القلم العلمي

 

نظرة جديدة للقرآن في مشروع بحثي جديد في برلين

محمد شاويش



 

 

 

نظرة جديدة للقرآن في مشروع بحثي جديد في برلين

القرآن بين العصر المشترك والتاريخ المنقسم

 

محمد شاويش- برلين

 

افتتح في برلين في 16 شباط- فبراير2006 مشروع يستمر خمس سنوات اسمه العام: ""أوروبا والشرق القريب –الشرق القريب وأوروبا Europa und der Nahe Osten – der Nahe Osten und Europa". 

وفكرة المشروع تقوم على البحث في العلاقات المتشابكة السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية بين أوروبا و "الشرق الأوسط" في التاريخ والحاضر.

 وهو مشروع مشترك بين "مؤسسة فريتز تايسن Fritz Thyssen Stiftung" وأكاديمية العلوم البرلينية البراندنبورغية والكلية العلمية في برلين. مؤسسة فريتز تايسن رصدت لتمويل المشروع مليوني يورو، وهو يتفرع إلى أربعة مشاريع مكونة إضافة إلى ندوة:

1-         "القرآن كنص من أواخر العصور القديمة المشتركة والتاريخ المنقسم Der Koran als Text einer gemeinsamen Spaetantike und geteilten Geschichte "

2-         تقاليد متحركة: منظورات مقارنة لآداب الشرق الأدنى.

3-         مقارنة المدن: الكوسموبوليتية في فضاء البحر المتوسط والمناطق المجاورة.

4-         الفكر السياسي في الإسلام الحديث منظورات شرق أوسطية وأوروبية.

5-         ندوة: التقاليد ونقد الحداثة: العلمانية والأصولية والدين من منظورات شرق أوسطية.

 ويشارك في هذه النشاطات باحثون ألمان من جامعات برلين الثلاث ومن الجامعات الألمانية الأخرى علاوة على باحثين أوروبيين، ومن المقرر دعوة باحثين من أقطار " الشرق الأوسط" يبلغ عددهم خمسين باحثاً كل منهم يدعى لمدة سنة حيث يعمل كل منهم في الوقت نفسه على إنجاز رسالة علمية خاصة به ويلقي كل أربعة عشر يوماً محاضرة في ندوة برلينية.

وفي هذا التقرير سأتكلم فقط عن المشروع الأول "القرآن كنص من أواخر العصور القديمة المشتركة والتاريخ المنقسم" الذي قدمت له في المؤتمر الصحفي البروفسورة أنجليكا نويفرت مسؤولة قسم الدراسات العربية في جامعة برلين الحرة، وفيما يلي يجد القارئ ترجمة لكلمتها التقديمية في المؤتمر ثم خلاصة مقابلة أجريتها معها في هذا الموضوع:

 

1- كلمة البروفسورة نويفرت في المؤتمر الصحفي:

 المشروع "القرآن كنص من أواخر العصور القديمة المشتركة والتاريخ المنقسم " له هو نفسه تاريخ: لقد انبثق من مشروع سبقه هو ذلك الذي صممه وولف ليبينيز Wolf Lepenies ونافد كرماني Navid Kermani المسمى "الهرمنوطيقا اليهودية والإسلامية بما هي نقد ثقافي"، وهو المشروع الذي طرح في خمسة الأعوام التي استغرقها العمل فيه تجربة متحدية: في عمل مشترك بين باحثين من الشرق الأدنى وباحثين غربيين قرئت نصوص مؤسسة في الإسلام واليهودية قراءة جديدة تغض النظر عن سلطتها المرجعية، وهذا بهدف مساءلة المطالب الإقصائية المشتقة منها وكشف مشروطيتها التاريخية.

إن الاتجاه العابر للثقافات لذلك المشروع الذي اختتم، والذي هو في الوقت نفسه نقد ثقافي، لا زال إلزامياً في المشروع الجديد: إن تقرير وجود "أواخر عصور قديمة مشتركة" يضع ضمناً موضع المساءلة المنظور السائد لنشوء الإسلام كوسط ثقافي هو في مقابل اليهودية والمسيحية "آخر" جوهرياً. إن نشوء القرآن سيعاد بالأحرى إلى سياق حقبة مشتركة مع اليهودية والمسيحية وصائغة لأوروبا اللاحقة ألا وهي أواخر العصور القديمة.

بالترافق مع هذا توضع على المحك النقدي وجهة النظر الغائية السائدة في الشرق الأدنى التي ترى أن التاريخ العربي الإسلامي المهم يبدأ بالقرآن ويجد غايته في التحقق السياسي للإسلام،  بحيث يصبح نجاح أو عدم نجاح الإسلام مقياساً يقيّم على أساسه الميراث الثقافي الخاص ويثير بالتالي مشكلة هوية. على النقيض من ذلك يركز المشروع النظر على التعددية الثقافية كثوابت للثقافة الإسلامية ويرافع بناء على ذلك لصالح نظرة للتاريخ منفتحة قد أزالت الحواجز الثقافية.

هذا فيما يتعلق بأواخر العصور القديمة المشتركة.

الآن أنتقل إلى الحديث عن التاريخ المنقسم للقرآن. إن الأبحاث في القرآن ليست مختلفة التوجه بين الشرق والغرب فحسب، بل هي بسبب عدم الثقة المتبادل بين الباحثين تمارس منعزلة الواحدة عن الأخرى. لا يوجد ما يناظر البحث التاريخي النقدي  للكتاب المقدس في الأبحاث القرآنية في الإسلام. مع ذلك ثمة عدد متزايد من الباحثين ضمن الإسلام الذين جلبوا إضافات في موضوع السياق التاريخي للقرآن. وهكذا يحاجج العالم المصري نصر حامد أبو زيد الذي كان مشاركاً مهماً في تشكيل المشروع السابق منطلقاً هرمنوطيقياً من عدم إمكانية  تجاوز أي نص بما فيه القرآن للأفق الثقافي والتاريخي للمتلقين. هكذا يعمل على أرخنة Historisierung القرآن. بالذات لأن مثل هذه الجهود مختلف بشأنها في العالم العربي والإسلامي في الوقت الراهن فإنها تحتاج إلى مظلة محايدة من خارج المنطقة مثل تلك التي يقدمها مشروعنا.

على أن القناعة التي تكمن في أساس المشروع والتي تقول إن كل فهم للتاريخ هو بحد ذاته أمر تاريخي يجب تطبيقها أيضاً على نقد البحث القرآني الغربي الحديث. على أي مصادرات مسبقة صامتة حول الدين والمجتمع تستند السيناريوهات السائدة لنشوء القرآن؟ إلى أي درجة هي الإضافات في علم القرآن مشروطة بالقوالب الثقافية لتخيل الشرق على أنه "آخر" أكان هذا بالمعنى التبخيسي أم بالمعنى الرومنسي؟

نظراً للتشابك الوثيق بين البحث في القرآن والفروع العلمية المجاورة كعلوم اليهوديات  Judaistik  ودراسات الكتاب المقدس Biblistik و الدينيات  Religionswissenschaft فإن تفكراً ماورائياً  Metareflexion في علم القرآنيات Koranwissenschaft يعد باستنتاجات هامة لأجل المعرفة الأوروبية وتاريخ العلم كما هي ستكون موضوعاً في المشروع الإطاري "أوروبا والشرق القريب –الشرق القريب وأوروبا". 

 

2- مقابلة مع البروفسورة أنجليكا نويفرت حول المشروع:

 

في مقابلة مع البروفسورة نويفرت، أجريتها في مكتبها في قسم الدراسات العربية في الجامعة الذي تديره، قالت السيدة نويفرت إن الفرضية التي ينطلق منها المشروع (وتتبناها هي) تقول إن ثمة أرضية معرفية مشتركة نشأت على أرضيتها أديان ثلاثة: اليهودية الربانية و المسيحية والإسلام. هذه الطريقة في الفهم هي وحدها التي تمحو وجهة النظر المنتشرة في الغرب والقائلة إن "القرآن هو آخر" قياساً بالثقافة اليهودية المسيحية.

هذه استراتيجية لمحو الصورة الغلط. نحن لا نريد الانتقاص من رتبة القرآن كوحي (أنا أقول إن الوحي حقيقي) لكن الأساس هو هذه المعرفة المشتركة. أنا لا أقول إن النبي نفسه كان له وعي بهذه المعرفة بل أتكلم عن المستمعين الذين ما كان لهم أن يفهموا الخطاب القرآني دون أن يكونوا قد امتلكوها.

نريد أن ندرس الإسلام على المستوى نفسه وليس من فوق إلى تحت!.

إن الأديان كلها تشير إلى مبادئ مشتركة وهذا هو الجزء الأول من المشروع.

هناك دراسات قرآنية في الغرب تحتاج إلى قراءة لأنها تفصل بين الشرق والغرب على حين أننا ننوي الوصول إلى جهود مشتركة بين الباحثين من الشرق والغرب لكي نعيد التفكير في الصورة الموجودة المؤسسة على القراءة القديمة للقرآن.

وهناك محاولات لأرخنة Historisierung نص القرآن. نصر حامد أبو زيد ليس هو أول واحد فقد كان هناك قديماً علم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ.

 

 

 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home