القلم السياسي

 

منا تعلموا هدر حقوق الانسان

رضا محافظي



 

منا تعلموا هدر حقوق الانسان

رضا محافظي

 

    ليس غريباً أن أن يكون صوت الأمة العربية " الرسمية " خافتاً جداً، بل يكاد يكون معدوماً، حينما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان المهدورة في العراق من طرف القوات الامريكية والقوات المتحالفة معها بدءاً من جرائم أبو غريب الى حديثة ومروراً بالعشرات من الحوادث التي عرفها العراق بعد دخول القوات الأجنبية إليه في ربيع سنة 2003م ناهيك عن الجرائم السابقة في حرب الخليج الثانية والحصار الرهيب الذي أعقبها وخلّف وراءه الآلاف من الضحايا. السبب بسيط ولا يحتاج إلى نباهة و قوة تفكير. عدد كبير من الأنظمة العربية يمارس باقتدار - تحسده عليه القوى العظمى المتعطشة للسيطرة - عملية هضم الحقوق الفردية و الجماعية السياسية وغير السياسية ويتفنن في أنواع القهر والإذلال بمختلف الأنواع على الشعوب. و بما أن حالها كذلك، كيف لها أن ترفع صوتها أمام الولايات المتحدة الامريكية أو غيرها تنديداً بما اقترفته وتقترفه من جرائم في العراق وفي غير العراق وهي التي لم يبق لها إلا ورقة توت واحدة تسترها لو أسقطتها لانفضح أمرها .

   تدرك الولايات المتحدة الأمريكية جيداً هذه الحقيقة ولها من المعطيات والدلائل ما تستطيع به تكميم أفواه سادة العرب والمسلمين متى شاءت، ولها على أراضيها من الأمثلة الحية من المقهورين سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو غير ذلك العشرات - بل المئات - من الأفراد والأسر . نفس الشيء حاصل مع بريطانيا، الحاضنة التقليدية لكل الهاربين من بلدانهم، ومع غيرها من البلدان الأوربية. ما كانت الولايات المتحدة الأمريكية ليجرأ على استباحة أرض العراق وقبلها أراضي أخرى، و تدعم قوى الغطرسة هنا وهناك وتمكنها لتجثم على صدورنا لو أنها وجدت أمامها مجتمعات متماسكة يرتبط رأس هرمها بقاعدته برباط من العدل والطاعة والوفاء معاً.

   مباشرة بعد دخول القوات الأمريكية إلى العراق، راحت تروج لأشرطة بصرية تظهر أناساً يتعرضون للتعذيب في سجون النظام العراقي السابق فتحت المجال أمام العشرات من الشهادات من هذا النوع، رامية بذلك إلى إظهار أنها قوة محررة للشعب العراقي من قيادة لطخت كرامته واستباحت حرمته وأذلته أيما الاذلال. و هي ستلجأ إلى تلك الطريقة مع كل نظام عربي أو مسلم يحاول التفكير في الانتفاض على السيطرة الأمريكية ولن تعدم الوسائل والحجج بالتأكيد حتى مع النظام العراقي الحالي الذي مكنت له بأيديها وأسست لعهده ووضعت أركان حكمه. هذا الأخير، وبالرغم من الصورة التي يريد أن يعطيها عن نفسه للعراقيين وللعالم أجمع، فانه ملطخ بما يلطخ كل الأنظمة العربية.

   لم يكن مفاجئاً جداً ما اتى به احد النواب الأردنيين من صور ومعلومات عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في أحد السجون التابعة للداخلية العراقية ببعقوبة، من هتك للأعراض واعتداء على المساجين - معنوياً وجسدياً – بما فيهم الأطفال بأخس ما يمكن أن يتصوره البشر من أجل انتزاع اعترافات محددة مسبقاً. و هذه ليست هي المرة الأولى التي يشار فيها بالبنان إلى السلطة الجديدة في العراق على أنها صارت هي بدورها مصدر طغيان وظلم واستبداد، ولن تكون الاخيرة ما دام أصل المرض لا يزال موجوداً. ما هي القوة التي يملكها نظام مثل هذا في قول كلمة لا للأمريكان وهو بهذا التعفن ؟ هل اهتزت أركان البيت الأبيض الأمريكي عندما صرح نائب الرئيس العراقي، السيد طارق الهاشمي، في بداية شهر يونيو وقال " نشاطر العراقيين كافة صدمتهم في تلك الجرائم الفظيعة. كنا نأمل ونعتقد أن فضيحة سجن أبو غريب ستكون نهاية المطلق، لكن يبدو أن سجل قوات الاحتلال زاخر بانتهاكات حقوق الإنسان في العراق "، و هل هرول بوش الى الرئيس العراقي طلبا للعفو والمغفرة وقدم جنوده المتهمين بارتكاب مجازر في حق المدنيين في "حديثة " وغيرها قرباناً لنيل رضا العرب والمسلمين ؟ أبداً.

   لقد صدق من قال أن الولايات المتحدة الأمريكية تعلمت من الأنظمة العربية الكثير في مجال انتهاك حقوق الانسان وها هي قد جاءت تمارس في الميدان ما تعلمته نظرياً دون حرج ولا وجل. وستظل في أرض العراق تستبيح أهله وخيراته في وضح النهار إلى أن تجد أمامها أمة يتساوى فيها الرئيس والمرؤوس والحاكم والمحكوم ويقودها رجال لا يحرجهم شيء ولا يخفون من أمور تسيير شؤون الحكم شيء ويرفعون أصواتهم أمام المحتل بقوة دون خوف من مستور فاضح.

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home