قصة

 

حقيبة من جلد التمساح

عبد الرحيم العطري



نص

حقيبة من جلد التمساح

                                                    عبد الرحيم العطري

                                                      كاتب و باحث من المغرب

حتما ستغادر السرير باكرا ، ستمضي مسرعة نحو الحمام ، و بعدئذ إلى المرآة ، آه من المرآة ، ال " كلنا " نعشق التحديق فيها ، كما لو أننا نعيد اكتشاف ذواتنا من جديد ، أو على الأقل لنطمئن أننا ما زلنا آدميين ، ما دام العالم منته إلى زوال و انمساخ ...

ستحرص حتما على استعمال العطر الذي حدثتني عنه على ضفاف وادي السيليكون ، ستصبغ شفتيها بالأحمر القاني ، كما حمرة الوقت في لهيب الضياع ، و ربما تحافظ أيضا على " زواج الألوان " داخليا ، ألم أخبرها على الماسنجر أنني أعشق ذلك اللون الكارثي و هو يعصر الأماكن الحساسة؟ إنه يقلب موازين اللذة و الألم ، يحيلني شخصا آخر ، و ربما ثورا هائجا من ثيران الكوريدا ....

متأكد أنها ستمضي أزيد من ثلاث ساعات قبالة المرآة ، لتتوجه إلى دولاب الملابس ، ستختار " لباسا إداريا " في غالب الأحايين ، هكذا قالت ذات " شات " عابر ، لكنها ستحتار في الحسم في اللون المناسب ، لو كنت بجانبها لاحترت لها الأبيض إيذانا بالولادة و الامتداد ، لكنها عنيدة كما العادة ، و هذا ما يشدني إليها أكثر ، على الأقل في هذه المسألة تختلف جذريا عن زوجتي التي لا تجيد غير الطاعة العمياء ، إذن ستختار الأسود رغما عن أنفي الأجدع . و بعده ستعود مجددا إلى المرآة ، لتتأكد مرات أخرى من اتساق ماكياجها المائل جدا إلى البنفسجي .حتما ستفعل ذلك كله في ست ساعات ، لتكون في الموعد كالزهرة العذبة في عنفوان الربيع ، ستبدو رائعة جدا في تمام الثانية عشرة زوالا بمحطة القطار الرباط / المدينة . لا أدري لماذا فرضت علي هذا الموعد المفتوح على لذة البطن أولا ؟ هل تظنني آخذا إياها إلى مطعم فاخر ؟ ألا تعرف جيدا أنني أحسب البصاق ريالا من شدة البخل ؟

سآخذها إلى قصبة الأوداية ، فالمكان شاعري للغاية ، طبعا لن نستقل سيارة أجرة ، فالترجل عبر الشارع الرئيسي و كذا"السويقة" له مذاق خاص جدا ، و فوق هذا كله فسيارات الأجرة باتت ترهق الجيوب من سرعة " الكونطور " ، كما أنني لا أستطيع أن أقلها على متن سيارتي ، لقد أقسمت لزوجتي ألا تركبها أي امرأة غيرها .

أنا الآخر سأمكث طويلا أمام المرآة ، أتأملني ، أمعن النظر في الشيب الذي علا الرأس و الذقن ، أغوص في ندم على فائت أنفق في اللاشيء ، أتأمل جرحا أعلى الجبين ، أتذكر أنه من فعل شقاء الطفولة ، أذكر أيضا أنني هزمت ذات الجرح بالبول و " التحميرة " ، هكذا نحن في المغرب العميق ، نرفض تعاليم باستور ، و نهزم المرض و العفن و العطب بأشيائنا الخاصة جدا .

        سأحرص على استعمال مرطب الشعر ، لهزم خصلاتي المتمردة صعودا ، سأرغمها على الانبطاح فروة ، حتى لا أبدو مثل قنفذ البحر ، سأمطر وجهي و صدري و إبطي تحديدا بوابل من العطر الرفيع ، يتوجب علي أن أكون في مستوى الحدث ، أليس العطر أقصر طريق إلى قلب المرأة ، و ربما إلى تخوم شبقيتها الغائرة ؟

لن أتردد في اختيار تلك البدلة الرسمية بربطة عنقها الذهبية اللون ، و كذا الحذاء الأسود ذي العلامة الفاخرة ، الذي أهدتني إياه زوجتي بمناسبة عيد زواجنا الثامن عشر ، الجوارب سأمطرها بالعطر الرخيص هذه المرة ، فلربما تفوح منها رائحة عطنة جراء المشي من محطة القطار إلى قصبة الأوداية ، علي أن أستعد لكل المفاجآت غير السارة .

سأمضي أزيد من ست ساعات استعداد لهذا اللقاء الذي انكتب أخيرا ، بعد طول تواصل على خيوط العنكبوت الافتراضي .كان البدء ذات مساء بارد كانت تغط فيه رفيقة الدرب في نوم ثقيل ، على الماسنجر انكتب اللقاء صدفة ليثمر حبا عميقا ، عام من الرسائل الإلكترونية القصيرة جدا ، الدافئة كثيرا ، عام من الحب الافتراضي استوجب لقاء واقعيا في عز ظهيرة يوم قائظ .

ما عدنا نستطيع الفكاك من هذا الحب السيليكوني ، أنا ال " عزيز " الذي عانق الأربعين سنة و لم يجرب الزواج قط ، و هي ال " سميرة " التي احتفلت أخيرا بربيعها التاسع و العشرين ، و لم تعرف إلى طعم الحب سبيلا ، هذه هي هويتنا المستعارة التي أقسمنا على أنها الحقيقة ، لا بأس عندما أقابلها سأعترف لها بكل شيء ، فحبها لي سيجعلها تسامحني على كذبتي البيضاء ، حتما ستسامحني ، إن لها قلبا بحجم السماء ...

الساعة تطل على منتصف النهار ، سأتعرف عليها من خلال حقيبتها اليدوية المصنوعة من جلد التمساح ، لا أدري لماذا اختارت هكذا علامة للتدليل عليها ؟؟ و ستعرفني أيضا من خلال ربطة عنقي الذهبية التي أهدتني إياها زوجتي الأسبوع الماضي ، ستكتشفني أيضا بواسطة حقيبتي الممهورة باسم الجامعة التي أحاضر بها .

محطة القطار الرباطية ملأى عن آخرها ، كما كل يوم ، بزبناء اللذة ، الراغبات في الانصياد , الراغبون في الاصطياد يستعمرون السور القصير المطل على السلالم المؤدية إلى أسفل ، عجائزهن منذورة لمن يدفع أحسن ، و عيونهم لا تنتهي من التشوير و الغمز .

أوهمت صاحب الكشك المنتصب ركنا ، أنني قارئ محترم ، يبحث جديا عن عنوان ضائع ، ما كنت أرغب في القراءة و لا الشراء ، أقلب صفحات الكتب و المجلات ، و في الآن ذاته أرقب الباب باحثا عن سيدة تتأبط حقيبة التمساح .

فجأة ، يأتيني صوت دافئ من الخلف ، يناديني باسمي المستعار " عزيز " ، استدرت نحو سيدة بحقيبة من جلد التمساح ، تسمرت في مكاني ، تاهت عني الكلمات ، غنها هي صاحبة الحقيبة إياها و اللباس الإداري الأسود و أحمر الشفاه القاني ، و الماكياج البنفسجي ، و ربما الملابس الداخلية الحمراء ، و أنا أنا صاحب اللباس الرسمي و الربطة الذهبية و الحقيبة الممهورة باسم الجامعة ، أنا محمود صديق زوجها عبد الرفيع الأقرب إلى الخافق من كل الأصدقاء ، و هي كلثوم صديقة زوجتي صفاء و الأقرب إلى خافقها من كل الصديقات .

لم أنبس ببنت شفة ، هي الأخرى صامت عن الكلام ، غادرت في صمت ، ما عاد الكلام مجديا في هكذا موقف ، الصمت الفادح سيد الموقف و المكان ، تهت بين الزحام ، لا ألوي على شيء . رفعت الأقلام و جفت الصحف .

       




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home