دراسات هامة

 

التناقض الوجودي وماورائيات النص عند الشاعر محمود البريكان/ ق

صفاء عبد العظيم



التناقض الوجودي وماورائيات النص عند الشاعر محمود البريكان/ ق
صفاء عبد العظيم
التمازج المحتدم بين السيرة وجمالياتها الإبداعية، شكلت مفصلاً مهماً في بنية البريكان الكلية، لذا فإن قراءة نتاجه بعيداً عن محاولة فهم عزلته، ليس بالأمر الهين، بسبب الإشكالات المبثوثة في جسد الطرح الشعري، والمسكوتات التي تتمركز في ماورئيات نصه.
فالدخول إلى عوالمه الخاصة، اجتراح للواقع وجعله أطاراً  أميبياً للحالة ومدخلاً للسفر عبر أغوار مبتنيات النتاج الغامض المليء بتناقضات الكينونة والوجود. التناقض الوجودي، ارتكاز متوازي على خطين سلوكي وإبداعي، يتمحور في الذات مشكلاً عوالم متداخلة. وما ورائيات النص ، مزيج من تقنيه صوره ( علامات ترقيم / تنقيط ) والاحتكام إلى الاشتغال العقلي بتوظيف نظريات علمية لها علاقة وطيدة في ترسيخ ثيمة الحدث وإعطاءه بعداً حقيقياً لمواجهة التحديات العصور التي تتجول فيها ( كائناته ) الشعرية المهمشة والمغيبة دوماً. التناقض الوجودي وما ورئيات النص، نجد لها صدى كبيراً في القصيدة الأنموذج. للحيز الكبير الذي تشغله فيها والذي لا يمكن إغفاله لما له من إيحاءات عالية الاستشعار بالذات والمحيط .
1 ـ الومضة القصّية
الرصف التمهيدي لتصاعد المشاهد في جسد الطرح الشعري، يمتلك حسية الأشعار بالتواجد (المغيب) في الذاكرة والأرض، ويتفضى: بوابة لأفتتاح الحدث بالإخبار المباشر ممهداً لحيثيات تأليف صله بين (المتلقي) و (الكائن) الذي يتحرك في أجواء القصيدة متنقلاً من مفازة إلى أخرى حسب التصاعد الدرامي لتاريخيته .     
( لعلك يوماً سمعت عن البدوي العجيب
الذي كتب الله أن لا يموت وأن لا يرى
وجهة أحد ) .
إمتشاق التصحر الحلم من فيافي الضياع عبر التساؤل الكبير المطروح في مفاصل القصيدة بتنويعاتها، خلق رشقاً من مثابات سيسيولوجيه يبحر بها عارضاً تأملاته الغير محدودة المكان، المستفزة في أمكانية قياس الزمن .
( أنا البدوي الغريب .. يجوب البوادي
ويطوي العصور ويعبر جيلاً فجيلاً الى أخر الأزمنة ) . 
أن هذا التنقل ما هو إلا شكل إيقاعي ـ ليس إيقاعاً موسيقي النظم ـ متراتباً يناغم النسيج العضوي في طرح الثيمات، ويمسرح البناء المضموني وصولاً لتركيب الشكل من حيث (أن الجمال الشعري الحقيقي يكمن في أمتصاص الشكل الفني لموضوعه أيّ لجوهر الانفعال الإنساني ". (محمود البريكان) تصحر الحس وانسداد بؤرة الشعور وانقياد المصير نحو عزلة سلوكية ، سمة للزمكان الذي عاش فيه ذلك البدوي المقهور . هذه العزلة السلوكية .. هي بالأصل نابعة من جوهر حياة البريكان مضفي عليها (عزله أبداعية) وهي " العزلة الحقيقية التي كان البريكان يجاهد من أجل إنمائها وتعميقها ، ليبقى شعره منعزلاً ومختلفاً "( عبد الزهرة زكي ) . والعزلة والاختلاف حدد في نطاق هذه القصيدة باستدراكين من قبل قوة عظمى تمتلك هيمنة امتلاك المصائر :
1 ـ كتب الله أن لا يموت .
2 ـ أن لا يرى وجهة أحد .
الإشكالية الأولى .. تتمخض في تواصلية وهلامية الزمن باعتبار الكائن ( شاهداً أبدياً ) إما قاصداً العيش في ظل عوالم متداخلة أو قسراً بفعل ضرورة الخلود التي ستمكن خبايا في ألتوق الدائم لأسر الفناء ولاسترسال في الكيان الوجودي للكشف من أوجهه المتعددة . وتلك رغبة البريكان نفسه .. الذي " أعتاد الدخول في التناقض وأن يجد الكثير من الجمال في وجه الحقيقة " حسب تعبيره .
( حفظت أغاني الزوابع عبر الأفق
وكنت أمرا القيس في التيه والمتنبي
في الطرق النائية وفي عزله الروح
كنت المعري رهين السجون الثلاثة ) .
ومن المعروف أن ( أبا العلاء المعري ) كان رهين محبسين، العمى وعزلته عن المحيط، والبريكان تقمص الشخصية المعرية مضيفاً عليها محبساً ثالث وهو ( عزله الروح ) .. وهذا فيه وجهان :
الوجه الأول: لم يشأ البريكان استخدام مفردة (محبس ) أو (محابس) المقرونة برهين المحبسين، لأنها لا تستنفر لدى المتلقي الطاقة الحسية التي يريدها والتي تفجرها مفردة (سجون) لما لها من وقع نفسي حاد في تشكيل الصورة المأساوية للعزلة و(السجن) لايمكن فرضه من الداخل أو حتى من الإنسان نفسه ضد نفسه، بل يفرض من قوة الخارج المؤثرة أي أنه أراد أن يصور الأمر على أن العزلة التي أوجدها (هو) والمعري كانت لضغوط خارجية مورست ضدهما بشكل غير ( مباشر ) أو مباشر .
الوجه الثاني:  أن البريكان يرى أن الحياة هي موت لا شعوري للروح بتقزيمها بقالب لا يحتويها خالقاً "فجوه بين الروح والقالب، هذه الفجوة هي التي تتحرك وتجوس وتتمحور حولها حياته بذلك تبقى الروح على ضفة انتظار الانتعاق نحو مجالها الحيوي المفروض أن تكون فيه وبين القالب المموه الذي وضعت فيه. وهو بذلك يؤسس خطاً فكرياً (غرائبياً) يلغي فيه حتمية الكينونة والوجود، في أن الحياة ما هي إلا موت ضروري واضطراري لتمارس فيه الروح فعالياتها التشذيبية والتقويمية وصولاً إلى الكمال الذي لا يتم الأ من خلال الخروج من زنزانة الجسد (عزلة الروح) لتحيا في رحابة الكون الفسيح مزهوة بالفضاء المطلق .
(  هذا الرميم متى يتحرك ؟
هذه العروق متى تتدفق بالدم ؟
هذه اليد لذابلة متى تتحرر من موتها ؟ ) .  
الإشكالية الثانية .. الاعتكاف كان أحد حياته المغلقة، التقدير الأول : جاء محمولا في ثنايا القصيدة وهو تقدير (نصي) في الوجه الذي غضنته المهلك وشوهت تضاريسه الحروب ورسمت على أرجائه السقطات المتوالية علاماتها : 
 ( وجهه الأول المستدير البريء
الذي غضنته المهالك وافترسته الحروب
وخطت عليه علاماتها ) .
جدلاً، هناك وجهة اول فانه بالضرورة وجود وجوه أخرى .. نمت طبقات تراكم الاحداث عليها، فغيبها فأصبح ذا وجه أميبي يتلون ويشكل على حسب تغير المحيط بإرهاصاته ، باعتباره ( شاهداً أبدياً ) :
( نمت طبقات الزمان
على جلده . فهو لايتذكر صورته
صورة البدء ) .
وهندسة الوجه البريء  (المستدير) لا يمكن تغييرها، لكن من الطبيعي جداً أن يتلون الإنسان ويستجير بأخر لا يكشف عن براءته :
 ( وراء قناعي القديم / بصيص براءة )
التي لا يمكن العيش بها في دائرة موحشة فيلتهم ..
 ( أنا في عالم يتفجر حولي بإيقاعه المتوحش ) .
أما التقدير الثاني .. الانزواء عن الفعل الاستعراضي اليومي الذي قد يسبب له هدم مبنياته المثالية ويحيلها هامشاً تختزنه الذاكرة، وقد يصيبه النسيان والاستغراق بالملهيات اليومية وفضفاضة الانغماس فيها، قد تسبب له صدمة نفسية على صعيد أخلاقي تؤدي به الخروج من كيانه الذي أسسه على المثالية والرقي المعرفي والفكري، لكن مع ذلك بقي يتصل بالحياة عبر قنوات رفيعة تضمن له وصول رؤية الخارج دون خدش لمخيلته، وهذا مبنى على أساس التعامل مع البريكان إنساناً ومن ثم ذلك التشابه الغريب مع البدوي في قصيدته

ـ2 ـ المفازة الأولى ..
(أنا هو ذلك  على الموت تسقط  ذاكرتي في الظلام)

لايمكن أن نطلق عليها بأنها استرجاع للذاكرة المغيبة حيث تأسيساتها على استعراض تاريخية البدوي مدخلاً لتركيز ( الفادي الطليق ) المأسور و ( البطل المنقذ ) المهزوم، في زوايا توثيق الحالة بشيء من الشجن والتأسف ... ومن الملاحظ أن الشاعر عمد إلى تركيز ضمير ( الأنا ) تتكرر ثمان مرات في سياق التركيبة الشعرية . ويمكن أن نحدد وظائفها : ـ
1 ـ التكرار جاء مبنياً وفق احتواء العمق ل ( الفعل / الصورة ) من حيث أن كل أنا جديدة تعني بداية الشروع بتوظيف جديد ومغاير .
2 ـ (الأنا) الأولى جاءت بعد عملية الومضة القصية ( لعلك يوما... ) والتي بعدها يستقريء هيكليته العامة .. تأتي (الأنا) لتفاجىء المتلقي بأن الشاعر ( هو ذاك ) وبذلك يتحول النص إلى منولوج داخلي يبدأ الشاعر ليبث ثيماته في التكوين .
3 ـ أربعة تكرارات لـ (الأنا) .. جاءت مقرونة بمفردة ( البدوي ) ..وأولها جاءت مفرده
 ( الغريب ) مضافة إليها .. وهذا التخصص جاء كتمييز عن التكرارات الأخرى من جهة لوجود مد طوبوغرافي له علاقة بالبداوة حضارية لها تقليعاتها .
4 ـ ثلاث تكرارات لـ (الأنا) ..جاءت تحمل مفاهيم جديدة ( الفارس والضيف / الزائر / الشاهد الأبدي ) وتنقل صوراً تعبر عن حدود زمنية ومحددات  مكانية .
تنتهي المفازة الأولى بإشكالية متداخلة الأبعاد وهي ..
( أنا الشاهد الأبدي
على الموت تسقط ذاكرتي في الظلام )
هناك توافق في التركيبة الجملية :
على موت ــــــــ في الظلام
جار ومجرور معرفة ــــــــ جار ومجرور معرفة
عملية موازنة
يقابلها توافق في التكنيك الإبداعي من حيث .. أن فعل ( الموت ) يعني انفصال الإنسان عن الحياة المادية بكل الجوارح ومنها الحسيه كـ ( العين ) التي تقوم بفعلها البصري من خلال انعكاس الضوء فيها ، وسقوطها في الظلام ، يعني أنعدام الرؤية وبذلك التامة وبذلك تنتفي الحاجة لها عملياً ومن باب أخر .. أن فعل الذاكرة يتوقف عمليات التصوير والمونتاج داخل العقل . وإخضاع الذاكرة للفراغ الموحش . وهناك أيضا توافق مادي أخر وهو :
الذاكرة ـــــــ الشاهد الأبدي
بما أن الكائن كان مبثوثاً في الأحداث المكانية والزمانية .. فحصيلة الخروج فيها هو الذاكرة .. ومن هذا نستخلص أن (فعل السقوط) هو الإسفين الغريب في التركيبة الشعرية وحياله قلق وهذا سنبينه :
1 ـ ليس الموت هو الذي ينقض على الذاكرة ، بل هي الذاكرة تنقض على الموت . دون الوعي الكامل منها في احتمالات عرضية ..
أ ـ أن الذاكرة بتحررها من غلاله الجسد بفعل الموت لتمارس فعالياتها في رحابة الكون الفسيح مزهوة بالفضاء المطلق :
ب ـ أو تفاجىء بالعكس لتجد أن الموت نفسه تواطىء مع القوى الظلام ليرزح هو ونفسه والذاكرة تحت وطأتها .
2 ـ فعل السقوط قسري وعنيف في إخضاع الذاكرة للسكوت . فكان سقوطاً حراً للشاهد والذاكرة والموت بفعل حرف الجر (على) الموحي بالسقوط من الاعلى نحو الهاوية والاستقرار فيها مأوى نهائياً بفعل حرف الجر ( في ) .
وبذلك أصبح (الموت) ليس المرحلة النهائية او المحطة الأخيرة بل نقطة عبور فوجدت الذاكرة نفسها مستمرة في السقوط نحو الظلام .
1 ـ فعل الظلام : حتمي ومجحف في الاستغناء عن الذاكرة و الانزواء عن الحركة في خضم الوضع الجديد ، كذلك أن الظلام يمثل المحطة النهائية وقاعدة الثبات الأخير ، حيث أن الموت بإمكانه أن يكون القاعدة الأخيرة الا انه جاء كمرحلة ممهدة بين فضائين ( الحياة / الظلام ) فأصبح ممر وقناة العبور للمصب الأخير .
3 ) المفازة الثانية
رجع الذاكرة القريب
( أقمت على صخرة الروح مملكتي ... ) ـــــــ ( كنت أملك هذا اللسان ولا أتذكر شيئاً )
التلاحق المبتكر لانحناءات الوفق ضمن فضاء النصف من اللوحة القصيدة ، مارس تمازج نصيناً / سلوكياً مع تكوينات المفازة الاولى .. وهذه المفازة مبنياتها تعبىء الكائن المتحرك في وفقها لا شعورياً بالافرازات والتقنيات التي احتوتها في المفازة الأولى ..
النسق الخطابي تعدلت لغته من الاعتراف إلى الإثبات ـــــ المواصلة .. وهذا التغيير جاء نتيجة تبدلات هائلة في المحيط ، أثرت على نفسيته وجعلته ينقاد لفعل ميكافيلي مفرطاً بقيمه الأخلاقية وينسي ضرورته وبحال وجودة إلى التهميش كواحد من الذي يزجون في السلطة وألاعيبها دون الوعي لشخصيته وإرثه الواعي .
كذلك أن هذه المفازة هي استكمال او بفارق غير كبير زمنياً ، لكن التغيير الحاصل كان على صعيد الفضاء العام وصعيد اللغة : صعيد الفضاء العام, ففي المفازة ، الأولى كان الفضاء العام مميزاً بروحيته الإنسانية ذات الهموم المشتركة المطلقة في التعايش السلمي والبقاء ( قصداً أو قسراً ) خارج نص السياسة ، وبقاءه متفرجاً محايداً تأثر ولم ينجرف في التيار . وهنا اختل الفضاء من :
1 ـ روحية الفضاء العام :
  أختلفت روحية الفضاء العام ، بان أصبح جوها مشبعاً بالسياسة وألاعيبها وسقطاتها مما أثر بشكل كبير على الخطاب المروي من حيث التعامل السيمولوجي مع الإحداث التاريخية وبشكل غامض ومبهم ، لكنه مكشوف بالقراءة المعمقة وتتبع الترتيب النسقي للقصيدة في جزءها هذا .
2 ـ الانقلاب الأيديولوجي :
 بعدما كان شاهداً متفرجاً حيادياً في المفازة الأولى .. رفض أن يلعب نفس الدور المستعبد ، فقرر التحول من المسار الاجتماعي الهاديء إلى المسار السياسي المضطرب .. عله يفلح في تمكين قدرته على النهوض بواقعة وتحقيق تطلعاته المبهمة ( التي لم يعلن عنها على طول القصيدة ) والمباشرة بالانقلاب الإيديولوجي ، بناء على موروثة الروحي الاجتماعي الهاديء
 ( أقمت على صخرة الروح مملكتي )
وهذا البنيان يفتقر إلى الخبرة والتمرس ويحتاج إلى ألاعيب وخدع السياسة التي يمكنها أن تبقيه صامداً ، الا انه وبحكم طبيعته الإنسانية سقط في فخ الثقة الكاملة بالمحيط ..
( استبعدت روحي الطيبات
إلى أن تفتت لحمي )
 وانتهت مسيرته السياسية القصيرة كـ ( بطل منقذ ) و ( فادي طليق ) ليتحول إلى مغيب مهمش تحت وطأت السلطة الغاشمة التي تتلاعب به وتنتهك إنسانيته وتضع من قدره . كعذاب يومي في الصحوة والمنام .. التي ان تمسخه شيئاً على القارعة .
(  رأيت كلاب الملوك
تطاردني في المنام
رأيت الرجال يخدمون كلاب السلاطين
ـ أو يضحكون الطواشية المتخمين
وقوفاً وراء الموائد ـ
وكالببغاء التي هرمت
كنت املك هذا اللسان
ولا أتذكر شيئاً )
تقنيـــة اللغــة ..
 اعتمد أسلوب الخطاب في المفازة الأولى على ضمير  الفاعل المنفصل ( أنا )  .. لتوكيد الشخصية ـ كما بينا ـ كضرورة قصوى لاحتواء الحدث والسيطرة على مقوماته ، أما في المفازة الثانية ، جاء الاسلوب مغايراً حيث اعتمد الشاعر على الضمير المتصل المعبر عن الفاعل ( التاء ) الداخلة على الأفعال الماضية (أقمت/ بدأت/ تلاشت/ نسيت/ دخلت/ بايعت/ خضعت/ ما عدت/ رأيت)، فأصبح التركيز على الفعل بحد ذاته وتأثيثه لبنة تعنى بالبناء الصوري / الحدثي.. بسبب التداخل التاريخي والتنقل الزمني السريع .. وهذه الافعال الماضية التي شكلت خطاً جمالياً ضمن سياق الجملة الشعرية، تحمل بعداً زمنياً وجمالياً حيث إنها تتمتع بروحية الحاضر، وشمولية النظرة التاريخية ومستقبلية التواتر على النهج نفسه.

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home