قصة

 

بيت جدي

أحمد طاهر العليو



 

"بيت جدي "

قصَّـــــة قصيرة

أحمد طاهر العليو

**********

   أسيرُ بين السكك الترابية الضيقة والملتوية ،بعد سنين قليلة من الهجران نحو بيت جدي الطيني  " الفريج  الشمالي "* القديم الذي كان يضم عائلات ، لم يكن بيتاً يضم في داخله أجساداً بل هو أيدٍ حانية على الفقراء والأيتام والأرامل ، وهو لي شجرة وارفة تحميني من أخطبوط الحياة بتواضع مرسوم على وجه بابه . 

   شهادة المدرسة بين أصابعي الصغيرة فيها دائراتان حمراوان ، فرأيتُ عصا أبي القاسية ترتسم في الشهادة  ، أبي توعدني بصوته الذي يخرج من كهف مظلم ، حين يلبسه الغضب ...تجحظ عيناه ...ويرتفع حاجباه بأعلى جبينه ، يلوح بعصاه كأنها أخرجت من جهنم ، يهوي بها على أي مكان من جسدي ،ولا يبتعد حتى يضج جسده بأنفاسه ، يكرمني في آخر الأمر ببصقة من فمه .   

    أخترقُ الساحة الواسعة القابعة قبل البيت ، الاكفهرار بارز على ترابها ، تبصق على آبار النفط ، تشتاق إلى ذلك الصخب وحفلات الأعراس وضجيج الأطفال ، تلك الأزقة والساحات كانت تضج بالحركة لسنين غارقة في القدم ، والآن افترسها السكون ولم يبق منهم سوى من لازالت جيوبهم خاوية .

 

    توقفتُ خارج المدرسة  ، قدماي لا تريدان السير ... فكرت في اعتذارات كي أتقي عصا

 أبي  ، رسمت أفكاراً لكنها لن تجدي نفعاً ، وفي تلك اللحظات توقف صاحبي في

المدرسة ، أخبرته بخوفي .

ـ " ليش ما تروح إلى بيت جدك ليحميك ؟"

   تأملتُ كلامه ، استحضرت ذاكرتي ، قصة روتها أمي ..

" كاد الدم يسيل إلى الركب " .... "  لو لا أن أشير إلى الأخوة بالذهاب إلى من يحكم بينهم ،   جلسوا عند جدك ، كأنهم بحضرة ملك ، تحدث الواحد بعد الآخر ، حكمَ فخرجوا والشفاه تدعو لجدك ."

   استحسنتُ الفكرة وأخذت أسرع الخطى حتى وصلت  إلى الباب الأخضر ... فتح جدي الباب ونظر إليّ بعينيه الرحيمتين ، وجدني كتلة من الخوف ، عندها أطلقت بكاء أشبه ببكاء ثكلى، ارتميت على جسده  .

     أشعرُ بشيء مفقود ، أرفع رأسي أرى السماء ، غربة المكان تلفني ، أدور كرجل ضائع ، أرى أكواما ً من الحجارة والتراب ، يسقط شيء من جسدي ، الجدران عابسة ، أرى الزقاق أمامي يرتفع شيئا ً فشيئا ً ، الباب الأخضر متمايل على وجهه، أطيل النظر فيه كرجل آثار يفحص قطعة أثرية .   ابتلع جدي حنقا ً ... احتضنني ...

 ـ " إشفيك يا وليدي ؟ ليش تبكي ؟! "

 أدخلني غرفته " المربعة " ... بعد أن علم بحكايتي ، فتح صندوقا ً صغيرا ً ، ناولني بيده الكريمة حلوى بعد أن سكّن اضطرابي وارتجافي ، أمرني بأن  أخرج نحو  " الحوي " ، رأيت الطيور تحط حيث شاءت مطمئنة ، جلست على الدرج ، تابعتها واضعا ً ذقني على كفي ، أتى أبي وأخذني وقد غُللت عصاه ويداه .    أتمتمُ " هذا بيت جدي " ... أمواج الألم تصطك في أعماقي ... يغلي الدم في كياني ... لم يقع الباب ، سكنت في أحشائه روح شامخة تأبى الانكسار ... أشاهد بقايا  " المربعة " ... شوك يغرز في قلبي ... صعدت فوق ركام الحجارة ... إنه " الحوي " ، يمتلئ بالتراب والحجارة وركام الفضلات ... الحجارة تعانق الحجارة بألم وصمت شجي ... بقايا الجدران تنظر إلى بعضها والدموع تسيل على سطحها ... تتدحرج  دمعة على خدي فتحرقه ... فتمتزج بتراب الأرض ... " لماذا تركوك هكذا ؟!، أرهقوك شبابا ، وتركوك يصرعك الموت حين هرمت ؟!" .

   أفتحُ صدر ثوبي ... أضيقُ بأنفاس الهواء ... أريدُ هواء بحجم الكون ... رعشة تسلبني هدوئي واتزاني ... صراخ وقهر ينزفان ... أخذتُ أحملُ الفضلات بعيداً عن البيت ... أنقلُ الحجارة ... أزيحُ التراب .

" تمَـــــــــــــــــــــــــــت "

_____________________________________

* حي قديم يقع في منطقة الهفوف في مدينة الأحساء السعودية .

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home