دراسات هامة

 

الأداء النصي المرتد

أبوزيد بيومي



 

الأداء النصي المرتد

أبوزيد بيومي

 

عندما أطلق البنيويون شعار "موت المؤلف" ، " لكي يضعوا حداً للتيارات النفسية والاجتماعية في دراسة الأدب ونقده ، وبدأ تركيزهم على النص ذاته ، بغض النظر عن مؤلفه، أياً كان المؤلف، والعصر الذي ينتمي إليه ، والمعلومات المتصلة به "(1)، لم يكن في هذا الإجراء ما يدعو للقلق، فالمؤلف باق ببقاء نصه، والمتلقي له أن يتعامل ـ مختاراً ـ مع النص وفق المنهج أو الزاوية التي يرى فيها متعته كمتذوق. ولكن المأزق الحقيقي الذي تعرضت له العملية الإبداعية كان في القضاء على الدور الفاعل للمتلقي، وذلك بإغراقه في تيارات الحداثة ؛ التي حملت في أحشائها "قصيدة النثر" والتي ضربت عرض الحائط بالذائقة الأدبية العربية، وموروثاتها الثقافية، في محاولة لإرغام الإنسان العربي على تذوق نصوص لا تربطه بها أية علاقة، سوى أنها كتبت بحروف عربية. "ولقد اعتادت الذائقة العربية ـ وهذا حقها ـ أن ترفض كل تحوّل تراه منافيا للشعرية ـ ربما لأن مفهومها عن الشعر ليس صحيحاً، لأنها تميل إلى الاستقرار المفهومي، وهو موقف ليس قصرا على الشعرية وحدها، و إنما يشمل كافة النظريات الإنسانية" (2). وخرج نقاد الحداثة يروجون لهذا النوع، ويدورون في فلك النصوص دوراناً مفرغاً، باحثين عن تفسير لما لا تفسير ولا معنى له، داعين المتلقي أن يملأ هذه الفراغات اللفظية بما يحلو له من المعاني حسب فهمه ونشاطه هو، ظانّين أنهم بذلك يقومون بتفعيل دور المتلقي، وهو ما يترجمه البعض بـ "التحقيق العياني"؛ ويعني : "النشاط الذي يقوم به القراء باستبعادهم أو ملئهم للعناصر المبهمة، أو الفراغات أو الجوانب المهملة".(3) ومن هنا وبسبب هذه الإجراءات المعقدة، فقد الشعر صلته بالمتلقي، ولم يعد له دوره الفاعل في المجتمع, وبالتالي لم تعد العلاقة بين المبدع والمتلقي تعتمد على ما يمكن تسميته بـ" الأداء النصي المرتد". وهو أن يؤدي المتلقي النص بتجاوبه مع القيم المطروحة فيه بعد أن أدّاه المبدع إنشاء و إلقاء . ومن القصص التراثية التي تبين هذا الارتداد الانفعالي بالمتلقي إلى لحظة الإشراق الإبداعي للمبدع ـ حيث يقف كلا المتلقي والمبدع في بؤرة شعورية واحدة لا تختلف إلا في أداة التعبير ـ قصة أوردها ابن عبد ربه ،في كتابه العقد الفريد ؛ والقصة تقول: "قدم عراقي بعدل من خمر العراق [جمع خمار ] إلى المدينة، فباعها كلها إلا السود، فشكا ذلك الدّارميّ؛ وكان قد تنسّك وترك الشعر، ولزم المسجد. فقال: ما تجعل لي علي أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلها ..... قال: ما شئت. قال: فعمد الدارمي إلى ثياب نسكه فألقاها عنه وعاد إلى مثل شأنه الأول، وقال شعراً، ورفعه إلى صديق له من المغنين به، وكان الشعر: قل للمليحة بالخمار الأسود ماذا فعلت بزاهد متعبد قد كان شمّر للصلاة ثيابه حتى وقفت له بباب المسجد ردّي عليه صلاته وصيامه لا تقتليه بحق دين محمد فشاع هذا الغناء في المدينة، وقالوا قد رجع الدارمي و تعشّق صاحبة الخمار الأسود، فلم تبق مليحة إلا اشترت خمارا أسودا. وباع التاجر ما كان معه "(4). لقد ارتد النص بأداء المتلقي (المليحات) ارتدادا ايجابيا؛ فوازى (فعل الشراء) (فعل الإنشاد) ويقدم الدكتور شوقي ضيف لهذه القصة؛ في كتابه "الشعر وطوابعه الشعبية" ـ في معرض حديثه عن أسباب انتشار الشعر ـ وخاصة شعر الغزل ـ قائلا : " وبين أيدينا أخبار كثيرة عن مدى تأثر الناس بأغاني الحب في [ هذا ] العصر". (5) ـ يقصد هنا العصـر الإسلامي، ثم يذكر القصة السابقة، ويعلق عليها قائلا: "ومما يدل بوضوح على مدى إحساس الناس في [ هذا ] العصر بانتشار الغزل وذيوعه الواسع؛ أن السيدات والفتيات النابهات في المدينتين الحجازيتين كنّ يتعلقن به، لابسماعه فحسب. (6) فالنص الشعري كان له أثره الواضح في المجتمعات العربية، التي كانت تحفظه وتردده وتتمثل به. فكان البيت من الشعر كفيلا بان يرفع أقواما، و يخفض آخرين. ويصف الدكتور مصطفى الشكعة بيت جرير ـ الذي هجا به الراعي النميري ـ بالنكبة : فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا (7) ثم يورد خبراً ـ نقلا عن كتاب البيان والتبيين للجاحظ ـ عن هذا البيت: " كان الرجل من بني نمير إذا قيل له : ممن الرجل ؟ قال : نميري كما ترى . فما هو إلا أن قال جرير (بيته السابق) ؛ فصار الرجل من بني نمير إذا قيل له ممن الرجل ؟ قال: من بني عامر ...فعند ذلك قال الشاعر يهجو قوما آخرين: وسوف يزيد كم ضعة هجائي كما وضع الهجاء بني نمير(8) والتراث يحفل بالعديد من المواقف التي تشير إلى أن المتلقي كان يشارك في تفعيل دور النص . فمنح العطايا للشعراء عند الإجادة ، والعفو عند الاعتذار ، بل وقتلهم ـ أحيانا بسبب أبيات قالوها ....؛ كلها مواقف تدل على أن للنص ارتدادا يؤديه المتلقي بتجاوبه وتفاعله . والتلقي في العملية الإبداعية ليس عرضا ، وإنما هو جوهر فيها . فالمبدع في لحظات الإنشاء والإنشاد يضع في اعتباره المتلقي ؛ فيبحث عن الأسلوب الملائم والمؤثر الذي يستطيع به الوصول إلي المتلقي فيعكف على النص يجوّده ، ويعدّل من وضع ألفاظه ومقاطعه. فإذا لاقى ما فعل المبدع ارتياحا في نفس المتلقي ارتد النص بإحساسه إلى دائرة قريبة من دائرة إحساس المبدع لحظة الإنشاء . وهو مرتد باعتبار تبعية عملية التلقي لعملية الإبداع. ."فالتجربة الشعرية وإن كانت تتحكم ـ أولا ـ في الفنان، وتدفعه إلى التخليق، غير أن الفن المتخلّق منها يرنو ـ دائماً ـ إلى المتلقي، بقصد إخضاعه لها وإحداث تغيير فيه؛ إن لم يكن في المجتمع كله (9). والتساؤل هنا : متى وكيف تتحقق عملية الارتداد النصّي بين المبدع والمتلقي ؟ تقتضي إجابة هذا التساؤل البحث في العوامل المحيطة ؛ والتي تتمثل في التوافقات الزمانية والمكانية والنفسية والاجتماعية ..... بينهما. إذ يقوى الارتداد النصي بالقدر الذي تتوافق فيه هذه العوامل. فوجود أي خلل أو نقص في هذه العوامل يؤدي بالتالي إلى هبوط عمليتي التأثير والتأثر. والخلل قد يأتي ـ مثلا ـ من انحراف الشاعر عن المعنى المقصود ، أو من قصور أدوات التوصيل اللفظية أو الفنية لديه. وقد يكون الخلل في فهم المتلقي للنص. وربما لا يكون هناك خلل لا في المبدع ولا في المتلقي؛ وإنما في الظروف التي قيل فيها النص؛ حتى و إن توافرت للنص مقومات جمالية معينة. "فالجمال ليس حقيقة طبيعية, فهو لا يرتبط بالأشياء، وإنما يرتبط بنشاط الإنسان، أو الطاقة النفسية" (10). "والناس يتفاوتون في إدراك الجمال والشعور به حسب قوة الغريزة الشاعرة أو ضعفها".(11) ومن هنا فإن "الاستعداد للتأثر الانفعالي يختلف من فرد إلى آخر  ويختلف في الفرد من وقت لآخر، وذلك بحسب عوامل بعضها فطرى دائم ، وبعضها مؤقت. (12) فقد يتأثر قارئ أو سامع بموضوع ولا يتأثر بآخر، وذلك يعتمد ـ كما يرى البعض ـ " على التجربة الذاتية للقارئ والتي تختلف بالضرورة عن قارئ آخر حتى تكون مصاحبة له وحده " ( 13). ويسمي البعض هذا الاختلاف بـ: "النسبية النقدية"؛ " إذ نجد لكل قارئ ذوقاً خاصاً بقصيدة معينة، في وقت معين، ومكان معين ، وحالة نفسية معينة" (14). إذ اً فلحدوث الأداء المرتد من المتلقي ، لابد من تلاقي طرفي العملية الإبداعية في منطقة مشتركة؛ يقع فيها النص بين انتخابين، أو انتخاب ذي طرفين؛ الأول: انتخاب صاحب النص لما يقول أو يكتب، والثاني انتخاب المتلقي لما يسمع أو يقرأ. وقد يقع العبء الأكبر على عاتق المستمع، وهو ما أشار إليه أبو هلال العسكري ؛ إذ يقول: "فربما البلاغة في الاستماع، فإن المخاطب إذا لم يحسن الاستماع لم يقف على المعنى المؤدي إليه الخطاب، والاستماع الحسن عون للبليغ علي إفهام المعنى". (15) ومن هنا فإن اتجاهات الحداثة في تجاهلها للذائقة العربية، و إرهاقها المتلقي جرياً وراء معان غامضة ـ ربما كان غموضها مفتعلا صاغه مّدع ـ قد فقدت القاعدة العريضة من جمهور الشعر. فصار الشعراء معزولين، ولم يعد المتلقي متحفزا لما يقدمونه و لا مشجعا له.

الهوامش

 1 ـ دكتور صلاح فضل، مناهج النقد الأدبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1997، ص 38 .

 2 ـ دكتور محمود إبراهيم الضبع ، قصيدة النثر وتحولات الشعرية العربية ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، سلسلة كتابات نقدية ، ط1 ، 2003 ، ص 284 .

 3 ـ السابق ، ص180 4 ـ ابن عبد ربه، العقد الفريد، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1940، ج 6 ، ص15 .

 5 ـ دكتور شوقي ضيف ، الشعر وطوابعه الشعرية ، دار المعارف ، القاهرة ، ط2 ، 1984 ، ص57 .

 6 ـ السابق ، ص 58 .

7 ـ دكتور مصطفى الشكعة , رحلة الشعر ، الدار المصرية اللبنانية ، ط1 ، 1, 997, 40، 41. 8 ـ الجاحظ، البيان والتبيين، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 2003 ، ج 4، ص 35 .

 9 ـ دكتور عبداللاه محروس ، التجربة الشعرية والمتلقي ، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1988 ، ص3. 10 ـ دكتور عبد العزيز حمودة ، علم الجمال والنقد الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة, ص75 .

11 ـ أبو القاسم الشابي ، الخيال الشعري عند العرب ، الشركة القومية للنشر والتوزيع، 1961.

12 ـ دكتور عبد العزيز القوصي، علم النفس / أسسه وتطبيقاته، مكتبة النهضة ، القاهرة ، ط4 ، 1954، ص 179 .

13 ـ دكتور عزت جاد ، قضايا المصطلح الأدبي في النقد العربي المعاصر، دكتوراة، آداب حلوان ، 1998.

 14 ـ دكتور محمد عناني ، النقد التحليلي، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، ط2 ، 1991 , ص30 .

 15 ـ أبو هلال العسكري، الصناعتين، دار الكتب ، بيروت ، ط1 ،

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home