القلم الفكري

 

الصحافة المستقلة وحرية التعبير بالمغرب

مصطفى غلمان



 

الصحافة المستقلة وحرية التعبير بالمغرب

هل هناك حدود لحرية التعبير في الصحافة؟

 

مصطفى غلمان

 

كانت الفرصة سانحة عندما أعلن اتحاد كتاب المغرب بسطات ونادي الصحافة بمراكش تانسيفت الحوز، خلال الندوة التي أقيمت مؤخراً بمدينة سطات بدعم من مجلس بلديتها، دعمهما المطلق واللامشروط للصحافة المستقلة وحرية التعبير بالمغرب، ومساندتها في المحنة التي مربها، والتي تحاول، حسب ورقة العمل المقترحة، مخزنة الأقلام الرصينة، وإعدام الأصوات الحرة، وإفلاس المنابر الجادة، حتى لا تبقى في الساحة إلا الصحافة الخاضعة والخنوعة. وهو ما يحرم المغرب من رؤية نفسها في المرآة دون مساحيق عبر الكشف عن عوراتها، وإظهار سلبياتها، ونقد خروقها، بغرض بناء الوطن الجديد وعهد يليق بالألفية الثالثة، ويدافع عن حقوق الإنسان والحريات العامة، بهدف تحقيق التنمية الحقة، وتطوير ملكة الحكم لدى الأفراد، وتدويل المعلومة بين الناس، وتنسيب الحقيقة، وتدبير الحوار، واحترام الاختلاف، والاعتراف بالآخر، والدفاع عن الأقليات..

وقد أعرب الكاتب العام لفرع الاتحاد بمدينة سطات الدكتور المفكر عمر أوكان، في كلمته التي ألقاها بالمناسبة، بعد افتتاح أشغالها من لدن الناقد والباحث الفصيح محمد آيت لعميم، عن إيمانه العميق بضرورة انفتاح مهنة المتاعب على عالم الحرية، من خلال تناول كل الموضوعات بتلقائية وشفافية، دون وضع الحواجز والعقبات، وتعيين الأضواء الحمراء والخضراء، واللجوء إلى المقدس، بغرض كبح جماح الصحافة وانطلاقها، وتشويه صورتها أمام المتلقي. علماً أن المقدس، يضيف أوكان، لا وجود له إلا عند من يؤمن به، وأن العقل النقدي والتفكيكي لا يقيم حدوداً بين المقدس والمدنس، بل إنه يدرس المقدس على أساس أنه ليس مقدساً، مدركاً أن الدولة في رفعها لورقة المقدس، فإنها إنما تفعل ذلك بغية حماية رأسمالها وتقويته عبر اللجوء إلى العنف المادي والرمزي اللذين يفضحانها أمام الرأي العام الوطني والعالمي، ويبديان زيف الشعارات المرفوعة والمتداولة، والتي لا تعبر بحق عن الحداثة والديمقراطية والمواطنة ودولة المؤسسات والحق والقانون، وغيرها من الشعارات الخادعة والفارغة. وهو ما يتطلب، يقول أوكان، فضح هذه الممارسات التي تحاول أن تعود بنا إلى الوراء، إلى أحضان الجاهلية الجهلاء وسنوات الرصاص العمياء. فإذا كانت للديمقراطية سيئاتها، وإذا كانت لحرية التعبير انزلاقاتها، فإن ذلك لا يعطي الدولة الحق في مصادرتهما، وإنما ينبغي عليها تعزيزهما من خلال دعم استقلالية القضاء ونزاهته وحياده، وجعله فوق الجميع ومطبقا على الجميع، وذلك بغرض تشجيعه على القيام بوظيفته التي أكدت عليها نظرية العقد الاجتماعي وفلسفة الأنوار منذ أمد بعيد.

وخلص الدكتور أوكان إلى القول بأن الصحافة المستقلة بالمغرب تعاني الأمرين جراء المضايقات والتضييقات التي ألهمت الدولة جوانب من حوادثها وأحاديثها. فأعاقت بذلك تقويم الاعوجاج التي تعانيه، جراء الفساد المستطير الذي خرب عمق السير العادي . وبذلك تكون الدولة قد أفصحت عن رغبتها العميقة والدالة في التراجع عن المكتسبات الحقوقية والمدنية، في مجال حقوق التعبير وارأي والتفكير. وما ذلك سوى بشارة لمن يريد مغالبة الحقيقة والواقع.

وفي معرض حديثه عن التجربة الكبيرة التي خاضها منذ ما يقرب من نصف قرن تناول قيدوم الصحفيين المغاربة الأستاذ مصطفى العلوي مدير جريدة الأسبوع الصحفي، تناول الظروف الصعبة التي يشتغل فيها الصحافيون المغاربة. فبعد أفول نجم الداخلية، والبصرية أم الوزارات على وجه الخصوص،بدأ الحياة الإعلامية وكأنها ستتحرر من ربقة الماضي، الذي استنزف طاقتها وأرداها مفككة لا طائل من ورائها سوى الزعيق في واد لا قرار له. وانجلى الأمل، مسترجعا كل الضغوض المعيشة، وبفضل بعض الالتزامات السياسية للدولة المغربية، بدا من الواضح أن أمورا ستتغير، لولا غربان الظلام التي ما فتئت تعيد صناعة الخوف من جديد، ووتذيق الصحافة المستقلة عدابات العهد الذي مضى.

وأضاف العلوي إنه لا يطيق هذا التراجع المثير لجدل التاريخ، حيث القطيعة الابستمولوجية لا تقيم علاقاتها التداولية مع التجريب الفاشل والرجعي. ومن هنا يطالب العلوي الدولة بالالتزام بما تعهدت به، من أجل إضفاء الشرعية الحقوقية للتعبير والواجب المهني الصحفي.

أما الأستاذ عبداللطيف حسني مدير مجلة :وجهة نظر" فاستعاد بنا عبر التاريخ القريب، وخصوصاً ما قبل الاستقلال وبعده بقليل، بعض الظروف التي كانت أقرب إلى الحرية منها إلى ما أصاب الصحافة المستقلة ببلادنا. فقد كانت الصحافة آنذاك تنعم بغير قليل من الحرية غير المشروطة، في ظل وعي إعلامي بمدى أهمية هذه الحرية التي تكفلها كل المواثيق الدولية. وقال حسني إن ما يحصل الآن بالمغرب هو نوع من الهروب إلى الخلف، عبر تقزيم دور الإعلام وتحديد أسلوبه في التعامل مع القضايا المستهدفة. وأضاف ا، السياسة الآن كانت الفارق الأساس الذي حفز المتتبعين على معرفة مسؤولية التاريخ، معرباً عن استيائه الكبير مما خلفته ماكينة حكومة الوفاق أو التوافق الوطني التي أسس لها الحسن الثاني قبل رحيله. وقال إن مخلفات الانتهاكات الجسيمة ضد حقوق الصحفيين في عهد الحكومة إياها، أضرت بقضية الإعلام ببلادنا بشكل كبير، وأضرت أيضا بالتوافق السياسي، ما خلف بؤراً لا تزال لم تنطفئ بعد. وما وقع لمجلة:وجهة نظر: التي يديرها الصحفي المتدخل، بعد حجز أحد أعداده في المطبعة قبل الإصدار، بسبب موضوع يعارض طريقة الحكم، سوى دليل بسيط على اتساع الهوة بين الحرية والواقع، بين الحقيقة والخيال.

الأستاذ الصحفي عبد العزيز كوكاس مدير أسبوعية الأسبوعية الجديدة، تطرق إلى منحي التعتيم الذي يخلفه انزياح السياسة عن العمل الواجب. وفرق بين الأمل والواقع، بين حرية التعبير وشرود هذه الحرية. بين أن نتواصل والبناء الديمقراطي الحر والنزيه، وأن نتداوله عبر المكروفونات، دون جدوى.

كوكاس تساءل عن مرد هذه الدوخة المدوية في متن تاريخ لايعيد نفسه، سوى باستذكار يزيح غيمة الطفرات التي لا تريد أن تكون كذلك إلا على ظهر المناورة والمخزنة. ما معنى يقول المحاضر، أن تتصرف الدولة في ملكية ليس لها فيها ما يشرع التدخل الكولونيالي المتسارع والمتهور في نفس الآن؟ ذلك أن أسلوب الإكراه على فعل الحرية لا يوائم الطابع الأساس الذي من أجله خلقت هذه الحرية، وأن انتظار من يعبث بالمكتسبات، خصوصاً إذا كان من داخل صف الحرس القديم، سيثير الخلخلة بين سلوك الميكيافيلية والتظاهر بالتنوير والتنويرية والواجب المقدس. ثم إن المقدس هنا، يضيف كوكاس، ليس إلا حلقة من حلقات التوارد الانطباعي الذي يحجم عن مواكبة التاريخ والصيرورة. فالمقدس لا يعترف بالضرورة الملحة للتعبير وللرؤية الخالصة للفكر والأفكار والاستنتاجات، ولهذا ينطبع لدى الغالبية العظمى للمقدسيين الغرباء أن ثمة ما يفصل الحرية عن النظر في السماء، ما دامت هذه الحرية غير مشرعة، بل ليس لديها أي دليل على بقائها.

الأستاذ المحامي الحقوقي المعروف أحمد أبا درين أفرز من خلال حديثه عن تجربة الصحافة المستقلة بالمغرب مقاربة قانونية صرفة أبصر من خلالها بعين ثاقبة ورأي راجح المسافة الحدية بين الحرية واللاحرية، بين التواصل الخبري والتناظر الشخصاني. حيث يستهلك أغلب الصحفيين ظروف التعاطي مع الكتابة النقدية، من حيز أضيق من عين الإبرة. حيث التعاطي مع الاستنتاج الخالي م أي تحوير أو تدبير دلالي وحججي. وقال إن هذا الرهان يتصادى مع نظرة القانون المغربي، ويجعل التمثل لمواده أمراً في غاية التعسير، حيث تنافي رؤية واقعية من لدن القاضي، تحجب نية الفعل، أو الكتابة. ويصير التقابل بين المكتوب والنص القانوني هوة سحيقة تلزم النظر بالزاوية الأخرى لما هو ملموس ومحسوس. وقليل من الصحفيين يضيف أبادرين من يحرص على تشكيم حوصلة الخبر والتعليق عليه، في الحد الذي لا يجد فيه القارئ ما يثير الانتباه بالمباشرة والتوجه. والحصيلة يقول المحاضر أن الصحافة هنا يجب أن تعمل على تمتين شخصيتها المادية والمعنوية بالاستشارة القانونية، التي هي جزء من المضمار التي تعيشه أزمة القطيعة بين الدولة والصحافة المستقلة.

ودعا أبادرين في ختام حديثه عن حال حرية الصحافة بالبلاد، إلى ضرورة تصحيح نظرتنا للأشياء وإبداء الرأي فيما لا يخدم الصالح العام، وما يضيع الوقت ويصرفنا عن مواكبة الانتظارات التي تتسارع عقدها يوما بعد يوم..

كما كانت الورقة التي أعدها رئيس نادي الصحافة بمراكش (كاتب هذه السطور) قمينة بوضع اليد على الجرح، فقد تناولت في مجملها الوضع العام الذي تعيشه الصحافة المستقلة بالمغرب، من حيث الإطار الإشتغالي وظروفه. معتبراً الطفرة النوعية التي أضافت للمشهد البروباجندي بعضا من التواصل الانتقالي، بين حرية التعبير ومسامير الماضي طوقاً باطنيا لا ينشد الديمقراطية والشفافية، بقدر ما يستوعب الانتقال السيروري وحسم الانتهاكات الجسيمة، على حساب استيعاب الظرفية الدولية والانتقادات ذات الخاصية الدقيقة، مدرجا أسباب انحسار هذه الحرية مؤخراً، خصوصاً بعد تولي محمد السادس الحكم. وقال غلمان، إن التضييق الممنهج الذي يمارسه زبانية السلطة الآن على بعض المنابر الإعلامية المشاكسة يضع التجربة المغربية في المحك، ويسائل أبعادها التاريخية والمعرفية. وما استدراج الصحف المعارضة والمنتقدة للأداء الحكومي للوقوع في مأزق القضاء سوى علامة من علامات هذا التضييق والقتل البطيء.

مسك هذا اللقاء الهام أسبغه الشاعر الكبير إسماعيل زويرق عضو مكتب نادي اليونسكو، في كلمة ألقاها باسمه، بعطف أريحيته ونبل مقصديته، أزاح من خلاله هم التناظر ولفح التجاسر بقول هو أقرب للشعر منه للنثر، أبلغ فيه الصحافة والصحفيين بحب الخير وترغيبه، ونبذ الشر وتطويعه، بما يأمل المحجة البيضاء، التي يبقر ليلها النهار، وينثر حجبها رشف البهار.وما الكتابة في البداية والنهاية عند زويرق سوى ذلك الطلح النضيد الذي يملأ أصواتنا المتهاطلة على مسرج الحرية، ساكنة وبهية في أدراج السمو، لا تلبدها حدود، ولا تغصبها ألقاب نزاع؟

 

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home