القلم النقدي

 

درس في النقد

نبيل عودة



 

درس في النقد

بقلم : نبيل عودة

                                                               1

كتب الزميل الناقد  الدكتور بطرس دلة ( من قرية كفرياسيف  في الجليل - بدأ يكتب النقد وبكثرة بعد تقاعده من سلك التعليم ) مراجعات نقدية عن ديوانين شعريين للشاعر رشدي الماضي ( من سكان مدينة حيفا, بدأ كتابة الشعر بعد ان تقاعد  هو أيضاً  من سلك التعليم ) الذي ينشر في الفترة الأخيرة بكثرة وفي عدة صحف محلية .

يقول الزميل الناقد في بداية مقالة نقدية عن ديوان للشاعر رشدي الماضي : " وهو في جميع ما يكتب تتجلى شاعريته بخصوبة الفكر والكلمة التي باتت تميز ما يكتب . وهو انسان واسع الاطلاع مثقف وقاريء كثير القراْة والمطالعات . ونحن نلمس ذلك من خلال قصائده والتلميحات الكثيرة لمصطلحات ادبية عالمية ولأسماء لامعة في الابداع في أدب الغرب والشرق على حد سواء , وهو الى جانب ذلك متبحر في قواعد اللغة العربية وبحور الشعر على مختلف تفعيلاتها ."

أمام هذه المقدمة للمقال  "النقدي ", لم نقرأ نقدا , إنما سجودا وتأليها, وهذا حق مشروع للناقد على المستوى الذاتي, ولكن عندما تتحول هذه " الفتوى" الأدبية الى مقال نقدي ينشر كنقد ادبي موضوعي , يصبح من حق القاريء ان يفهم القاعدة التي ينطلق منها هذا التأليه وعبادة الصنم المتمثل بالشاعر وشعره موضوع " النقد ".

الملفت ايضا ان الناقد يثبت في نقده مسائل شخصية تماما قبل الحديث عن المنقود . يكتب : " واسع الاطلاع مثقف " (هل هناك شعراء غير مثقفين ؟- ن.ع.)  و "نلمس من خلال قصائده التلميحات الكثيرة لمصطلحات ادبية عالمية ولأسماء لامعة في الابداع "( من يستعمل الاصطلاحات الأدبية العالمية ويكرر أسماء أدباء لامعين يصبح شاعرا كبيرا ؟ أصلا لم أجد في شعره لا اصطلاحات ولا أسماء لامعة – ن.ع .)  و " متبحر في قواعد اللغة " (هل من شعر بلا قواعد عربية ؟ - ن . ع .) ونجيء للسؤال الأساسي: هل حقا عثر الناقد على كنز شعري  .. وهل في كتابات رشدي الماضي شيء من الشعر يستحق هذا المديح المنفلت والتقريظ غير المعقول ؟ 

تعالوا نقرأ القصائد التي الهمت الناقد هذه الفتوى النقدية التأليهية , وهي القصائد التي اعتمدها الناقد في  " دراسته الموضوعية " وذلك حتى لا يتهمني  بسوء النية في اختيار النماذج . يقول رشدي :

وإذا انتابتك ؟!  ( علامتا السؤال والتعجب في الأصل وليسا من إضافتي )

  فائض من شهوة

فاجعل رأسك منجنيقا

سيظل فينا طفل

يأبى أن ينحني

وأن يركع

هل أطربكم هذا الشعر ؟ ما العلاقة بين الشهوة التي تنتابك والطفل الذي يأبى أن ينحني ؟ لا تسألوني الإجابة واقسم بكل الأنبياء إني لا أعرف. بالطبع لا ترابط بين المعاني ..وهي أمور لا يفهمها إلا ناقد هذه القصائد, بارك الله فيه وبجهوده النقدية, وأمد في ابداعه النقدي! وجاء في قصيدة أخرى :

البس قميص الغدر !!

واغسل لونه الأحمر    ( اللون الأحمر لون الغدر أم لون الثورة  ؟ - ن .ع . )

أنا ...  وإن رميتني في برية

الموتى

أنا هنا قيثارة صبر لنواح

الذاكرة

أنا هنا وقد عدت الى هاتيك الحكاية

سأظل في غيابته

"يوسف " يمسك ...

بالخروج

حتى مرور المعجزة...

حتى مرور المعجزة...

 

فهمتم شيئاً ؟! الناقد فهم وطرب وكتب : "الشاعر في هذا الديوان انسان مرهف الحس , فكل كلمة لديه لها وزن خاص ووقع خاص أيضا "

بالله عليكم أعيدوا قراءة ما يسمى شعرا . هل لمستم شيئاً من الحس المرهف للشاعر ؟ وهل باستطاعتكم الآن معرفة الوزن الخاص لكل كلمة ووقعها الخاص أيضا ؟!

لا تضيعوا وقتكم في القراءة للمرة الثالثة, يكفي أني أضعت وقتي وجلبت لنفسي وجع الرأس .

عن ديوان آخر لنفس الشاعر ( رشدي الماضي ) يكتب الزميل الناقد ما يلي ببداية المقال "النقدي الموضوعي ":

عزيزي الأستاذ الشاعر الكبير رشدي الماضي ! أنت تفاجئنا من حين لآخر بهذا الإبداع الزاخر وهذه الإطلالة المشرقة في عالم الشعر المحدث, حتى باتت قصائدك التي تنشرها في صحفنا المحلية محط أنظار الجميع, تلفت الانتباه بشكل كبير, فيهتم بها القراء الذواقة, ويحتفظون بها إلى أن ترى النور في ديوان من بنات أفكارك !"

ماذا تبقى للنقد بعد هذه المقدمة التي شمل فيها كل القراء ( وأنا منهم ) , وادعى أننا نحتفظ بقصائد الشاعر المنشورة حتى تصدر في ديوان. لماذا لا تتحدث باسمك عزيزي الناقد ؟ وأي ابداع زاخر واطلالة مشرقة ؟؟ بحثت وقرأت, وللأسف لم أجد إلا قصائد ما دون المتوسط بكثير ..ولو كنت محررا أدبيا لما نشرتها . 

الأمر الأخير عزيزي الناقد الدكتور بطرس دلة, أنت تتحدث عن "شعر محدث", أي حداثة هذه التي تعنيها ؟! وهل حقا تفهم ما هي الحداثة ؟! أم أن استعمال الاصطلاحات بات لعبة أدبية في ظروف الأزمة الأدبية الشاملة التي تعيشها ثقافتنا المحلية ( داخل اسرائيل )؟ حقا لماذا التردد في الكتابة, ولماذا التفكير النقدي العقلاني  ما دام لن يقرأ النقد إلا المنقود وبعض الانتحاريين أمثال نبيل عودة, بعد أن انفض القراء عن قراءة الشعر ونقده ؟!

عزيزي الناقد المحترم ... ما كتبته لرشدي الماضي ليس رسالة شخصية إخوانية, إنما تقييما أدبيا نقديا وفي هذه الحالة انت تنطلق من الخاص بينك وبين الشاعر إلى العام الذي يخص ثقافتنا  (المسكينة) أو خطابنا الثقافي إذا ظل لهذا الخطاب حدود مدركة... ومع ذلك يفترض الحذر الشديد والالتزام بالمنطق النقدي البديهي, التجرد من العلاقة الشخصية وعدم تحويلها إلى قاعدة نقدية أساسية .. أو الصمت لمن لا يملك القدرة على الالتزام بالصدق والاستقامة النقدية ... والمهم عدم الرعونة في تتويج الملوك على ثقافتنا, لأنه لا ملوك في الثقافة .. ولأن الملوك تسقط ولن يتبقى الا ملوك اوراق اللعب الخمسة . من حقك عزيزي الناقد أن تطرب لقصائد زميلك في التعليم والتقاعد رشدي الماضي, ولكن ليس من حق أحد ان يفرضه ملكا للأبداع الشعري " مهما تجلت شاعريته بخصوبة الفكر " كما كتبت . للأسف لا شعر في كتابات رشدي الماضي ولا حتى نثر قريب للشعر أو للأدب . ومع ذلك الموضوع ليس موضوع رشدي الماضي, إنما نهج خاطيء أرجو أن يكون زلة قلم وحماسة زائدة مصدرها الزمالة التاريخية في سلك التعليم, وما يميز الناقد والمنقود كونهما من جيل "اكتشف" الأدب, "إبداعا ونقدا" بعد التقاعد من سلك التعليم . تحياتي للناقد والمنقود ... والموضوع ثقافي عام  ويخصنا جميعا . لذا اقتضى التنويه !!

 

2

لا أريد ان يتوهم القاريء أني أستاذ في النقد الأدبي , أنا قاريء متذوق للأدب, وحسب مارون عبود, الذائقة الأدبية هي أفضل معيار نقدي, وعلى أساسها مارس أعظم النقاد العرب (مارون عبود) عمله النقدي الثقافي الابداعي الخالد, ونفس الظاهره نجدها لدى الناقد الكبير محمد مندور .

يؤلمني حتى النخاع التضليل الأدبي الذي يقوم به بعض مثقفينا, تحت نصوص تسمى بالنقد, يغيب عنها النقد, وتغيب عنها الذائقة الأدبية البديهية, وأكثر ما يغيب عنها المصداقية والاستقامة الأدبية, وهذه الظاهرة تتسع باضطراد في الثقافة العربية داخل إسرائيل, ويساعد على ترويجها في الفترة الأخيرة بعض الأدباء العرب في مقدماتهم التي تفيض بالمدائح غير المعقولة لبعض الكتب لأدباء من العرب في إسرائيل .

لست ضد رعاية الناشئين من كتاب وشعراء, بل هو واجب مقدس. ولكن بين الرعاية والدعم, والمديح المنفلت لدرجة تنمية الوهم المجنون, بانهم بلغوا قمة الابداع الأدبي, ببعض النصوص التي تفتقد لأي لون أدبي حقيقي, ولا تتعدى كونها تجارب ومحاولات لصياغة أدبية, بات يشكل في ثقافتنا ظاهرة مقلقة, أصبح الصمت عليها جريمة أدبية وأخلاقية. الناقد الذي لا يفقه مهمته وأثرها الكبير على مسار ثقافتنا, يجب أن يصمت, وأن يمارس ما يشاء من الألوان الثقافية ..ليلعب لعبته بعيدا على أن لا يتسلل لتوجيه الأهداف غير المشروعة, التي تكرارها يشكل خروجا عن المفاهيم الأدبية وأخلاق الابداع الأدبي.

وحتى لا يفهمني خطأ الذين أتعرض لهم بكتاباتي في إطار حرية الرأي والتعددية الفكرية والذوقية, أود أن أوضح بأني أحب كل المساهمين ببناء صرح أدبنا, كتابا وشعراء ونقاد, لا فرق بين الذين يوفقون في إبداعهم أو يتعثرون ...طريق الابداع ليست "أوتسترادا "للانطلاق السريع, إنما طريق جبلية بالغة الصعوبة, وتفترض مسوى من الوعي وتطوير الوعي, إلى جانب تطوير الخصائص الشخصية, خصائص السيطرة على النص وقيادته, بدل أن يقودنا, وخصائص تنمية الملكات العقلية, وهذا ليس وقفا على المثقفين الشباب, بل وعلى كل مثقف يزين صدره بالألقاب الأكاديمية العليا أيضا .. لأنه ببساطة لا حدود للوعي والإدراك في العقل البشري .

الثقافة لها مدلولات أبعد كثيرا من مجرد الإبداع الأدبي, الأدب هو الجانب الروحي للثقافة, والثقافة بمفهومها التاريخي تشمل الإبداع المادي أيضا, أي انجازات الإنسان العمرانية في الاقتصاد والمجتمع والسياسة, وهذا يحمل الناقد على الأخص, وكل المبدعين في مجال الثقافة الروحية, مسؤولية كبيرة أن لا يغرقوا في المبالغات المرعبة في بعدها عن الواقع, تماما كما في العمليات الاقتصادية والاجتماعية, ولا يمكن تجاوز الواقع بالكلمات الجميلة فقط هذه المقدمة الطويلة كان لابد منها, لأهمس في أذن الزميل الدكتور منير توما, ما سبق وقلته لزميل آخر. من حقك أن تطرب لقصائد شاعر أو شاعرة معينة, ولكن ليس من حق أحد أن يفرض ملكا جديدا, ما تكتبه عزيزي الناقد  د. منير, ليس رسالة شخصية, إنما تقييما أدبيا نقديا, وعندما أقرأ القصائد التي أطربتك أصاب بالصدمة والذهول, إذ لا شيء من الشعر فيها ... مجرد محاولات كان من المبكر جدا أن تجمع في ديوان, وحتى يكون كلامي واضحا أعني ديوان الشاعرة آمال عواد – رضوان : " بسمة لوزية تتوهج ".

أتمنى لآمال رضوان مزيدا من الإبداع الشعري, ولكن ديوانها لم يتجاوز كونه تجربة شعرية, قد تبشر بالخير, أما أن نجعل منه عبقرية شعرية, فأنت تلحق الضرر بآمال نفسها وبمستقبلها الشعري ..

أنت تتحدث عن شفافية شعرية .. وأنا في حيرة, لم أجد شعرا , فكيف اهتديت إلى الشفافية ؟ والحمد لله أنك لم تستعمل تعبير "الحداثة "أيضا , الذي يحب استعماله البعض بمناسبة وبغير مناسبة .

حتى لو كان الديوان عبارة عن نصوص حب وانصهار وأحلام  في الصبابة والغرام, فهذا لا يجعله شعرا حتى لو أثار حماستك  "الثقافية", ولا يعني كشف خلجات النفس الانسانية انها شفافية شعرية, ومن, أيها الشاعر باللغتين, العربية والانكليزية, يعرف صحة ذلك أكثر منك ؟!وإذا كان لابد فهذا استشهاد من مقالتك "النقدية" عن القصائد التي سحرتك وأمتعتك :

" لم يتأوه حبيبي

والنار تتآكل في دمائه ولا تأكله؟

أما كان الأولى بنيرانه أن تتأوه؟

افتح لي قلبك الذهبي حبيب قلبي

واسكب أحشاءه على راحتي ..

بالأسى,

سمعت وعولك تناغي ظباء حزنك

آه يا رحم روح

أتولد فينا ؟"

 

حتى لو كانت الفتاة العاشقة كما تقول, التي تتحدث الشاعرة بلسانها: "تجسد بركانا من الألم ولهيبا من النيران ... وبحرا من الدموع" وأن: "صورة الوعول والظباء تمثل الرغبات العاطفية". ( الويل لنا من هذه الرغبات والويل لنساءنا) ثم ما الذي أعجبك ناقدنا العزيز بالصورة الشعرية التي تتحدث عن: "واسكب احشاءه على راحتي "؟ طبعا لمنير استنتاجات أمتنع عن ذكرها احتراما للشاعرة, لأنه يسيء اليها في خلطه النقدي . ومع ذلك هذا لا علاقة له بالشفافية الشعرية, أو بالشعر البسيط .

ولابد من سؤال للدكتور الشاعر والناقد منير توما: هل العشق والحب يحولنا إلى وعول وظباء ؟ أو ربما يعيد الإنسان الذي فينا إلى الغابات ؟! وهل ممارسة الحب بأسلوب الوعول والظباء هو التعبير كما تكتب في نقدك: " عن خلجات نفس شاعرتنا وأنين مشاعرها "؟!...وهو ما جعلك تختتم نقدك العبقري بالاستخلاص بأن الشاعرة: " تتمتع بموهبة شعرية أنيقة, رومانسية النزعة "؟!

لا أريد أن أسترسل حتى لا أظلم الشاعرة آمال عواد, فنقدك أساء لها كثيرا, وحالنا مع نقدك مثل المثل العربي الذي يقول: "جاء يكحلها عماها ".

وأقول لكل المبدعين الشباب, إياكم والغرور, أفضل ان لايعالج نقادنا الأوادم أعمالكم الأدبية, من أن يعموا عيونكم عن الحقيقة وعن الابداع الأدبي الحقيقي !!




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home