القلم السياسي

 

حكومة وطنية مستقلة ... حل مناسب للأزمة الفلسطينية الراهنة

نهاد عبد الإله خنفر



 

حكومة وطنية مستقلة ... حل مناسب للأزمة الفلسطينية الراهنة

 

نهاد عبد الاله خنفر

 

أزمة فلسطينية خانقة يعيشها الشعب الفلسطيني على كل الأصعدة، وهي أزمة حقيقية وجادة وقد تكون الأعمق بالقياس إلى المخزون الفلسطيني الموروث من الأزمات المتلاحقة التي لا تقع تحت حصر، فهي سلسلة متتابعة من الأزمات والمشتقات التي واكبت المسيرة الفلسطينية منذ وطئت الأقدام الصهيونية الأولى على الأرض الفلسطينية حتى قبل وعد بلفور عام 1917، وحتى لا أكرر الرصد التاريخي الذي يحفظه الفلسطينيون عن ظهر قلب، فإنني سأدخل إلى صلب المقالة مباشرة ودون إطالة، وبعيدا عن التنميق اللغوي أو التطويع اللفظي، حيث أبدأ بالقول بأن هناك أزمة فلسطينية داخلية تتعمق يوماً إثر يوم وتشتد بوادرها السلبية على الأوضاع الفلسطينية لأسباب كثيرة ومتعددة يجتهد الكثيرون ويبوحون حيالها بالكثير من الأسباب، كلٌ من زاوية اجتهادية خاصة تختلف من شخص إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، ومن فصيل إلى فصيل، وهكذا دواليك، حتى لكأننا أصبحنا أمام واقع متقلب من الصعب الامساك بزمامه أو بلورة مواقفه المتناثرة في كل الاتجاهات. إن مجيء حركة حماس إلى السلطة بالأغلبية الساحقة التي حصلت عليها جراء الإنتخابات التشريعية الأخيرة، وضعها أمام محك عملي هو الأصعب في تاريخ إنشاء وبناء السلطة الفلسطينية، وخصوصاً بعد تشكيلها للحكومة الفلسطينية منفردة ودون مشاركة من التيارات الفلسطينية الأخرى، مما جعلها مسيطرة بشكل قوي وشبه كامل على مجريات السلطتين التشريعية والتنفيذية، طبعاً كانت سيطرة واضحة وكبيرة على المجلس التشريعي، وسيطرة جزئية على السلطة التنفيذية من خلال الحكومة الحمساوية الصَرْفة، إذ أنها مجبورة وملزمة بحكم التقاليد القانونية على تقاسم السلطة التنفيذية مع مؤسسة الرئاسة التي تحتفظ بصلاحيات تنفيذية وتشريعية لا تقل عن صلاحيات الحكومة، وعلى الرغم من منطقية هذا التقاسم، إلا أن خصوصية الظرف الفلسطيني  المتشابك والمعقد، عكس تضارباً ملحوظاً في تقاسم السلطة وتوافقها على برنامج واحد، مما أدى في حقيقة الأمر إلى العصف بالكثير من أسس التواؤم المطلوبة لقيادة الشعب الفلسطيني نحو مرحلة وأفق جديدين، وذلك تحت وطأة التعارض بين برنامج المؤسسة الرئاسية والمؤسسة الحكومية، حيث أنهما برنامجان مختلفان حد التعارض والتناقض الذي التبس على الكثيرين كيفية حله، بعد أن أعجزت البرامج السياسية لحماس ( الحكومة )، ولفتح ( الرئاسة ) نصوص القانون الأساسي ( الدستور ) في الحكم والفصل في كثير من الأمور المتنازع عليها والتي لا زالت تثأر بطريقة محبطة ومخيبة للآمال، إلى درجة الخلاف الواضح على الأخذ بوثيقة الأسرى التي كنت أعتقد أنها ستكون مخرجاً حقيقياً ومهماً وتاريخياً من الأزمة الراهنة، وخصوصاً لما لاقته من إجماع قيادي فصائلي لرموز الحركة الفلسطينية الأسيرة في السجون الإسرائيلية، وبالتالي فحتى الاستفتاء الذي طرح كمخرج لاستجلاء رأي الشعب الفلسطيني في وثيقة الوفاق الوطني أصبح الأن يخضع لعمليات أخذ ورد لا نعرف إلى أين يمكن أن نصل معها، وإلى ما يمكن أن تصل إليه الأزمة في أعقاب كل التنافرات والاستقطابات والتجاذبات التي يبدو أن لا حل يلوح حيالها بالأفق القريب، وأتمنى أن أكون مخطئاً في ذلك. مع العلم أن أداة الاستفتاء يتم اللجوء إليها في دول العالم كأداة ديمقراطية حاسمة بين الهيئات التي تتنازع الحكم ليقول الشعب رأيه الأخير في ترجيح البرامج المطروحة على بعضها. ولكن الخلاف حول اللجوء إلى الاستفتاء كأداة حاسمة يدلل على المرحلة المتقدمة التي وصلت إليها حدة التناقضات والخلافات البرامجية والاجتهادية.

 أخذت الأزمة تتعمق بعد تشكيل حماس للحكومة الفلسطينية بشكل إنفرادي ودون وجود أي مشاركة فصائلية فيها – طبعاً هذا ليس مجال منتقد بالنسبة لي-، وبالتالي أصبح على حماس أن تضع نفسها وحيدة على محك التحديات العملية القائمة على المستوى الداخلي والخارجي وبطريقة مختلفة تماماً عن كيفية إدارتها للأمور عندما كانت في المعارضة، إلى أن وصلت الأمور إلى الحد الذي نراه اليوم، ففي الوقت الذي فازت به حماس بأغلبية مريحة بل وساحقة، أخذت الجماهير التي أوصلتها إلى هذه الأغلبية بالإنقسام على نفسها عند تقييم الأداء الحكومي ومقارنته بالوعود الإنتخابية والبرامج السياسية التي طرحتها حماس قبيل الإنتخابات، وبالتالي أصبحنا أمام حالة خلافية كبيرة أدت إلى التشكيك بقدرة حماس على قيادة الحكومة منفردة، وخصوصاً في أعقاب الضغوطات التي واجهتها والتي باتت تهدد المصائر الفلسطينية بمستقبل مجهول، وقد وجدنا الكثير من الأصوات التي تنادي برحيل حكومة حماس وإعادة تشكيل حكومة ائتلافية تشارك فيها كافة الفصائل كمخرج من الأزمة المتعمقة يوماً بعد يوم، ولكن دون النظر إلى الأمور بواقعية، إذ أنني أرى أن الحكومة الائتلافية على فرض نجاح الفصائل في تشكيلها والاتفاق بشأن التقسيمات الوزارية والمحاصصة الفصائلية فيها – مع أنني أشك في ذلك – فإنها ستكون حكومة متناقضة مع ذاتها بالنظر إلى التنافس الحزبي المؤدلج الذي سيدخلنا في متاهة جديدة لها علاقة بالصلاحيات والتعديات وما يتبعها من تصريحات ستبدأ بالخروج على لسان هذا الفصيل أو على لسان ذاك، تارة بالتنكر لقرار وزارة المالية في صرف ميزانية لهذه الوزارة على حساب تلك، لأن المالية تابعة لهذا الفصيل وتلك الوزارة تابعة لفصيل آخر، أو أن نرى هناك نزاعاً محموماً بين كادر هذه الوزارة وبين الوزير الفلاني لتعارض الإنتماء السياسي لموظفي الوزارة مع الوزير المعين، بالنظر إلى أن كل المؤسسات السلطوية الأن تخضع لاستقطاب حزبي محموم سيودي إلى مزيد من المهالك والمخاطر، وبالتالي فإننا سنصبح أمام وزارة متنازعة مع ذاتها ومع كادرها، فبدلاً من أن نقدم حلاً للمشلكة، فإننا سنزيد من تفاقمها من خلال إشعال النار الحزبية من جديد. وأمام ذلك فإنه لا يمكن لنا طبعاً أن نطرح بديلاً حزبياً واحداً، كان نقترح أن تعيد حماس تشكيل الوزراة وبالتالي العودة إلى المربع الأول في ظل التقييمات المختلفة التي تظهرها استطلاعات الرأي لأداء حماس في الحكومة، وكذلك فلا يمكن الأن تحت أي ظرف من الظروف من إعادة طرح أن تشكل فتح الحكومة لما لاقته حكوماتها السابقة وأداؤها الحكومي من إنتقادات لم يعد فحواها خافياً على أحد، وليس أولها القصور الإداري الفاضح، ولن يكون آخرها استشراء الفساد في بعض مؤسساتها – والقول مردود على رأي الشارع الفلسطيني الذي دخل المعركة الحزبية وأصبح أكثر ضحاياها - ، وعلى كل حال، فبقاء حماس في الحكومة مُشكلة، لأسباب ليست مجهولة، طبعاً هذا اذا أردنا أن نحاكي الأمور بواقعية، مع خلافنا المبدئي لكثير من الممارسات التي مورست ضد الحكومة المنتخبة ديمقراطياً، وأولها معاقبة الشعب على خياره الديمقراطي الذي دفع إليه دولياً، ولكن ليست هذه هي الحكاية، فلو كان العالم يتعامل مع الأمور السياسية بواقعية مبدأية لكانت القضية الفلسطينية قد انتهت إلى حل عادل منذ ما يزيد على النصف قرن. إن العودة إلى الواقعية، ولا أقصد هنا التنازلية، إنما يقودنا إلى الإعتراف بأننا في ظل الحكومة الحالية نعيش في أزمة آخذة بالتعمق والتوغل، ولا نعرف إلى أين ستنتهي الأمور في نهاية المطاف، ومع حكومة فتحاوية فإن الأمر قد يكون مشابها ولكن من وجه آخر، وبصورة مختلفة يجتهد الكثيرون في توصيفها، وإن كنا أمام خيار حكومة الائتلاف فإننا سنكون أمام إعادة هيكلة الخلافات الحزبية بطريقة وأسلوب جديدين، وهنا نأتي إلى خيار آخر وجديد، صحيح أنه كان قد طرح قبل هذه المرة، ولكنني شعرت أن الجميع قد مروا عليه مرور الكرام، وهو خيار تشكيل حكومة وطنية مستقلة لا تنتمي إلى الأحزاب أو الفصائل السياسية على الإطلاق، وترأسها شخصية وطنية تكون قادرة على النهوض من قلب الأزمة، بعد أن نكون واثقين من عمق القدرة والتأهيلية لهذه الحكومة ورئيسها من حيث مقبوليتها السياسية لدى الأطراف الداخلية على الصعيد المحلي، ولدى الأطراف الإقليمية والدولية على الصعيد الخارجي، مما يذهب بنا بعيداً عن الاتهامات المتبادلة التي أصبحت تطال كل ما هو فصائلي منفرد، أو تنظيمي مؤتلف، تلك الاتهامات من قبيل إنتماء هذه الحكومة أو تلك وارتباط قياداتها بهذه الدولة أو هذا النظام وما يترتب على ذلك من تشكيك في قدرتها ونيتها لخدمة المصالح الوطنية العليا، وما إلى ذلك من خدمة المصالح الحزبية الضيقة على حساب الشعب الفلسطيني بأكمله، وباختصار فإن السعي إلى تشكيل حكومة مستقلة سيدفع بالأمور إلى التوازن المطلوب على كافة الأصعدة، مما قد يدفع بكل فصيل لإعادة حساباته الداخلية مرة أخرى، دون تحسس من هنا أو هناك، فتمارس حماس دورها القوي والمراقب والمحاسب لكل المسؤولين من خلال أغلبيتها الكبيرة في المجلس التشريعي، وتقوم الرئاسة بدروها الوطني دون أية شوائب، ودون أي تنازع مع الحكومة على صلاحية من هنا أو صلاحية من هناك، بعد أن تتحرر من الضغوطات التنافسية على الصعيد الداخلي، والضغوطات الخارجية على الصعيد الدولي، فتستقر الأمور، بعد أن يأخذ كل دوره الحقيقي في بناء قواعده الحقيقية الشفافة القائمة على جهود الخدمة الوطنية التي يمكن التنافس عليها بعيداً عن المناكفات، مع قدرة الفلسطينين حينها على محاججة كل العالم بعدم شرعية حصاره، وبعدم صدقية الطرح الإسرائيلي بعدم وجود شريك، مما قد يؤسس لمرحلة فلسطينية جديدة، قد يكون التحشيد الإنتخابي فيها مطلوباً للإنتخابات القادمة دون اللجوء إلى إشعال النار التي ستحرق كل ما هو فلسطيني، دون أن يربح فيها أحد، إلا عدو متربص يعرف من أين تؤكل الكتف. نعم، الحكومة الوطنية المستقلة من الممكن أن تكون عنواناً وطنياً جديداً يعيد التوازن والهدوء إلى المعادلة الفلسطينية المتأرجحة بين هذا الفصيل أو تلك الحركة. حكومة لن يقيدها قيد غير تلك القيود القانونية التي سيلجأ إليها الجميع حتماً عندما لا تدخل السجالات السياسية والفصائلية ساحة المعركة. فلديكم من رؤساء الجامعات ما يكفي، ولديكم من الخبراء ما يكفي أيضاً، ولديكم من الشخصيات الاجتماعية ما يكفي، ومن رؤوس الأموال الذين قد يضيفون إلى الحكومة دون أن تضيف لهم شيئاً، ولديكم مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الخاصة، ولدى الفلسطينيين الكثير الكثير من الشخصيات الوطنية المستقلة التي لايربطها أي إنتماء إلا بالوطن، ويربطها طيب العلاقات مع دول الجوار في الأردن ومصر والخليج والغرب، وغيرها من المنظمات الدولية التي تبحث أيضاً عن من ينقذها من الضغط الأمريكي التبريري على شعبنا وحكومته في هذه الأيام، ولربما تكون الحكومة المستقلة خياراً مناسباً لحل الكثير المعضلات التي تعج بها الساحة الفلسطينية وتتلبد لها من كل الاتجاهات.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home