتج الناقد بعد الدراسة والتحليل للأعمال الادبية نوع القارئ الذي ضمنه المبدع في عمله.
فبعض المبدعين يفترضون قراء مثاليين ينجز لهم العمل الفني؛ فيولد هذا العمل وهو يتضمن قارئه المثالي المحترف، وليس في هذا أي نقيصة أو عيب كما قد يظن بعض المبدعين الذين قد يشعرون بان افتراض قارئ معين اثناء الإبداع مساس بقدسية التاليف أو مس باللحظة الحاسمة في الابداع...على الإطلاق ، فإن افتراض المبدع لقارئ ماهر مثالي قد يجعله اكثر شعورا بالمسؤولية الإبداعية فنراه يجتهد ويشقى ويتعب حتى يخرج هذا العمل صادقا كل الصدق مع تجربته الفنية ، ذلك أنه يشعر دوما بثقل المهمة الملقاة على عاتقه بسبب ذلك الافتراض القرائي.
ولكن قد يميل العمل الفني الى السطحية والابتذال حين يقصر المبدع جل غايته في ارضاء ذوق القارئ ـ وقد يكون هذا الذوق غير مقبول بحكم الظروف الثقافية مثلا ـ ويفترض بذلك قارئا على درجة من السذاجة والسطحية ، فيكون عمله سطحيا ساذجا لا يسبر أغوار النفس البشرية ويكتفي بظواهر الامور. وبدل أن يعمل المبدع على رفع الذائقة الجمالية للقارئ ، نجد غاية ارضاء القارئ ودور النشر والامور التجارية عوامل تزيد من انحطاط مستوى الأعمال ودرجتها.
والحق أن القارئ سيكون شاكرا كل الشكر للمبدع الذي يجعله يشارك في بناء معنى العمل والاجتهاد على ملأ فجواته وإعادة قراءة العمل قراءة تنسجم مع تجربة القارئ نفسه، فيكون المبدع قد ضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهو قد أرضى حاجة الفن والجمال ولم يخضع لضغوطات جماهير القراء من جهة، ولم يهدم جسور التواصل الكلية بينه وبين القراء حين يجعلهم أطرافا مشاركة في هذه الأعمال .
حين يقول أحد ما بأن المتلقي قد أصبح غريبا عن القصيدة الحديثة ، فهو لا يجانب الصواب ، إنما لا يعد أن يقول الحقيقة الفعلية، وليس أدل على ذلك اقرار كثير من المبدعين والأدباء بالأزمة التي خلقتها القصيدة الحرة الغامضة؛ فقد طغت اشكالية غموض القصيدة الحديثة وما يوصف بغربتها عن المتلقي وموضوع الشكل والمضمون على مناقشات الشعراء الذين يشاركون في مهرجان الشعر العربي والفرنسي الذي أقيم في معهد العالم العربي في باريس .
فالشاعر التونسي محمد احمد القابسي الذي ادلى بشهادته حول هذا الموضوع وصف القصيدة الحديثة التي يكثر فيها الرمز والغموض بأنها لا معنى لها وهي تكتب لذاتها وليس للمتلقي وقيمة هذه القصيدة انها تكتب للشاعر نفسه ولا يفهمها احد غيره وذهب الشاعر القابسي ابعد من ذلك لكي يقول ان هذه القصيدة (لا رسالة لها) وهي بعيدة عن جمهور المتلقين واذا كانت لهذه القصيدة جمالية معينة فانها تعني كاتبها فقط.
وتساءل الشاعر عن حرية الشاعر في ان يخرج عن المألوف لينسف به الشكل السائد للقصيدة من حيث اللغة والرؤية وما هي الشروط والاسس التي يجب ان توضع لتنظيم هذه المسألة وقال يتنزل سؤال تلقي القصيدة العربية الحديثة في جوهر الحداثة الشعرية ذاتها ولعلني اراه سؤالا اساسيا يجيب الزاما على مجمل الاسئلة الكبرى المتشابكة التي تشكل سياقات القصيدة الحديثة ومنها شروط الخروج عن المألوف والسائد الى ما هو تغييري وجديد وهادم لبنى السائد التقليدي لغة ورؤية وحساسية وغير ذلك.
وقال هنالك سؤال هام يرتبط ارتباطا عضويا بسؤال التلقي ونقصد قدرة القصيدة الحديثة على الاتصال والتواصل وهنا تثار اشكالية غموض هذه القصيدة كصفة الزامية تتنزل بين المعاضلة والابهام. في حين عارض البعض هذا الرأي.
وهذا يعني أن الذي يدعي بأن القارئ قد أصبح في حيرة من أمره تجاه ما يرى من أمر هذه القصيدة الحديثة فهو لا يبالغ كثيرا ولا يجاوز الحق، وإذا كان رأي بعض الشعراء كما عرضناه، فإن بعض كبار النقاد قد دقوا ناقوس الخطر؛ فهاهو الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل يقول إن أبرز ظاهرة خطيرة في مسار الحركة الشعرية خلال القرن العشرين تمثلت في سرعة الإيقاع بصورة جعلت المناهج الدراسية عاجزة عن متابعتها، كما قعدت بمتذوقي الشعر عن متابعة ما ينتجه الشعراء.
وهذا ما جاء ذلك في كتاب جديد لصلاح فضل عنوانه "تحولات الشعرية العربية" صدر عن دار الآداب في بيروت وجاء في 167 صفحة من القطع المتوسط.
وأشار فضل ـ في كتابه ـ إلى أربع ثورات شعرية متتالية في مسافات قصيرة تاريخيا قصرت الملاحقة التعليمية في مناهج الدراسة عن متابعتها ولم تستطع اللحاق بها ملمحا خصوصا إلى خطورة كثرة اختراقات النماذج الأجنبية للشعر العربي.
ويلفت الانتباه إلى العامل "الذي يسهم في الشعور بدوار السرعة المتلاحقة وتداخل الفترات الزمنية إلى حد تجاوز العصور والأزمنة وبروز الجيوب الجانبية المتضخمة" وهو يعني بذلك ما أسماه كثرة اختراقات النماذج الأجنبية للشعر العربي بما يتجاوز قدرة القارئ على التمثل الناضج لشعره القومي أو الربط المنسجم بين حلقاته حتى لتبدو بعض النصوص الشعرية الأخيرة وكأنها ترجمات ركيكة قادمة من قارات أخرى وثقافات مضادة. (من مصدر http://www.aljazeera.net/art_culture/2002/1/1-16-4.htm)
فإذا كان الحال كذلك ، فإن المبدعين مطالبون بالفهم العميق ليس لإبداعاتهم وأعمالهم الفنية فحسب، ولكن مطالبون بالوعي العميق لجمهور قرائهم ثقافته وايديولوجيته وآلامه الداخالية والنفسية ...ليس هذا أمر يطبق ، بل هو رجاء القارئ وأمنيته في أن يقرأ شعرا أو رواية أو أي عمل آخر ..فيحس أنه يقرأ عملا يحدثه هو بلغته ، لا بلغات الآخرين .

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home