مقال

 

نكسة حزيران محرقة حق العودة

سامي الأخرس



 

نكسة حزيران محرقة حق العودة 

سامي الأخرس

 

جاء الخامس من حزيران لعام 1967م ليشكل نكسة في تاريخ الشعب الفلسطيني، الذي اضطر مرة أخرى للخروج من دياره، والتشتت بعد نكبة 1948م وضياع فلسطين واحتلالها من العدوان الصهيوني المسخ، وهزيمة للجيوش العربية، واندحارها أمام الاحتلال الصهيوني، حيث شكلت هذه الهزيمة فصلاً تاريخياً من الفصول الغائمة والسوداء للأمة العربية عامة، ولا زالت توابعه تلقي بظلالها على أحوال هذه الأمة رغم مرور ما يقارب 39 عاماً، ورغم ما حققته في حرب 1973م من نصر.

الخامس من حزيران تاريخ  اكتسى بوشاح السواد، ودوّن بذاكرة أبناء فلسطين خاصة، للعديد من الأسباب أهمها احتلال كامل تراب فلسطين، وتشتت أهلها ليتحولوا للاجئين مسلوبي الحقوق الوطنية والسياسية، ويحلوا ضيوفاً دائمين بمخيمات البأس سواء في الوطن أم في الشتات، لا يتمتعون بأدنى الحقوق الإنسانية سوى ما تقدمه وكاله غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين من فتات المساعدات، وبعض الخدمات من الدول المضيفة لهم.

عايش اللاجئ الفلسطيني منذ نكسة حزيران مرارة وألم الهزيمة، التي عمقت الجراح، ودفع من خلالها ضريبة غالية الثمن، ليتمكن من تثبته بوطنه وأرضه، وحقه في الحياة والعودة لدياره، وحلم العيش في وطن حر، هذه الضريبة التي عمدت بالدماء تارة بمذابح الاحتلال، وأخرى بأيدي الأخوة والأشقاء، فعانى هذا اللاجئ من المذابح الجماعية، وأطماع الصهيونية وعملائها، كما حدث بمخيمات لبنان، والأردن، وما يحدث الآن بمخيمات بغداد، ومخيمات غزة والضفة الغربية.

تمر ذكرى الخامس من حزيران في هذا العام والمشهد الفلسطيني يشهد حالة من اللا استقرار السياسي والاجتماعي، والاقتصادي، حيث أغرقت الساحة الفلسطينية في جملة من التناقضات التي أفرزتها الانتخابات التشريعية، ومعركة تكسير العظام التي نشهد فصولها بين التنازع السلطوي فيما يسمي المؤسستين "الرئاسية، والحكومية "، والمؤسستين منتخبتان شرعياً وقانونياً من شعب الضفة والقطاع فقط، واحتدم الصراع والتنازع حتى وصل أوجه بينهما، في الوقت الذي يفرض به الحصار على الوطن وشعبنا بآن واحد، حصار التجويع والتركيع، ومعاقبة الشعب على خياره، في ظل عجز الحكومة الفلسطينية عن إيجاد أي مخرج من هذه الأزمة، وكذلك الرئاسة، وتفرغهما لإلقاء التهم هنا وهناك علي الصلاحيات الأمنية والسياسية، ومدى قانونية تشكيل القوة التنفيذية وعدم قانونيتها، ومن يمثل فلسطين بالمؤتمرات الخارجية، واستخدام المساجد والوسائل الإعلامية في حملات تثوير الصدور، وتهييج الأنفس بين الأخوة وأبناء الشعب الواحد، متناسين أن هناك شعباً يقتل جوعاً، ويقصف ويرتكب بحقه أفظع الجرائم الصهيونية، ولاجئين تنهك أعراضهم، ويذبحون جهاراً بأرض العراق .

من رحم النكسة ولد حق العودة، حلم يداعب مخيلة كل لاجئ فلسطيني، شردته النكسة، وهجرته النكبة، حق كفلته كافة المواثيق والأعراف الدولية، ورغم ذلك لازالت تتنكر له الصهيونية البربرية، التي تستغل ما يجري بالساحة العربية، والفلسطينية، وتسعي جاهدة لتمرير مخططها الصهيوني في فلسطين، وفرض سياسة الأمر الواقع، والإملاءات السياسية، ويساندها السيد الأبيض في واشنطن.

وما بين مطرقة اللجوء وسنديان الألم والجراح يعيش اللاجئ الفلسطيني تحت رحمة المحرقة، وليدة الهزيمة، يعيشها بمخيمات لبنان بأوضاع إنسانية لا توصف بمسميات عصر النهضة والتطور، وحقوق الإنسان، وكذا الحال بمعظم مخيمات الدول العربية التي يحرم بها اللاجئ من أدنى حقوقه، ويمنع من التنقل والتحرك بفعل وثائق لا يعترف بها من أصدرها، مما يعرضه لدفع فاتورة الهزيمة، ويكون ضحية التناقضات والخلافات التي تصيب أي دولة مقيمة فيها، كما حدث في الأردن ومذابح أيلول الأسود، ولبنان، وكما مثل الفلسطيني وقوداً لتنفيس الغضب الكويتي بعد انسحاب الجيش العراقي، فأصيب اللاجئ الفلسطيني بعرضه ونفسه وأمواله وعمله، وها هو نفس اللاجئ يدفع فاتورة احتلال العراق، وسقوط حكومة الرئيس صدام حسين، فوجدت به العصابات السوداء مرتعاً للانتقام، وإشباع رغباتها بالدم، والموت، وتنفيذ مخططات أسيادها الصهاينة وعملائها، ولا يختلف الحال عن اللاجئين في أوروبا ودول العالم المتحضر حيث يعيش اللاجئ محاصراً بتهم لجوئه، ومرصداً لأعين أجهزة الاستخبارات، محاصرين بقيود الاغتراب، وآلام التجاهل لقضيتهم، وحقهم في العودة.

الخامس من حزيران، نكسة فلسطين، شكّل منعطفاً تاريخياً للقضاء على أي بارقة أمل للعودة إلى الديار، وخلق مأزقاً لحق العودة، وتقرير المصير، حيث سقطت فلسطين أرضاً وشعباً، وسقط معها الخيارات العربية، السياسية والعسكرية، ولا يوجد أي  معالم لأفاق حلول تحي الأمل.

وبناء علة هذا المشهد، سواء على الساحة الفلسطينية – العربية، أو الساحة الدولية، يدون اللاجئ الفلسطيني مرحلة أخرى  من مراحل البقاء، والتثبت بهويته وانتمائه التي لم تنال منهم كل المؤامرات التي أحيكت ولا زالت تحاك، بفكرة التوطين التي قاومها اللاجئ وشعبنا، ولا زال شعبنا يتحدى مخطط طمس هويته.

فذكرى الخامس من حزيران تتوهج بقلوب أولئك العالقون بعشق فلسطين، لم تضمدها السنين، تولد لديهم صيرورة التحدي، وإرادة من اقتلعوا من أرض ووطن، ترسم أملا بعيون أطفالهم جيلاً تلو جيل، تأرق من ألهتهم منصات السلطة والسلطان .. الغارقين بالأوهام ...  من أرادوا اختزال قضيتنا بالفرعيات التي تنم عن مصالحهم، ويشغلونا بالقوة التنفيذية ورواتب الموظفين، و الحوار الوطني ... الخ من إبداعاتهم.

فالنكسة هي إيقاظ حي لفلسطين الأرض والتاريخ ... فلسطين الفعل وليس الشعار .. فلسطين اللجوء، فلسطين الوطن السليب، والهم في قلوب كل الشرفاء ....

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home