القلم الفكري

 

نحو التغيير والاصلاح

نبيل عودة



 

نحو التغيير والاصلاح

نبيل عودة

 

المشهد الثقافي العربي مليء بحالات التكلس الذي يمنع تدفق "الدماء الثقافية" ويجعل ثقافتنا تعاني من التوقف والانقطاع عن التواصل مع جمهورها المفترض.
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن فساد الأنظمة وعن غياب المساحة الحرة الضرورية لجعل المشهد الثقافي مؤثرًا على مجمل المشاهد السياسية والاجتماعية والتربوية.
حتى في ثقافة بعيدة عن تسلط أنظمة الفساد, مثل الثقافة العربية في اسرائيل, نجد أنها لم تقع بعيدًا عن شجرتها الأم، والأجواء السائدة في ثقافتنا لا تختلف عن الأجواء المرضية للثقافة العربية. ماتطلبه الأنظمة من مثقفيها لا يختلف عنما تطلبه القيادات العربية المحلية من "مثقفيها".
من ظواهر هذه الحالة ظهور فئة المثقفين "الوصاة" الذي يتصدرون المشهد الثقافي, دون أن يواجهوا بحقيقتهم, إنهم إهانة للثقافة والمثقفين, وإنهم مجرد مهرجين في المشهد الثقافي.
أمام هذه الحالة نرى أن ثقافتنا أصبحت منقسمة على ذاتها, بين "ثقافة رسمية" تدافع عن "المصلحة العامة" وثقافة متمردة على هذه الوصاية, تواجه ليس الرفض الثقافي الرسمي من الأوصياء الثقافيين. وإنما القمع الرسمي أيضًا.
صحيح أنه في حالة ثقافتنا العربية في اسرائيل, الحالة مختلفة بعض الشيء. ولكن تأثيرات الحالة العربية العامة تمتد وتشكل عائقًا على الفكر الثقافي عندنا أيضًا.
هذه الوصاية كثيرًا ما تبرز تحت عباءة الرقابة على الفكر والإبداع الذي تمارسه الأنظمة بتعاون كامل مع عناصر دينية متزمتة وتشكل التيار الديني الرسمي للنظام.
في السنة الأخيرة منع توزيع عدد من الكتب في دول عربية مختلفة, وتعرض عدد من الكتاب إلى التهديد والضغوطات الفظة.
هذه الحالة تعبر عن واقع سياسي مريض..... حقًا نحن بعيدين عن انظمة القمع السياسي والثقافي. وكم تبدو الأحاديث عن الإصلاح الدمقراطي مقطوعة من جذورها, حين تقرن بالفساد العربي... وأنا أدعي أن الفساد العربي له امتداده المحلي هنا أيضًا... وهذا يبرز بقوة في توقف تدفق الدماء الثقافية في جسد ثقافتنا, وفي تحول الثقافة إلى الشيء الزائد غير الأساسي في ممارستنا السياسية.
إن الفصل بين الثقافي والسياسي يقود إلى التعثر والانكفاء... تعثر ثقافي وانكفاء سياسي.
وهذه هي الحالة المرضية لثقافتنا ولسياستنا, حين تتحول السياسة إلى لعبة صراع بين مجموعة من الديكة لإبراز قوة مناقيرهم, وألوان ريشهم وتوهمهم أنهم الأوصياء الذين لا تسير الأمور بدونهم, أي بكلمات أخرى يمارسون عملية النفي للرأي المختلف, وللعقل الآخر ويرون بكل مبادرة اجتماعية, أو سياسية, أو ثقافية, تجاوزًا لمكانتهم... أو خطرًا يهدد امتيازاتهم. في هذه الحالة الحل يكون بإحداث انتفاضة ثقافية تنهي الابتذال والوهن, تنهي الطغيان السلطوي والفساد السياسي. تنهي العداء المتأصل بين القيادات السياسية والثقافية, بصفتها أبرز تعبير عن الضرورة في التغيير والاصلاح الاجتماعي والسياسي, وهذه المعادلة تصلح لواقعنا السياسي والثقافي أيضًا, رغم اختلاف العديد من المعايير.

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home