دراسات هامة

 

قصيدة النثر ـ إستئثارات مبكرة بالأشياء*

صفاء عبد العظيم خلف



 

قصيدة النثر ـ إستئثارات مبكرة بالأشياء*

قراءة في قصيدة من لاتحضره السكينة** للشاعر عادل مردان

 

صفاء عبد العظيم خلف

 

    إحتضار النشوة لايؤرق المتماهين بالخديعة ، بوابة الولوج الى (الوعي) دون الدخول الى غابة أسئلة محيرة وَلَّدَتها صدمة (العقل) الخلاق ، بإكتشاف مكامن فراغ تسترها هيستيريات العالم المقلوب. دخول قسري لن يسفر إلا عن إنتاج خديعة جديدة.  

إننا أمام رفض عقلاني لأنتليجيسيا السائد، على الرغم من نفعيته وإنغماره اللامحدود في العقل الجمعي والمتسلل الى الموضوعي عبر قنوات تسمح له بالتعايش "الدائم" . الرفض هنا يتجسد بالغاية المحركة لـ "طاقة" و"أجساد"، بأعتبار إن الشعر خيميائياً مجال كهروكتابي تمارس نواتاته نوع من التعشيق والتآصر المفضي إلى ما هو زماني ومكاني بشرطين أساسين:

1- تنافر جزيئات المكون الواقعي وتشكيل دورة حياتية متصَيّرة على أساس تلاقي الاضداد في وحدة كيانية ترسم عوالم جديدة.

2- الركون في التشكيل الكتابي الى تناول ما هو جزئي ومجهول ومهمل ،أي إعادة إكتشاف الواقع من زاوية قصية.

    وفي هذا المنجز هناك ما يدعونا الى ذلك ، فتناول الشاعر عادل مردان في

منجزه – القصيدة – من لاتحضره السكينة، للاشياء فيها نوع من أكتشاف دواخليتها ومحاولة لإستنطاقها فلسفياً، ويمكن القول أن كل الموجودات المادية لها ضرورتان ،ألاولى تتعلق بتشكيلها المادي والثانية تتعلق بقصدية موجوديتها، وهذه تحيلنا الى مسألة في غاية الاهمية وهي "الحاجة على أساس الوعي".

والازمنة المتماهية في السرد الشعري لها ضروراتها أيضاً ، أبرزها ذلك الوعاء الذي تتصير به الامكنة.

"ربما يصممك الخيال

ربما مناداتي لك دهشة حالمة

ربما أنت لبوة أو مالك الحزين

ينام كل جريح

في نظرتك المترنحة

فيالك من سادر أعمى

يامن لا تتوهم

في مملكة الاشياء".

 

    "الوعي"  في هذا المنجز، هو القناعات المتولدة من شائع ثقافة العقل الجمعي ، و بيئة المؤثر (القرائي المعرفي و التطبع العشوائي) والرفض الدائم له الذي ينتج وعياً فردياً متفرد الرؤية ، لذا ففعالية الترحال "المقصودة" لكائن المنجز، هي في حقيقتها تفريغ لدواخلية الرفض لعالم مقموع، وبوصلة مضطردة لاستيعاب المعرفة وأبتكار قوانين براءة وإتهام. فهي تؤشر الى أمكنة وأوانات معروفة، لكنها تجتزء هلامية الفجوة وإنزياحها المغمور نحو التعايش الصامت وسط صخب كائنات لم تتعرف على فلسفة وجودها.رحلة أكتشاف الاشياء تتماهى مع رغبة جامحة في مضاجعة طبيعتها البكر. وتتوطن فيها – أي الاشياء – بذرة الخطأ والفضيلة ، إنه تدوير لعوالم لامنتهية.

(1)

" بجحيم الملل تخطف الحافلة

أغرف من هنا اللازورد

وأسكبه على أبناء قومك".

 

الملل هنا لايقصد به الشاعر "السأم" ، بل هو وابل معرفة الوعي الاستاتيكي والذي يتناقض بالضرورة مع "منطقة الخلق" أو الاكتشاف الخيميائي للاشياء ،والمعبر عنها بـ (اللازورد). فمن ناحية التعرف القصي لاتوجد مناطق لازورد كامنه في طبقات التشوه المتلاحق للبنية الكلية. فالبحث عن الكبريت في مناطق الكاربون ضرب من العبث.وأنما هي مسكوتات تعاقر الصمت بطبيعتها ((قبل الرسو يغرقها بصرخة نافرة)).

 

      ثريا النص، تطالع العالم بالصخب ، تبعثر الصمت وتعده من محرمات الأمكنة والاوانات، لكنه كائن محكوم عليه أن يصمت، وفي صمته صخب دافئ لعبته "المرح".

    الشاعر أجتذب قصيدته الى منطقة "المألوف الذي لانراه"، انها رؤيوية لاتتمتع بها إلا قصيدة النثر ، فهي الوحيدة القادرة على أكتشاف تلك المزايا الفريدة بألاشياء والتعرف عليها من نافذة ظلت مقفلة لقرون. مثل الامكنة العصية الاكتشاف:

" المكان يرتفع في الأوجه، مشاهد مرسومة تتعجل لاتراني ولا أراك، أصبحنا في لحظة طاعنين عندما أتحسس جفنك سأدلك على النهر، لهذا الصراخ تحتاج الى جارية /لا أريدها حانة ،أريدها خمارة، أذا أعجبتك خذ أجراسها".ربما تكمن الرصاصة في أقصى المقصد باردة، لكن لايعني إنها لم تكن قاتلة، إجتراح نسق الاشياء وتفكيكها، يكفي لجعلنا نعيد النظر في الكثير من البديهيات التي تنزلق من تحتها أسرار متورطة في عذابات الانسان.

الطواف في مجاهل ذاكرة أختزلتها السكينة سنيناً، والعودة لمنابع التعرف الاولى بعين حقيقية، بالضبط ما يحاول الكائن المسكوت عنه البوح به في المنجز.

 

 (2)

التنقل البرقي بين الوعي المكتسب الى الوعي الذاتي الخلاق ،دون المرور على منطقة التعشيق ، الا يعد ذلك خرقاً لمنظمومة التراتب النسقي الطبيعي للاشياء ، أي جعل معوّل الاجتراح في كلا إلاتجاهين دون مراعاة الخصوصية ؟!.

" للتسكع حجج دامغة

هذا الغبار الضاج لتهويمات التنقل"

الوعي الذاتي الخلاق يتحسس أستدراكات تحققها الذات لذاتها في تشكل فكري شديد التمثل لحرية الشاعر في مدار الادراك والتأويل، فليس هناك في منظومته ماهو غير منطقي أو متافيزيقي أو غير ملموس.  يقول ماكس جاكوب:"لكل موجودٍ موقع مُحدَّد. ولكلّ ما هو فوق المادة موقع مُحدَّد. بل المادة نفسها مُحدَّدةُ الموقع".

فالاشياء ليست نهائية التصير ، بل مستمرة التولٌّد ، لذا تبقى أكتشافات قصيدة النثر لمكامنها ومخبوءاتها مستمرة .

"متوحش اللقيا أنت

تطارد فراشة الفكر ".

تحاول نثرية "من لاتحضره السكينة" الخروج من الخطاب النثري الشعري ، الى الخطاب الفكري الشعري. ففجوات النقص المعرفي، عوالم تفتق الجوع فيها ومعّوَل الحقارات ينبش في ابجديات تعايش مشوه لا يرتقي لحياة. لذا تجد في المنجز اصداء للمعرفة وللتعرف واحتشاد مكثف لرؤيويات ماكانت لتطفح لولا تلك الهجرة لأرض المثالي الى تلك مديات الشاسعة من الحقائق الدامية.

يعمد الشاعر، إلى إكتشاف تلك الفجوات .المكشوفة / المستترة في ألان نفسه، لذا كان كل هذا التجوال الضاج بالمسائلة العبثية والغير محتكمة الى قانون السائد ، والمجبولة على التمرد ، يجلو وجوه تتحكم بالعالم ، لكن سرعان ما يحاول أحتواء تمرده بـ (العقلنة)، كشوفات يقابلها صمت العقلنة ، فهي مسكوتات لم يشأ الشاعر البوح بها في خضم قصيدة جامحة بإصطياداتها.

(8) صور مركبة، أقفالها مؤشر لبوابة أخرى لاترتوي بالكتابة، تحد قاس ومغامرة عقل لايرعوي الا بأقتناص العلة وتجديد صورة عالم لازالت مشوهة.

(( 1/ ... تسود الهدنة ، لاتسمع ضجيجهم ، ولايسمعون ترتيلك . 2/ ... خذ اجراسها وإترك ثمالتها على الخوان . 3/  ... بليل المعري ، ... مذبوحاً من قفاه ولايرن ، الجرس على حافة القبعة . 4/ يا من ألفت السكن العالي في الجنوب . 5/ ... أرعبت المرأة ، حين كشفت لها عن الجرح . 6/ ... تتقهقر حينما تعوي الدورية في نهاية المنعطف . 7/ ... مرممة احشاءها ، لاتحرك ساكنا للبحارة الملوحين . 8/ ...قبل الرسو يغرقها بصرخة نافرة .)).

كلها تشير إلى حكاوي صراعاتها تتم بعيداً عن كل الصخب، وهي مسكوت عنه حاول الشاعر جعله بوابة دخول مغايرة لقراءة المنجز ، لكن لايمكن القول انه لم يستطع الخروج عن قدرية الإنصياع ودراما الخوف، واجترار نفس المآسي بصور مختلفة، ربما حاول أن يشير إلى وجوه وأصوات احتفت معه بالرفض والصخب لكنها سرعان ما تنطفأ جذوة قلقها ورفضها، وتنزوي حاسرة الرأس كمن خرقتها خديعة. وهذا ما يشخصه الرائي في مصب قصيدته الاخير حين يقول:

" وماذا يفعل من لاتحضره السكينة

غير ان يداعب جراحه بالجراح

ويتحصن بالمرح"

قد تكون الصورة المجتزئة، هي موقف شخصي، وربما يكون موقف العقل الجمعي، وربما يكون حلولا جماعيأ في الذات الموضوعية للأشياء، لكن يمكن الجزم انها صورة عبثية مسريلة بدم الواقع.

من لا تحضره السكينة الشاعر، المتجول في تخوم المدن الغريبة والمرافئ وحلبات السيرك والغرف الرخامية الشبقية، يجد نفسه مشدود بحبل سري الى غارة مندثرة لايجد من العودة اليها سوى تجديداً لملامحه التي ضيعتها الاهوال والبحث عن رُقية الخلاص.

"أخذت بنسيان ملامحي /

يا ما الفت السكن العالي في الجنوب"

المنلوج الشفيف الذي تظهر ملامحه هنا وهناك، يكشف لنا عن كائنين متوحدين بمصير واحد، الأول جامح متمرد ورافض، والآخر يعقلن الرفض ويروض الجموح، لكن في النهاية:

" معبود الطبيعة الرضي

يحسب الحب في وعاء القلق

ويكتب على عجيزة الوعاء

 ( روزنامة العيش )

أترى ننشد الخلاص ؟.

من سيرث أهوالنا ؟."

فمعبود الطبيعة الرضي هذا، الرافض القلق، صفة الوئام والرضا، هي علاقة لاتنتمي الى الكائن المتجسد في ظاهر المنجز، بل إنها للشخصية الصغيرة التي تحرك أرادة البحث الخلاق المستترة خلف الصمت الذي طغى على كل النهايات ، لذافكائن القصيدة الابرز من يشد الرحال ويستمرئ القلق ويعاقر المغامرة.و كائن الذات العاقلة هو ذاك الذي كشف عن مغارة اللازورد وحصن نفسه بالمرح.

 

 (3)

من يعالج الامكنة والاوانات المشوهة ، واحتراق وجه العالم ، لابد ان يكون المركب الخيميائي ، الذي تتحصن به قصيدة النثر ، وجعل كل العوالم المتنافرة على قرب ومسافات الاختلاف القصية تكون بوابات عالم يخلق ويجدد .

" أشباح زرق

تعالج قروحها بالقطران"

 

ربما صنعت في كلكتا، أو ابتكرته عرافة بالبحرين ، أو من خبيئات غارة اللازورد ، لكنها حتماً، كائنات يحتاجها العالم في حفرياته المؤدية لاكتشاف أبجديات وجوده و الانعتاق من عصاب الهيستيريا، فهذه الحلولية العجيبة للاشياء في بعضها بقصيدة النثر، واحتشاد المعاني على طريقة الخيول البلق في  (مراكب تنتهي بالثكنات)، لابد لها أن تعلن عن فتح جديد في نسق العلاقات المسيرة للعالم ، فحتى الرفض من الممكن ان يسكت الحروب ويجعلها حروب كهلة تدور ( خلف الجدران ).

وربما من الفتوح التي اوسعت الفضاءات أمام شعراء النثر، ابتكارها للمسوخ التي نسميها كائنات، لابد أنها جزء منا في حيواتها وطريقة تفكيرها، فربما يحل الشاعر في جوقة تقيم سيرك الدواب ويعاقر الأجساد منتهىً بعد منتهى، يكشف عن حجب ويزيح الستار عن حقائق مجلوة بحقائق.

حلولية الشاعر النثري في الاشياء يمكن القول إنه منحى أبستمولوجي، يحاول ايجاد علاقات اكثر شفافية من تلك التي تسود العالم ويقدم من خلالها نموذجاً في التوحد دون الاخلال بغاية وجوديتها، و تعميق أواصر الالتقاء التي لابد أن تتميز بها جميع الاشياء، وإلا لما كان من السهل جمعها في عالم يتقن التغييب ورفض الآخر والقتل بدم بارد. قصيدة النثر هي من اكتشف هذه العلاقة الدفينة وجعل من النسق السيميائي الوعاء الذي تتعرف الأشياء على بعضها.

ترابط مثير للدهشة يحاول أن يختزل العالم بتشعبه ووحدانيته، المكان بقع شمسية تشدت سواداً على وجه أزمنة متحولة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

* من بحوث مهرجان المربد الثالث 2006 المقام في البصرة.

** قصيدة (من لاتحضره السكينة) مستلة من مجموعة الشاعر التي حملت ذات الثريا، والتي طبعها ووزعها على طريقة المشاعيين الاحرار، خارج اطار المؤسسة الثقافية الرسمية.

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home