مقال

 

ثورة هوية أم أزمة وطنية ..؟

ثائر الناشف



 

ثورة هوية أم أزمة وطنية ..؟

ثائر الناشف

تبدو الساحات العربية مكتظة اليوم بألوان فاقعة من الشعارات الوطنية والقومية البراقة وما فوقهما , وما يزيد اكتظاظها اشتعالاً صهيلها الشاجب للأطماع التوسعية التي تستهدف ساحاتها, فالشارع العربي خاض ثورته في السابق ووقف عند حدوده , لكل ثورة أهدافها ومبادئها وأبطالها وشهداؤها بدون تلك المكونات لا تستحق صفة الثورية, والمحاولات البديلة لها لن تجدي نفعاً وسيكون مصيرها مصير أخواتها اللواتي سبقنها في مكب التاريخ.

على امتداد الرقعة الجغرافية العربية توجد هويات كثيرة متعددة, جزئياتها متنوعة بين أصيل متجذر وجديد متشكل وبعيد متشتت, وبين التجذر والتشكل والتشتت هدف واحد - البقاء تحت شمس الوطنية- والكل يريد أن يجد لذاته مكاناً تحت نورها, فالهوية تعني لدى البعض (الوطنية) ونقيضها التخوينية, وبذلك نكون أمام جدلية صراعها يدور حول رؤية كل طرف للآخر والإيقاع به وأن تطلب الأمر الهروب إلى الأمام أو للخلف, فغاية الصراع سقوط الآخر في لعنة التاريخ بتهمة التآمر الرخيص على الوطني الثمين. من هنا فإن ما شهده العالم العربي من ثورات سابقة تندرج خطوطها العريضة تحت قيم الوطنية المنضوية بدورها تحت لواء الهوية, ولاشك أن هذا التصور المحدود كفيل بتفجير أزمة مفتوحة لهويات متعددة. فالتعثر الحاصل قائم على مزج واستبعاد كيفي, مزج الهوية بالوطنية المتشدقة بالسلطة والمتحصل عليها بفعل الثورية, أمّا الاستبعاد فهو استبعاد للمتعلقات الأخرى المشكلة للهوية واعتبارها ثانوية كالمتعلق السلالي واللغوي, فالسلالة سلالتها وحدها وملحقاتها هي أدوات منفذة لجبروتها, واللغة لغتها الوطنية الواحدة وما عداها هويات تغرد خارج أسرابها. إنّ إلحاق الهوية بالوطنية لن يزيد النار إلا اشتعالاً, فالهوية تعني الذات بالمقام الأول ولا يمكن التخلص منها إلا بإقصائها, والثورة هنا ليست ثورة تجديد للذات بقدر ما هي تمزيق لها, لأنّ غياب الشعور بالذات يسيد العقل التقليدي, الرافض لكافة التساؤلات الدائرة في خلد كل فرد, والمصادر لكل التصورات النابعة من الآخرين ضمن فضاءات ضيقة, لادعائه بالتميز عن غيره من العقول. ولعل الخروج من هذا النفق المأزوم بهوياته يكمن بخلق صراع تجديدي وتوحيدي للذات , صراع من شأنه أن يعزز مظاهر المجتمع المعاصر, بمحيه لكل الفئات المسكونة بشهوة السلطة, وتحويلها إلى فئات موطنة توطيناً حراً تؤمن إيماناً تاماً بأن الوطن ليس ملكاً لفئة دون غيرها, صراع يقلب التطرف محدود الرؤية إلى قالب ثقافي تصالحي, ليبقى التاريخ بتدوينه المنصف للوقائع وتفسيره لها الحكم الفيصل في لعنة هذا ومدح ذاك.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home