قصة

 

البحث عن شوق آخر

ابراهيم عثمان



البحث عن شوق آخر

بقلم : ابراهيم عثمان

   في تلك الغرفة المجاورة لغرفتها.. جلس أحمد الاندلسي وحيدا، ليتأمل ما وضع هناك.كانت الساعة تشير الى تمام الواحدة بعد الزوال عندمادلف الى غرفة الدرس..أخرج من درج مكتبه قطعة طباشير بيضاء ودون موضوع الامتحان.

  وقبل أن يسأل المدير عن الشخص المفترض الذي وضع هذا الشيء في غرفته، أو عن تلك الأسباب المثيرة للحيرة والجدل.. أدرك بحدسه الصوفي أن أنثى ما قد اقتحمت محرابه، ووضعت هذا الشيء لينوبها عن ساعات الانتظار التي ستقضيها في هذه الغرفة التي تعج بالكتب والاشرطة والأقراص المدمجة.. لم تدرك في بداية الامرانها أمام رجل قادم من مملكة تتجاذبها الالوان والالحان..رجل تسكن رأسه فلسفات وفلسفات..

وتتصارع في خلجاته باقات من الشعر والألحان.. وتورق في وجدانه ينابيع الحكمة والحب والحنان والفن والجمال.

   كانت الحيرة قد دفعت به الى القول: ان الحياة لن تستمر دون حب.

   أشرقت هذه الفكرة دفعة واحدة في ذهنه..راح يبحث عن بعض الأقاليم في خريطة صغيرة كان يحملها معه باستمرار..بحث عن مكان ما يسافر إليه.

   كان يريد أن يقضي عطلة الشتاء خارج الديار..لم يجد أحسن من تونس..ربما لأن له فيها عشيقات وصديقات كثيرات تعرف عليهن خلال تلك العطل التي كان يقضيها في مدن تونس الساحلية متسكعا.

   كانت تريد أن تكون هناك، لتراه وهو يعود مع طلوع الفجر مرهقا يدندن بأغنية شجية تمنحه سلطة واسعة على هذه الصخور التي تفترش الساحات العمومية والأرصفة.

   دفع بنظراته الى زوايا الغرفة..تحسس جدرانها واثاثها.. اقترب من  ذلك الشيء وراح يتشمم رائحته..تيقن بأنها لأنثى تجيد غسل يديها بمياه الثلج الباردة المخزنة على شكل ينابيع متفجرة من أعماق الصخور.

  تدعم حدسه أكثر عندما رأى على الجدار المقابل لوحة زيتية لامرأة ريفية تحمل على ظهرها قلة ماء، وهي تغادر الغدير ممسكة بطرف فستانها الأزرق.كانت قد أهدتها له فتاة من مدينة صفاقس..عندمارحل الى هناك باحثا عن مساحة لشوق آخر..مساحة تأخذه بعيدا عن وثنية حب عنيد، ظل يطارده من مدينة الى أخرى.كانت وجهته الى الجريد هذه المرة أين يرقد أبو القاسم الشابي..كان يريد أن يستمع الى شبابته وهي تشدو بمعسول النشيد وسط هذه الصحاري المترامية الاطراف.

   أدهشه أن يموت شاعر بهذه السرعة وهو قي ريعان الشباب..فتحرم البشرية من أغانيه وصلواته.

  وعند عودته التقى بها صحبة صديقتين..غمزها فاستجابت بسرعة.

 سألته عن مجيئه الى صفاقص فقال:

 - جئت حاجا الى ضريحه.

 -أنت مجنون!.

 - أعرف أني كذلك.

 -أبدا أنت لست كذلك..أنت تغري بالاكتشاف!.

 - ان عمراني خرب أيتها المجنونة!.

 - دعني اكتشف معك هذا الجنون وهذا العمران !

  تقافزت الى ذاكرته في تلك اللحظة صورة ياسمين، وهي تبكي بين يديه..

 في ذلك اليوم قرر أن يعيد لها أشياءها ورسائلها ويرحل بعيدا لكي ينسى.

 وتذكر والدته التي غادرت الحياة منذ سنوات..يومها وجدوه يهيم على وجهه في سهول وأودية الدرعان، وهو يدندن بأغنية من كلماته ولحنه:

                    أماه ليس من عادتي البكاء ولا العويل

                    فكيف أبكيك اليوم؟. وكيف أطيل؟

                    وقد رحلوا بك وتركوا دمعي يسيل  

                    ولي في هواك طويل                       طويل                                       

   وتذكر نهاد..تذكر يوم أن دفع لها بتلك القصيدة التي فاضت من بين ضلوعه..وقبل أن تتم قراءتها دخلت عليه دون أن تدق باب حجرته..

 كانت دموعها تفضي بشوق دفين عمره سنتين، وصرخت فيه:لماذا تريدني أن أمزق شرايين جنانك، وأسكت تلك النبضات الحنون المتسارعة؟.

يومها قفزت روحه واستقرت هناك في عليين..تنادته أصوات مسكونة بالحب والجمال والجنون..وتراكضت نحوه أخرى..واستقرت في قلبه بالخبر اليقين.

   اشتهته أشجار الصفصاف والزيتون، وغنت له البلابل والحساسين..وطوقته سعاد بذراعيها ومشت تجوب به شوارع المدينة وأسواقها....

 أخذته الى الميناء واكترت قاربا لصياد مسن، وابحرت به وسط الأمواج المتلاطمة.. غنت له أغنية لعلي الرياحي، وغنى لها أغنية عبقة بالحب والحنين..ازدادت التصاقا به..أحس بخيولها العربية الاصيلة تركض في دمائه وتقف منتصبة فوق مفاصله.. اندفع يشق أمواج البحر على خببهاوعدوها. ارتفع ضبحها. تمردت عليه حيتان القرش..أخذت تعانقه..  

 عناقا حارا.. كانت لاجسامها الانسيابية نكهة أخرى.

   بكت سعاد عندما رحل عنها ذات صباح شتوي مشمس، تاركا أيها

  على الرصيف كنخلة يتيمة تواجه هجير الصحراء بمفردها.

   وعندما صفر القطار راحت تتابعه في صمت بعينيها الواسعتين اللتين يحتفل بهما جمال تلك المنطقة ببريقه الساحر الذي يأخذ العقول       والالباب.                                                       لوحت له بيدها التي كانت قبل قليل تغترف من مياهه العذبة، لكي تروي عطشا تفشى في أوصالها وعروقها.

   ود في تلك اللحظة لو يوقف الزمن ويوقف معه ذلك القطار الذي سينقله بعيدا عنها..ثم يعود لها من جديد لكي يستريح على شواطئها الأسطورية التي توغل بعيدا في سحرية الشرق وصوفيته العاشقة.

   كانت هذه المرة رحلته للتأمل والنسيان، لكن بعض الهواجس والافكار ظلت تطارده من مكان الى مكان..خيانة الاصدقاء وعشق النساء..حرية الجسد وحرية المعتقد..ثقافة  الجد وثقافة الزرد..ديمقراطية الموز و تعددية الحروز..أمن البلاد وسقوط بغداد..حقوق الانسان التي لم يحلم بها الانسان..انتشار الأوبئة وعودة الطاعون والرمد..تناقضات كثيرة وسمت هذه العشرية الحمراء بعار يصعب نسيانه..عرافة الحي قالت:"ان الفيضانات ستجرف عاصمتها البيضاء..وقبل أن بلتئم جرحها وينسى سكانها بشاعة المنظر ومأساويته، سيضربها الزلزال من جديد..سيضرب مبانيها ويسقط أمانيها ويتركها في حداد..وفي آخر المطاف ستبعث من بين الانقاض كالعنقاء" سالمة معافية.

   عاشقة كانت ترعى حروفه عندما كانت تشرف على احدى الصفحات الأدبية، فقدت وفقدت معها رسائل كثيرة.كان قد بعثها من غرفته المنزوية في حي شعبي، انتصبت عماراته الفقيرة في فوضى.كانت هذه الرسائل كما يشاع عنها هنا وهناك  نعبر عن حيرة كبيرة وتصور في ايجاز مطلق تلك التصدعات والتشوهات التي لحقت بقيم هذا المجتمع، وهذه الحضارات التي ستفتك بها رياح العولمة. 

   دعاة الرداءة احتكروا كل شيء لأنفسهم..منعوها من الظهور.. أحدهم وهو كاتب كبير كما يزعم ادعى بأنه أمضى شهادة وفاته..وفي جلسة حميمية مع عشاق المهرجانات التي كان يدعى لها صرح قائلا:

 "ان فلان قد أصبح أميرا يقود مجموعة إرهابية ويفتي باباحة أعراض الناس وسفك الدماء".

   انتفض مذعورا عندما سمع هذا الخبر..حاول أن يدافع عن نفسه وعن تلك القيم التي آمن بها..فلاسفة الاغريق وشعراؤه يقيمون هنا معه في هذه الغرفة الضيقة..أباطرة روما وفقهاؤها القانونيون، رفعوا جلستهم الاولى وانصرفوا الى جواريهم الحسان بعد أن شربوا وغنوا ورقصوا طويلا.

 فقهاء المذاهب الاربعة قسموا الغرفة الى غريفات..انقسموا بدورهم الى ملل ونحل عديدة..ضاقت بهم الغرفة.. أفتوا بجواز الاقامة بها..أجمعوا على أن تاركها كالقائم بها..زنادقة العصور الأولى توافدوا منذ عشرين عاما على غرفته..صاحبهم وصحبوه..ابن رشد كان يقول له كلما التقى به: ان رشد البشرية سيظل غائبا مادام الناس مازالوا يفكرون

 بغرائزهم..فلاسفة الغرب المتأخرين كانوا يجدون فيه مشروعا هائلا لحداثتهم..كولن ولسن هذا المنظر العملاق صنفه من بين كبار اللامنتميين الآبقين من غثيان سارتر وعبثية كامي ووجودية كيركوغارد..هربرت ماركيوز فتح له أبواب الماركسية على مصراعيها..أطلعه  على أوكار المخابرات ومخابرها التي تحتضن الدجاج لتحوله بعد شهرين من الاحتضان  الى جيل من القادة والفلاسفة والانبياء..جيل بعده واحد ورهطه واحد وفكره واحد.    

  أغليكسمان هذا الطفل الذي القت به أحداث مايو 68 الى شوارع المعرفة، مازالت أفكاره تستهويه الى درجة جعلته ينظر الى الأشياء نظرته الى بوكاسا هذا الامبراطور الافريقي الذي تفرد في تاريخ الانسانية بأكل لحم البشر..تسمعه عندما نزل ضيفا على احدى القنوات الفرنسية ليتحدث عن آخر كتاب صدر له..استوقفه موضوع الارهاب طويلا..

 راح يشرحه بمبضعه الفلسفي. نسبه الى الدين الاسلامي، وبرأ منه ساحة الاديان الأخرى..كانت كلماته خالية من أية حكمة شأنه في ذلك شأن العديد من الفلاسفة والمنظرين الذين تخلت عنهم الحكمة..كتب أشياء وتفوه بأشياء أخرى..ردد أغاليط كثيرة  عن الديكتاتورية في العراق جاعلا منها مرجعية لكل الشرور القادمة..قال أن صدام حسين أعظم ديكتاتور عرفه تاريخنا المعاصر..وقال أيضا أنه كان يزهق أكثر من أربعمئة روح في اليوم الواحد..قال أشياء وأشياء..لكنه لم يقل للتاريخ كلمة واحدة عن ارهاب الدولة الذي يمارسه شارون على شعب جائع وأعزل تخلت عنه الآلهة وتخلى عنه دعاة الانظمة المتحضرة..تخلى عنه الاعراب والاعاجم..لم يقل شيئا، وهو ذلك الفيلسوف العارف الذي أفتتن في وقت سابق بتلك الفلسفة التي ظلت تتغذى على أفكار لينين قبل أن تهاجر الى ماو في الصين.

   كان قد صادفه في احدى مكتبات العاصمة عندما كان يتجول رفقة فتاة تعرف عليها بالصدفة..قالت له عندما رأته يهجم على موسوعة معروضة في احدى الواجهات:

 - أظنك تحب قراءة الكتب الفلسفية..أليس كذلك ؟

16
 
 - أذكر جيدا أن أول كتاب وقع بين يدي هو كتاب لأفلاطون وأظنه جمهوريته.

 - سآخذك إذا الى مكتبة لا تبيع الا الكتب الفلسفية!.

 - هل هي قريبة من هنا؟.

 - لما هذه العجلة يا سيدي؟!.

 -أريد أن أصل بسرعة الى هناك..هيا لنستقل سيارة أجرة حتى لا نتأخر.

 - أريد أن أذهب ماشية..واذا أردت أن تستقل سيارة أجرة فاذهب بمفرك.

 - لكني لا أعرف هذه المكتبة التي تتحدثين عنها؟..ولا الشارع الذي توجد فيه؟.

 -هذا لا يهمني!..هل تريد أن أوقف لك سيارة أجرة..هذا ما أستطيع فعله ما دمت لا ترغب في الذهاب معي.

   ارتبك قليلا..أحس بأن شوارع هذه المدينة التي تطل على البحرالابيض المتوسط سترتمي بعيدا عنه وتتركه في هذا الخلاء الموحش وحيدا..سارع الى الاعتذار.

 - تقولين أنك ستوقفين لي سيارة !؟.

 - اتبعني اذا وانس موضوع السيارة.

   بدأت الخطوات تتتابع..وبدأت الايدي تتشابك ..وبدأت الاكتاف تتلامس..وشرعت لغة الفلاسفة تبدع لغة أخرى للتأمل الميتاحبي.

   عندئذ توافدت الافكار قادمة من كل صوب وحدب.. تصاعدت الشوارع والازقة.. وتمايلت الاشجار على حافة الطرقات..وتسارعت الحركة صاعدة نازلة..وتحركت الجبال الراسيات..ومادت الموانئ المحملة بالسلع والبضائع..وظهرت في الافق طيور النورس القادمة من بعيد لتروي

18
 
 قصة رحلتها مع كل مسافر..وأشرقت الشمس كاشفة عن أقاليم لها تضاريسها المتنوعة وأقاليمها الشاسعة..ولاحت في الافق تباشير يوم ليس كبقية الايام الاخرى..أمطاره غزيرة وشمسه حارة..وعواصفه مزمجرة.. ورعوده مدوية..وبروقه متلاحقة..وأمطاره متهاطلة.. متهاطلة..ورياحه منعشة.

   كم كان رائعا ذلك اليوم الذي قضيته صحبة هذه الفتاة المنحوتة من من عسل النحل ولبن العصفور..أطلعتك على فلاسفتها وأطلعتها بدورك على رجال طوح بهم الشوق بعيدا، فانتشوا تحت مظلة التصوف رغم ابتعادهم عن الشهوات والمسرات..لم تصدق في بداية الامر أن رجلا في مثل سنك سيكون قادرا على الفوز بهذا المنصب الروحي العظيم، لذلك علقت قائلة:

 - ان الحكمة من الفلسفة أن لا تكون فيلسوفا !.

رد ضاحكاك

- ان الحكمة من التصوف أن لا تكتفي بالتجلي والتحلي والتخلي بل يجب أن تسيح في الارض بحثا عن كوكب آخر تكون فيه القطب والمريد والرب.

   وعندما قفل عائدا الى مدينته الصغيرة استقبله سيبوس على طرفها مهللا، ولوحت له هوارة ضاحكة ورحبت به غرفته باكية..عندئذ فقط اكتشفت كم كان صادقا ومخلصا في أشواقه وجنونه، فكتبت له أول رسالة:"عد أيها المجنون فالحارات التي ركضنا في شوارعها ذات يوم قداحتلها رجال مات في قلوبهم الشوق والتأمل..عد فغرفتك مازالت كما تركتها..تزينها المجلدات والمنمنمات وبعض من جنونك ودموعك..

عد قبل أن تحتلها الدواب وتفسد ديكورها بروثها وبولها.. عد أيها الرائع لاكتشف معك مساحات أخرى لاشواق أخرى وجنون آخر.

   الرسالة الثانية: 

   هذا الصباح حاولت أن أنهض باكرة لأواصل رحلتي مع الحلاج..كانت أشواقه أشبه ببراكين متأججة..ذهلت في بداية الامر..صرخت من أعماقي عندما رأيتك تسبح في فضاء هذه الاشواق..حاولت أن التحق بك لكي أكون قريبة منك، لكني لم استطع..بكيت ساعتها..بكيت حزنا على تلك السنوات التي قضيتها طالبة على مدارج الجامعة أبحث عن شيء لا يمكن الاهتداء إليه الا عن طريق العقل.

   هكذا قالوا لنا.. أو هكذا اختزلوا الحقيقة حتى لا تراها عيوننا.

   الرسالة الثالثة:

  كنت نائمة عندما دق باب حجرتي..وبعد لحظات جاءني صوت أمي صارخا كعادتها.

 -هل تريدينني أن أكسر الباب وأدخل..ألا تشبعين من النوم..هيا قومي بسرعة.. ان موزع البريد ينتظرك لتوقعي على استلام طرد.

   هرولت الى الباب وفتحته.. مسكت الطرد بعد أن وقعت على استلامه.. لم يخطر ببالي اطلاقا انك مازلت تصر على أن أكون رفيقتك في هذه الرحلة الصوفية.

   لكن اليوم فقط عرفت كم أني كنت حمقاء، لاني كنت أشك في نيتك  تجاهي..عرفتها من خلال هذا الطرد الذي حمل الي رسائل ابن عربي

 دفعة واحدة ..ضحكت وقلت في نفسي وهل لمجانين الفن غير الكتب  ليقدموها هدايا الى عشيقاتهم..دعني أكون صريحة أكثر معك أيها الباحث عن لذة شوق.. دعني اقول لك مالم أجرؤ على قوله لاي رجل من قبل..ألست أنت القائل أيها الرائع:                  

 وتلك كانت تهمتي..

 في أرض لا تعرف معنى الحب،

 ولا معنى أن يولد من الحب أنبياء.

   أدهشتني المفاجأة وعقدت لساني الى درجة لم أجد ما أقابل به هذا الصمت الذي لم تعد تقدر على تحمله الأمكنة..هذه الامكنة التي مازالت ها هنا تحتفظ برائحتك..كنت أجدها مكومة أمامي على الصخور والاتربة.. استنشقها وأبكي..أتملى فيها طعم شفتيك الملتهبتين  وأنت تزرعهما شوقا، لكي يتأجج في جسدي.

  كانت المفاجأة كبيرة جدا.عندما فتحت الطرد وقعت عيناي على كتاب التجليات.. حاولت في بداية الامر أن أتفلسف لعلني أصل الى سر هذه التسمية.. لكن صوتك نهرني..طلب مني أن أركب موجة الشوق إذا ما أردت أن أعرف سر هذه التسمية..ازددت شوقا وأنا أقرأ هذا التجلي:" من صحت معرفته صح توحيده ومن صح توحيده صحت محبته فالمعرفة لك والتوحيد له والمحبة علاقة بينك وبينه بها تقع المنازلة بين العبد والرب".

   إذا هل هي تلك المنازلة التي تريدني أن أخوضها، وأنا عارية الا من وحدتي وجسدي.

   الرسالة الرابعة:

  وأخيرا تجلت لي حكمتك أيها العاشق!. ترى بأي عين أراك وبأي أذن سأسمعك؟.وبأي لغة أقرأ مشاعرك؟ وبأي لغة ستفهم عني؟.وأي لغة هذه اللغة التي ستكون قادرة على ترجمة هذه الاشواق القادمة من هناك.

 هذه اللغة القادمة من تلك الجبال وتلك الاودية والسهول التي تمدك بهذه الطاقة الروحية المعبرة.أي لغة هذه اللغة التي لا تعترف بسلطة تمارسهاهذه الامكنة على رجل اختار العيش بعيدا عن الاضواء ليكون حرا؟.

 وأي رجل هذا الرجل الذي بعيش في حجرة أشبه بزنزانة منفردة؟.

   عندما يئست أيها العزيز أخذت أمرغ وجهي بين أوراق كتاب التجليات وأبكي.. لعلني أتطهر من هذا الحب الذي انتقل لي عن طريق العدوى يوم التقيتك في تلك المكتبة.. هل كان علي أن ألتقي بك ؟..وهل كان علي أن أجيبك عندما سألتني عن الكتاب الذي كان معي؟..وهل كان علي

 أن اصطحبك الى تلك المكتبة لكي تشتري منها تلك الحزمة من الكتب التي ألفها رجال يطلقون على أنفسهم موجة الفلاسفة الجدد؟.

   الرسالة الخامسة:

  اليوم فقط وصلتني رسالتك الأولى منذ ان افترقنا..كنت خائفة عندما طلبتني على الهاتف لكي أرافقك الى المطار.أمي لاحظت حيرتي وترددي حاولت أن تجرني لكي أعترف لها، لكني تظاهرت بالتعب والمرض ونمت.

 لا أدري ان كانت قد سمعتني عندما انخرطت في البكاء..كنت أسمعها تتحرك داخل المطبخ..ربما كانت تسب.وربما كانت حزينة من أجلي.

 عاود رنين الهاتف من جديد.. رفعت السماعة وأعدتها الى مكانهاخوفا من أن يأتيني صوتك من بعيد معاتبا..حاولت وأنا داخل الفراش أن أختلق لنفسي الأعاذير والمبررات.عاتبتها على هذا التصرف الجبان . انكشفت لي حقيقتها..صعقت عندما عرفت أني وقعت في حبك بهذه السرعة..كنت أظن انها مجرد نزوة وسأتخلص منها بمجرد أن ترحل.. معتمدة على منهجي الفلسفي وعلى فلاسفتي الذين استنفرتهم واحدا واحدا، لكي اقضي على غرورك وكبريائك واطحن اقطابك الذين بدأوا يتسللون الى مخيلتي ثم الى ذاكرتي.

  كنت أحسهم يجوبون ليلا نهارا شراييني وأوردتي ..يحتلون مملكتي التي رسم خريطتها أرسطو  وابن رشد وطوما الاكخويني ونيتشه وسيمون دي بوفوار وجورج بطاي وجاك ديريدا وفوكو.

 وها أنت قد رحلت دون أن أودعك، أو أتركك تضمني وتقبلني قبلة الوداع، مع أني كنت أدرك جيدا بأنه ليس من السهل نسيانك، أو الهروب من حبك. أتعرف لماذا كنت خائفة أيها الصوفي المجنون؟..آه ليتك تعرف كم أني أحبك، وكم أني أخافك في نفس الوقت أيها العاشق الذي لا تنضب أشواقه أبدا !..لذلك فلا تلمني على فعلتي عندما تركتك ترحل

 دون أن أحضر الى المطار لكي أودعك وأبكي على صدرك مثلما فعلت سعاد وأخريات. أتعرف لماذا تصرفت على هذا النحو؟..كنت خائفة أن لا أكون ذلك النموذج من النساء القادرات على احداث معجزة التغيير في حياة رجل يقف مرابطا على حافة الجنون..لقد قلت لي عندما كنا نتمشى على شاطئ البحر:

 - ان المرأة التي لا تحول الرجل الى قطعة وجد ملتهبة لهي امرأة فاشلة وليست جديرة لا بالحب ولا بالاحترام.

   قلت هذه الكلمات وأنت تحدق في البحر..كانت هناك بعض النوارس تملأ عرض البحر بخفقان أجنحتها.. حاولت أن أستجير بها لعلني أجد عندها ما يوضح لي هذه الألغاز التي ترمي بها في طريقي..كيف لي أن أحولك الى قطعة وجد، لكي استمتع معك بهذه اللحظات؟..كيف لي أن أجعلك تهيم بي وحدي دون نساء هذه الارض؟.كيف لي أن أجعلك تبكي وتشرب حتى تسكر؟. ثم تقوم لترقص وتغني وسط الحانة هاتفا باسمي وبتلك اللحظات الجميلة التي قضيتها بين أحضانك أتأمل الطبيعة.

 كيف أجعلك تحتضن طيفي وتسافر..تهرب من نفسك ومن محيطك..تحتمي بالبراري والفيافي..تفترش الارض وتلتحف السماء وتناجي الكواكب والسفن المهاجرة..كيف السبيل الى ذلك ؟. ومتى تحين هذه الفرصة لكي أجعلك تبدع ما يخلد عذابي ودموعي..تكتب عن آلامي وأحزاني. تكتب عن تلك الدموع التي ذرفتها شوقا الى روحك العاشقة.

 تكتب عن الانقلاب المورفولوجي الذي أحدثه لقائي بك..هل ستكون وفيا بالقدر الذي أريد، وهل ستكتب عني بقوة الاعاصير والامواج..   تكتب عني بقوة البراكين والزلازل..تكتب عني القصص والقصائد التي تخلد ذكراي في العالمين..تكتب عني ما لم يكتبه قاص أو شاعر من قبل.. أريدك أن تعيد من خلالي سير الشعراء العذريين الذين انقرضت أخبارهم، وتعيد للحب ألقه الذي يرفض تجزئة المرأة... يرفض أن ينظر لها من حيث تبول فقط، ويتجاهل تلك المساحات الانسانية التي لا تحدها حدود.. يتجاهل توثبها الروحي والفكري..يتجاهل أشواقها وأحلامها.   يتجاهل أنوثتها المتفجرة أودية وأنهارا وبحيرات..أريدك أن تروي للناس قصتي كما عشتها معي..تقول لهم بعنفوان كبريائك وشموخك أنك أحببتني الى درجة الجنون..تقول لهم أنك همت بي كما لم تهم بأية امرأة من قبل..ترى هل ستفعل وتريحني ؟..هل ستكون لك الشجاعة، لكي تقول ذلك وفي حضور كل النساء اللواتي أحببتهن من قبل؟..أعرف أنك لست من الرجال الذين تحرجهم دموع النساء.. ولا من الرجال الذين تبهرهم المفاتن والبسمات.. أعرف أنك رجل له طقوسه الخاصة..

 رجل له مناخاته وتضاريسه.. رجل يحسن رسم خرائط نسائه بالالوان الطبيعية والكلمات الشعرية المتوهجة التي لا تشبه خرائط الرجال الذين التقيت بهم في الماضي..لقد كنت طوال هذه الرحلة من العمر أبحث عن رجل أعيش معه جنون الحب. وعندما التقيت بك خفت في بداية الامر.خفت أن لا تكون ذلك الرجل الذي حدثتني عنه لمساتك المجنونة وباحت لي به عيناك الملتهبتان شوقا الى عيون  تشرق منهما الشمس وتغرب فيهما..آه أيها العاشق الموغل في شرايين الخيانة ..هل كنت في كامل وعي عندما تركتك تأخذني بعيدا..كنت تسبح دون أن أدري على أي الشواطئ سترسو بي سفنك.. لست أدري لماذا أنت هكذا؟.

 هل لأنك عاشق وشاعر، أم لأنك اختزلت تجارب العشاق جميعا من شعراء وفلاسفة ومتصوفين في تجاربك الروحية، لذلك فاني لن أنتظر طويلا، لكي أعلن عليك الحرب، وأجعلك تعترف بحبي أمام تلك المرأة التي أخذتك عندما نفيت من قريتك ظلما..يبدو أن لعنة النفي ستظل

 تطاردك أينما ذهبت..وأن غيرة الرجال ومؤامراتهم ستظل تلاحقك من مؤسسة الى مؤسسة..ولا أظن أنك في حاجة لكي أقسم لك بالايمان   الغليظة، كي تصدقني بأنني بقيت أفكر دون أكل لمدة أسبوع كامل في أحداث تلك القصة الغرامية التي رويتها لي في آخر يوم من لقائنا..لقد قلت أن نهاد فهي المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تعتقك من جنونك لتدفع بك الى جنون آخر لم ترتاده من قبل..كيف حدث ذلك وأنت ذلك العاشق المجنون الذي يختزن في روحه تراث العشاق وحكمتهم المنبوذة..وبماذا تميزت هذه المرأة عن بقية النساء اللواتي عرفتهن؟..وأين موقعي على هذه الخريطة؟. هذا هو السر الذي ظل يشدني الى نهاد.

  كنت أغتاض كثيرا عندما أسمعك تتحدث عنها وكأنك تشرح درسا، أوتشرح جثة في غرفة العمليات أمام طلابك.

   لقد قلت لي وأنت تروي قصتها بشئ من القداسة والجنون انها امرأة اقتطعت من وسط هذه التضاريس المحصنة بهضاب وجبال وسهول و أودية.. انها امرأة تشتعل حبا وشوقا وجنونا أشبه بحب وشوق وجنون رابعة العدوية..

   أنا متعبة بقصصك وغرامياتك الى درجة كبيرة..هل كتب علي أن أحبك وأحب قصصك أيضا؟.ربما.. لكن لماذا أجدني مصرة على المضي في هذا الطريق المحفوف بالمخاطر؟.

 الكاتب: ابراهيم عثمان

           عضو باتحاد الكتاب الجزائريين سابقا.

           حائز لى جائزتين أدبينين في مجال الابداع القصصي.




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home