مقال

 

المرأة الفلسطينية والجور

وليد درباس



المرأة الفلسطينية بين جور المجتمع وجور نظام الكوتا

        لقد مثلت المرأة الفلسطينية ومنذ النكبة خير حاضنة لتراثنا الوطني،  وبكل جوانبه، حيث غرست عبر إقصوصاتها اليومية، وأحاديثها العائلية أطياف ملاعب الطفولة, وأغاني ليالي السمر, ودفء شتاء فلسطين، وحلاوة الحنون والبرقوق.

ولشد ماتغنت ببطولات رجالات الانتفاضة الفلسطينية المتلاحقة، وما تمخض عنها من مواجهات ضد سلطات الانتداب ( الاحتلال) البريطاني، وضد مرتزقة العصابات الصهيونية. فأحيت فلسطين في ذاكرة جيل اللجوء ، وكبر الجيل وفلسطين معاً.

ومع الانطلاقة المعاصرة لثورة الشعب الفلسطيني، ارتقت المرأة الفلسطينية بعطاءاتها وكفاحها العنيد، فعملت في شتى ميادين النضال،  بدءاً   بأعمال الدعم وأشكال المساندة المتعددة، وصولاً لمشاركتها في معارك الإغارة وعمليات الاشتباك المسلح مع جنود العدو الإسرائيلي، فكانت الشهيدة والأسيرة والجريحة .

لقد مثّل زخم هذا الكفاح خير شهادة  لهذه العطاءات، حازت خلاله المرأة على إعتراف وإقرار بدورها ومكانتها في معركة الحرية والاستقلال والبناء، وأقرتها أدبيات الثورة وبرامج الاحزاب والقوى الوطنية الفلسطينية، وشهدت بمكانتها منظمة التحرير الفلسطينية.

 

        من نافل القول أن الاعتراف بهذه التضحيات بقي دون هذه العطاءات بكثير وكثيرجداً نعتقد أننا لسنا مغاليين إن رددنا مسببات ذلك إلى عوامل عدة ولعل أبرزها:

تأصل العقلية الذكوريه بتربيتنا، وتناميها تحت تأثير التربية العائلية وعادات وتقاليد المجتمع، وبكل ما يعنيه ذلك من حصر للتعاطي مع المرأة من زاوية الوصاية والتبعية ومحاولة القفز عمداً عن المؤهلات والقدرات الكامنة لدى المرأة، حيناً هنا وحيناً هناك, اللهم اليسير الممكن إستثناءه  خارج هذه المعادلة، رغم أن هناك الكثيرات من اللواتي نجحن ووصلن إلى أماكن مرموقة في المجتمع الفلسطيني، في شتى المجالات الفكرية والسياسية والوطنية.. الخ   مستفيدات من الأجواء الديمقراطية التي أسهمت في تكوين شخصياتهن ، وإنطلاق قدراتهن وسط أسرهن وحيث أمكن للديمقراطيه أن ترسي مبادئها في عقول الدعاة إليها أو المتغنيين بها، من مثقفيين ومتنورين وأحزاب سياسيه وقوى وطنية وديمقراطية.

 

        لقد سعت الأحزاب السياسية والمنظمات الديمقراطية واليسارية إلـى تمايزها عما سواها حيث أقرت بدور المرأة وأهميته في العملية السياسية والوطنية الفلسطينية وترجمت ذلك عبر برامجها السياسية والتنظيمية، ولشد ما تواجه ذلك أيضا بمقاومة ليست سهـلة بتاتاً، حيث تستيقظ وأحياناً بهلع الموروثات العائلية والمجتمعية لتحول دون تجسيدنا لما كنا قد إعترفنا وتغنينا به.

 

في هذا السياق لابد من القول أن التغلب على الموروثات هي بمثابة ثورة على (الآنا) وثورة على الذات، وهي بحاجة الى مقومات هامة، لعل أبرزها يعود إلى الرجل ذاته ولمدى قدرته على كبح ظاهرة الفوقيه والتفوق التي نشأ وترعرع في كنفها .

كذلك فإن تطور الوعي المجتمعي، وإيلاء هذا الجانب الأهمية المستحقة عبر تضمينه البرامج الدراسية وندوات التثقيف والتوعية، كلها أمور هامة ولا بد منها كي تسير العربة مستقبلاً على عجلين متوازيين.

وفي هذا السياق لابد من أن تضطلع المرأة بمسؤولياتها ودون تردد أو توان وبما يعزز من قدرتها على إقناع الرجل أنها بمستوى المسؤولية وجديرة بها، خاصة اللواتي تحملن ولا زلن مسؤوليات تؤهلهن للمشاركة في صنع القرار الاجتماعي والوطني، وأيضاً اللواتي نذرن أنفسهن للمضي في ذات الطريق الكفاحي، وإنخرطن للعمل في الأحزاب السياسية والوطنية، عبر السعي بإستمرار لتعزيز قدراتهن التعبوية والثقافية والتعليمية, وتكريس ما يلزم من الجهد, والإلمام في سبيل ذلك، وبما يمكنها من حشد النسوة ليشكلن حلقة قوية ومتماسكة تملك من القدرة ما يعزز من فرص إنحيازها لجانب حقوقها علماً أن ذلك لا يتعارض بأي شكل من الأشكال مع قناعاتها السياسية، وأياً يكن منحى موقفها السياسي، أو مرجعيتها  (الحزبية والتنظيمية )    والعمل لاحقاً لتشكيل جبهة نسائية عريضة، تسهم في تطوير البرامج السياسية والتنظيمية عامة ودون إغفال لدورالمرأة ومكانتها.

 

        إرتباطـا بذات المضمون السابق, وزيادة في إلقاء الضوء  لملاحظة أبداهـا السيد أمين سر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان العميد سلطان أبو العينين ويشاركه العديد العديد في ذلك والخاصة بتعاطي المؤتمر الثامن لمنظة حزب الشعب الفلسطيني بلبنان بشكل لا يتوافق وبرنامج الحزب وتقاليده المعهوده، والمتمثلة بحرمان المرأة من (الكوته) الخاصة بها بالهيئة الاولى لقيادة الساحة، مما يعني حرمانها من المشاركة في صنع القرار عامة وبما يتعلق بالجانب النسوي خاصة.

 

أعتقد أن لمضمون ماسبق ذكره أثر هام بذلك, وهذا بدوره يشاركنا به أقله معظم القوى والاحزاب الوطنيه الفلسطينية، ناهيك عن أننا وهي أيضا تقر بنظام الكوته للمرأة. لذا فالواقع لايعكس دائما حقيقة تلك التوجهات، ولا حتى التقيد بنصوص هذه البرامج مما يعني أن الانظمة الانتخابية وفي ظل الفسحة الواسعة للديمقراطية غالباً ما تحول لأنظمة عرجاء و يصبح تطبيقها أسير النزعة الذكورية، وإستهانة ليس بالمرأة فحسب بل وبالبرامج الحزبيه. وفي أحسن حالات ترجمة نظام  ( الكوته )  يعمد إلى إختيار المرشحات ورغم قلة عددهن، دونما إعتبار دقيق للمقاييس النضالية والتجارب الحزبية بحيث نفقد معها القدرة المتوازنة للاستفادة والجمع الخلاق  مابين  أصحاب الخبرة وحماس جيل المستقبل.

 

       رغم أن نظام الكوته هو خطوة إيجابية، إلا أنها بذات الوقت خطوة منقوصة في ظل غياب الاشراف والمراقبة والمسائله، ناهيك عن محاولاتنا  للهروب إلى الأمام من إستحقاقات لاتتوافق بتاتاً ومتطلبات معركة الحرية والاستقلال التي يخوضها شعبنا وتدفع فيها المرأة الفلسطينية ضريبة الدم  دونما أي  تردد من أجل كنس الاحتلال  الإسرائيلي عن أرضنا، ومن أجل حق شعبنا في العودة وإقامة دولته الفلسطينية السيدة المستقلة وعاصمتها القدس .

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home