مقال

 

هتافات الصامتين فى كتابات المدونين

عماد رجب



 

هتافات الصامتين فى كتابات المدونين

 

عماد رجب

 

لعل أشهر من درس الخوف كظاهرة ضمن دراساته المتعددة للمجتمع المصري وانتشارها بشده هو الدكتور سيد عويس رحمه الله الذي أدين له بكثير مما تعلمت فهو أشهر من عايش الوقائع التي يدرسها فنجده يبحث فى القرى والنجوع وفى شوارع مصر القديمة وبين الناس البسطاء كي يقدم لنا صوراً حقيقية يدرسها ويقدم لها حلولاً اجتماعية.
ولعل دراسته للخوف ضمن دراساته المتعددة والقيمة للجوانب المجهولة في المجتمع المصري وذلك في أكثر من كتاب مثل الخلود في التراث الثقافي المصري, وكتاب هتاف الصامتين, وكتاب من ملامح المجتمع المصري المعاصر, وموسوعة المجتمع المصري.

قدم لنا الأستاذ الكبير سيد عويس أنماطاً عديدة من الخوف بعضها مكتسب بفعل فاعل وبعضها متوارث وأشدها خطراً ما هو بفعل فاعل, ولعل ما دفعة لدراسة مجتمعه بهذه الحنكة هو الخوف من المجهول كان يقول "شغلتني فكرة المجهول والخوف من المجهول في ثقافة المصري عبر تاريخه" وبرغم دراسته بلندن وأمريكا إلا أنه لم ينسلخ ككثيرين من الأكاديميين العرب الذين سلموا أنفسهم لليأس والخوف طواعية ورموا أنفسهم في أحضان الغرب فحارب من أجل مجتمعه وقدم له الكثير. ولست هنا لأقدم أستاذي الحبيب فهو غنى عن التعريف وأنا أجحفه حقه أن أقدم له فأنا أصغر من أقوم بهذا, وإنما أردت أن آخذ جانباً مما كتب فيه أحاول جاهداً أن أعرف ما الذي يحدث على أرض مصر.
فالخوف الذي كان ظاهرة تتبلور في الكتابة على السيارات ودعاء الله أن يسلم من كل هم وضيق وخرزات باللون الأزرق أو زيارات للأضرحة والعرافين أصبح لها الآن أبعادها السياسية الأخرى فنجد عبارات جديدة قد تفنن أصحابها في كتابتها مثل عبارات لرجال الشرطة والمرور وعبارات أخرى دينية تعاطفاً مع قضايا دينية أو قومية, وهناك نوع جديد كما يقول محمد هشام عبيه في مقاله (الأنترنيت في الوطن العربي هتاف الصامتين) : أن الأنترنيت أصبح أحد تلك الوسائل التي يعبر بها المواطن المكبوت عما بداخلة والتي خرج بعضها عن المألوف نتيجة التلسط الواضح والفساد المستشري.
وكذا أيضاً تطور بعض الأمثال الشعبية التي ظهرت بعد النكسة أو في ظل الاستعمار فهناك أمثلة كثيرة لم تكن موجودة و إنما أوجدها بعض اليائسون ليجدوا لأنفسهم حججاً للتهرب من الواجبات الاجتماعية أو الإنسانية أو الوطنية أو علماء الاجتماع الغربيون ليبثوا الخوف في قلوب المصريين مثل أمثلة, عيش جبان تموت مستور, إن كان لك عند الكلب حاجة قله يا سيدي, الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح.... وكثير من هذه الأمثلة التي ابتكرت في وقت الاستعمار سواء بنعت من علماء الاستعمار أو من بعض الخانعين.
إلا أن انتشار هذه النماذج الغريبة على المجتمع المصري بصورة كبيرة الذي هو في رباط إلى يوم الدين نتيجة فعلية للإحساس بالسخط المتراكم والذي وصل معه الإحساس باليأس أحد الحلول الممكنة فبلور الإنسان بعض هذه الأمثلة في صور جديدة كمثال أن جالك الأعمى كل غداة مش احن عليه من ربه اللي عماه, وكلها تخالف التقاليد والأعراف المصرية الطاهرة النقية الجواد, والسبب في هذا الانحراف هو النظام الموجود والذي استخدم كل الوسائل لتكبيل الحريات بدءً من الاعتقال حتى الرقابة على المطبوعات وأحاديث المقاهي والمدونات التي هي أخطر أنواع الصمت بما تحتوى عليه من مآسي كثيرة صعب أن تخرج على الألسنة أو تستشعرها في عيون المدونين ( الشباب المصري)
وهو ما بدأ يستخدمه البعض لينال بعض النقاط في مسابقته السياسية سواء الإخوان أو اليسار أو التيارات الأخرى للمطحونين في ظل نظام لا يعرف التعددية الحقيقية, وهو حق لهم لأنه لولا السخط ما كان الإحساس بالخوف أو اليأس, ولولا التسلط ما كان هناك داع للتغيير, ولولا ضياع الحقوق ما كان للهجرة أو التمرد مكان, وما خرجت تلك الكتابات العفوية إلا لتقول ما بداخل الإنسان من يأس أعتقد أنه يكفي شعوباً بأكملها وليس شعباً واحداً.
وقد تطور هتاف الصامتين بدرجة احترافية فرأينا مدونات يومية كمدونة بنت مصرية وواحد مصر ومدونة ميت, ومدونة مالك, وأخرى صحفية كمساحة حرة, والوعي المصري لوائل عباس, أشهر المدونات المصرية, ومصر الحرة, وثالثة أدبية كمدونة جار القمر, وخيال الظل, و مجلة العرب, والتي أصبح معها البطش هو الحل كما حدث مع المدونين البسطاء المسحولين على أراضى مصر المحروسة في وضح النهار. فهل أصبح هتاف الصامتين حرام عليهم ؟؟؟ أم أن الحل أصبح لا ممكن.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home