مقال

 

وأد المشروع الثقافي الفلسطيني بزجه في المعترك السياسي

مهند صلاحات



 

وأد المشروع الثقافي الفلسطيني بزجه في المعترك السياسي

 

مهند صلاحات

 

وأد المشروع الثقافي الفلسطيني بزجه في المعترك السياسي على هامش رفض إستفتاء أبو مازن

 

ليس غريباً على الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه السياسية والإجتماعية والثقافية صنع عقدة الإختلاف كهوية جديدة لهذا الشعب القائم على أسس التعددية، لكن الغريب حقاً هذه المرة أن يسطو الخطاب السياسي على المؤسسات الثقافية الفلسطينية، فبعد عناء طويل في محاولات جادة لخلق مشروع ثقافي فلسطيني دمر الإحتلال جزء منه، والخلاف السياسي الأيدولوجي الجزء الأكبر منه، تأتي المؤسسات الثقافية الفلسطينية بشكل غير مبرر لتتحول إلى منابر "ردح" سياسي بشكل جاهل، فالمثقف من الصعب جداً عليه أن يتحول لسياسي وأن يؤيد أو يرفض القرار السياسي، وأن يتحول بنظره عن المشروع الثقافي بإتجاه المشروع السياسي.

لا شك أن ترابط المشروع السياسي مع الثقافي والإجتماعي كنسيج واحد في بناء البنية التحتية لاي شعب أو دولة، لكن الغريب أن تتبدل الأدوار وتسير بناء على الأهواء الشخصية، بحيث تتحول كل المؤسسات الثقافية والإعلامية والفكرية والاجتماعية إلى مؤسسة سياسية تختلف على القرار السياسي بجهل.

مناسبة هذه المقدمة ما قام به إتحاد الكتاب الفلسطينيين، وتجمع الكتاب والأدباء الفلسطينيين بإصدار بيان مشترك يرفض إجراء الإستفتاء الذي قرره محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية بناء على وثيقة الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية، والحقيقة لست لأقف موقف المؤيد أو المعارض للإستفتاء بقدر ما أستنكر تحول الخطاب الثقافي إلى سياسي وبشكل جاهل غير مبرر، فكل ما جاء في البيان بناء على مواقف سياسية لأشخاص كانوا في المعارضة ضد مشروع أوسلو الفلسطيني الذي وقعه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كأحد الإطروحات السياسية المؤقتة لحل القضية الفلسطينية، والذي لم نجد في المقابل من يطرح حلاً بديلاً له في المقابل، بل أكتفى الجميع في الوقوف بالظل في موقف المعارضة أو كما نسميه بالفلسطينية العامية ( حردان).

يحاول البعض أن يحول المؤسسات الثقافية الفلسطينية –هذا إن بقي لدينا حقاً مؤسسات ثقافية- إلى دكاكين سياسية تتبع أهواء اللجان التحضيرية فيها، وهذا يُعيد إلى الأذهان محاولة نقل المؤسسة الثقافية إلى المجرى الحزبي العربي ذي الحزب الأوحد، أو الزعيم الأوحد، فأصبحت البيانات الثقافية تصدر على شكل قرارات حزبية من شاكلة ( نفذ ثم ناقش).

إن البيان الذي صدر مشتركاً بين تجمع الكتاب وإتحاد الكتاب لهو خطأ في محاولة جرّ المثقفين الفلسطينيين إلى حلبة الصراع السياسي القائم بين محمود عباس وحكومة حماس، بالتالي محاولة لصنع معسكرين سياسيين من المثقفين، أو محاولة لجر كل المثقفين لمعسكر مثقف السلطة مرة أخرى.

لا يحق لأي مؤسسة ثقافية إصدار قرار أو بيان يتعلق بالشأن السياسي وخاصة في هذا الوقت الذي تتصارع فيه القوى الفتحاوية -إن جاز التعبير- مع القوى الإسلامية على السلطة، بل مطلوب منها أن تقف في الحياد، وتوجه أنظارها صوب المشروع الثقافي الفلسطيني أولى لها من خوض صراعات، وصنع معسكرات سياسية لن تؤدي بالنهاية إلا إلى الحرب الأهلية الفلسطينية، وحينها سنجد المثقف الفلسطيني يحمل السلاح في وجه الشعب فتسقط هويته الثقافية والعلمية.

إن موضوع الإستفتاء لمن أراد أن يعلق عليه من المثقفين الفلسطينيين أن يعلنه بموقفه الشخصي، لا أن يقوم بتمرير أرائه الشخصية باسم تجمع أو إتحاد أو مؤسسة ثقافية تجمع عدد من المثقفين والكتاب من كل الأطياف السياسية، فالبعض يرى في الإستفتاء محاولة لإنتشال الشعب الفلسطيني من المأزق الذي سقط فيه بعد إنتخاب حماس، والبعض الأخر يراه محاولة لزج حماس للإعتراف بإسرائيل ضمناً، والأخر يراه إستكمالاً للعملية الديمقراطية الفلسطينية التي أوصلت حماس للسلطة بطريقة ديمقراطية، وربما يُسقطها كذلك بذات الطريقة الديمقراطية، لذلك يجب أن ندع السياسي يقوم بعمله، وإن استوجب الأمر للأسف الوصول لتناحر سياسي، فيجب أن يبقى هذا التناحر مقتصراً على من يرى الدم الفلسطيني رخيصاً، أرخص من الكرسي الذي يجلس عليه.

لن نكون كمثقفين شركاء إراقة الدم الفلسطيني – الفلسطيني، عبر محاولة بعض المتنفذين في قرارات المؤسسات الثقافية الفلسطينية بزجنا في المعركة السياسية بشكلٍ سافرٍ غير مبرر.

يجب أن يعي الجميع أن المثقف هو أرقى فئات المجتمع، وليس فرداً عادياً لتمر عليه مرور الكرام محاولة زجه بالمعركة السياسية الحزبية بشكل خاص بين حزب عباس وحزب حماس.

لذلك نرفض كمثقفين فلسطينيين أن يقوم إتحاد الكتاب أو تجمع الكتاب أو غيره من إصدار بيانات كتبها الأمين العام للإتحاد أو التجمع وأصدرها باسم الجميع دون أن يأخذ رأيهم أو يجري إستفتاء على ما يصدره باسمهم، فنحن كمثقفين سنقف في خندق الشعب دوماً، ولن نكون في صف أي حزب سياسي، ومن يحاول أن يحول التجمع الثقافي إلى مؤسسة حزبية فالأولى به أن يعلن عن تأسيس حزبه بدلاً من أن يستغل المؤسسة الثقافية لتكون منبره الحزبي.

المشروع الثقافي الفلسطيني تم القضاء عليه كاملاً، ولم يعد لدينا أي نواة لتأسيس هذا المشروع، والمحاولات الفردية التي يقوم بها البعض من المثقفين في محاولة إحياء هذا المشروع، يحاول بعض الجاهلين بعمد أو بغير عمد وأدها عبر الزج بالمثقف الفلسطيني بالمعترك السياسي، وهذا الأمر خطير جداً ولا يجب السكوت عليه.




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home