قصة

 

قصة /ذاكرة الحضارات

ماهر نصرت



 ذاكرة الحضارات
ماهر نصرت

       هناك صوب الشرق ، تنتصب جبال شاهقة ذات قمم مدببة تعانق السماء ، يخترق هدوء وديانها خرير مياه عذبـة تنحدر مسرعة من فوهات عيون أزلية تناثرت هنا وهناك ، غرست الطبيعة حولها باقات من زهور رائعة ، تداعبها أجنحة فراشات تحلّق متموجـة في فضاء آتها المترامية بسعادة لانظير لها ، وفي خط متواز من منخفض بعيد ارتفعت بنسق أشجار النخيل تقف متراصة بطلعها البهيج تحاور بحفيفها الساحر طيورا" ملونـة تسر الناظرين ، بعضها يشدو مغردا" بلحنٍ  متقطعٍ حزين ، والبعض الآخر يبدو فرحا" يتغازل بصوتٍ رقيق نبرته فيها كبرياء ، وعلى مسافةٍ قريبةٍ من وادٍ عميق تلتقي الجداول متحدة لتصنع نهرا" كبيرا" يخترق مدينتنا الأثرية ويرتحل ملتويا" بين غابات كثيفة تمتد بمحاذاتـه على أمتداد البصر .

بعض أسراب الإوز تحلّق عاليا" ، تتراصف بنسقٍ منظمٍ يتقدمها قائد السرب ، تراه بين لحظة وأخرى يتفحص تشكيله بنظرة ثاقبة ليتمسك الجميع بنظامٍ صارمٍ عند الطيران ، فتعود الطيور مطيعة ، منضبطة ، صافات أجنحتها بسعادةٍ وغرور تطارد أحلامها نحو الغرب .

تجمعت خلف مدينتنا الأثرية قبل سنتين في منطقة تسمى بـ ( وادي الأشباح ) مياه متسربة لتكوّن بحيرة صغيرة ذات منفذ واحد ، تحتل تلك البحيرة كائنات مائية مدهشة  ، بعض الضفادع تتحول في لحظات الخسوف أو عندما يصبح القمر محاقا" إلى نوع من أنواع العقارب السوداء البشعة ! وأسماك تبدو بأشكال مخيفة تحمل رؤوس خفافيش مشعرة ترهب السائحين ، وكائنات برمائية لا نعرف تسميتها تتحول فجأة إلي أفاعي طائرة تهاجم فرائسها بضراوة  ، بعضها يتـقرفص بحركة عجيبة ليظهر على شكل سلاحف متوحشة تفزع القلوب !

بعد ثلاثة أيام من رعشات زلزال خفيف ضرب شمال المدينة أخذت مياه تلك البحيرة تتسرب في شقوق أرضية ظهرت فجأة ، أستطلعنا الأمر ، ورحنا نغوص مع تلك الشقوق بفؤوسنا ومعاولنا بحذر شديد .. واصلنا لأيام عـدة توغلنا نحو المجهول وأذا بنا نعثر بين طبقات الوحل على آثار وكتابات مسمارية تعود إلى عصور بعيدة ،  كنا لا نصدق مانرى ، فنحن نقف فوق كهوف حضارة خالدة برق منها شعاع العظمة والدهاء وتفاخرت الدنيا بعلمائها وشجعانها وروعة فنونها ..

 وصلنا بعد اختراق شبكة أنفاق مخيفة إلى غرفة صغيرة تفوح منها رائحة التاريخ ، هناك على مصطبة متآكلة ( علها كانت تابوتا ) بقايا عظام نخرة ، وفوق رف منزو تقف ثلاث من التماثيل الذهبية تحكي بأنحنائها قصة الاضطهاد والتمرد ، وبين هذا وذاك صفت جنبا" الى جنب صناديق مكعبة أقفل بعضها بأسلاك  تداخلت رؤوسها بطريقة مشفرة تثير نظرات الإعجاب والتأمل ، تعاظمت جرأتي ، وأستطعت أن أفتح إحداها بضربات فأس عنيفة أوجعت ذراعي ، كان داخل الصندوق ألواح طينية نقشت عليها كتابات ورسوم لاشك أنها تحكي عن الإله ( مردوخ ) أو الإله ( أنونيت عشتار أكـد ) أو شيء عن قراصنة القوافل ، أو لعلها كانت قصة الحب المشهورة التي أنتحر فيها الحبيب بعد أن اختطف أبن الملك المشعوذ حبيبته ….

 يحتوي الصندوق أيضا" على أختام حجرية وقطع نقود من البرونز رسمت عليها صورة أحدهم وهناك في قعر الصندوق قطعة ذهبية مستطيلة نقشت عليها زخرفة من رموز عجيبة دعاني تلهفي الجنوني الإسراع إلى ذاك الرجل المعقد ( صاحب الشارب الغليظ ) المدعو ( بابان ) خبير الآثار لكي يترجم لي تلك الرموز من مجلده الوحيد ( الكتابة المسمارية ) الذي يسبب صداع الرأس المزمن لكل من يكمل قراءته ! أتضح بعد الترجمة الدقيقة أن تلك القطعة ماهي إلا أداة تسجيل صورية خزنت عليها مشاهد حقيقية عن حضارة السومريين والفراعنة وشيء عن الصحون الطائرة وشعوب تتخذ من أروقة الكون مواقع لها ، أهدتها مركبة فضائية هبطت من مجرة ( أندورا  سيفال )* الى ( أددوشا ) أحد عظماء مملكة أشنونا* ( هذا ما كتب حرفيا" على خاتمة القطعة ) ،

قفزت من مكاني على قدمين راحت تلتهم الطريق لأبحث عن طريقة علمية في ورشتي المتخلفة تعيد إظهار ما خزّن فوق تلك القطعة ، استعملت متحسسات رأس الفيديو عسى أن ألتقط معلومات التسجيل الصورية ولكن دون جدوى ) ، تسللت الى غرفة شقيقتي وسرقت منها ( كاميرا الفيديو ) وأشركتها بطريقة فريدة مع جهاز الحاسوب الذي سرقته أيضا في تلك الليلة من غرفة أخي المدلل ( حسام ) بعد أن رششت على أنفه وهو نائم رذاذ مخدر وجدته في صيدلية البيت وأخذت أنفذ  برنامج الـ ( ASCII ) لفك شفرات المعلومات البيانية بعملية تصوير تشبه الى حدٍ ما طريقة ( جهاز الأسكنر )* ، وبعد جهد كبير ومشقة وصبر نجحت في الوصول الى ما أصبوا أليه  ، كانت لحظات مروعـة انتقلت فيها عيناي وما تحويـه الى أعماق التأريخ ، وراح جسدي يرتجف  وسط جو من الرعب عصف بأجواء غرفتي في جوف الليل ، وهبط عقلي مذعورا" يشارك بصري معجزته وهو يشاهد من على شاشة ( المونتر )* مناظر حقيقية لآلاف العمال وهم يحملون صخورا" كبيرة فوق عربات ورافعات كبيرة  يواصلون بمشقة تحت لهيب الشمس المحرق بناء هرم كجبل شاهق ، عشرات من النحاتين يقومون بتعديل أشكالٍ هندسية لصخورٍ كبيرة ، ثلاثة من الكهنة يرفعون فوق روؤسهم رأس ذئب ويهتفون بأصوات مخيفة فترتفع في الهواء صخرة تزن أطنانا" وسط ضربات من رعد وبرق لتستقر على أحد أركان الهرم المعجزة  ، يخطف نظري نحو صحن طائر بحجم ساحة كرة القدم مليىء بمصابيح وفسيفساء رائعة يحوم فوق أحد الأهرامات ليلا"ويطلق حزاما" من أشعة ليزرية على فتحة في أعلى الهرم تمتد الى أعماق الأرض ويختفي وراء السحاب بسرعة عجيبة .

مجموعة من السفن الصغيرة وسط البحر يقودها ربابنة أشداء يطاردون حيوانا" ثائرا" يشبه الأخطبوط يضرب بذراعه أحدى الزوارق فيحيله الى حطام ....

يتحول المشهد فجأة ويظهر مئات من العمال المنهمكين في بناء دعامات لتثبيت حدائق متناسقة فوق هضبة تتصاعد متدرجة ( أعتقد أنها جنائن بابل المعلقة ) يقذفون مياه السقي الى أعلى الروابي بطريقة عجيبة ( سأبينها لكم بعد أن أكمل بقية المشاهد  ) ،  أسوار قلاع شاهقة تحيط بهيكل زقورة ودعامات متينة  ثبتت عليها أبراج خشبية محكمة يتنقل عليها مئات العمال يواصلون بناء أجزائها بتآلف حميم كتآلف النحل  في خلاياه .

مشاهد لاقوام أخرى غلاض الأجساد ، منتفخوا العضلات ، مشوهوا الوجوه ، تشبه إشكالهم صور الإنسان البدائي المثبتة في كتب التاريخ المدرسية ، يشقون طرقا" لعرباتهم الخشبية بين مرتفعات صخرية شديدة الأنحدار، ( تذكرني تلك الوجوه عندما كنت مع طاقم الطائرة  العجوز ( أليوشن ) ونحن نحلّق صوب الغرب بسرعة نصف ماخ 500 كلم / ساعة فحدث انفجار مفاجئ في مؤخرة الطائرة بسبب توغلنا اللاأرادي داخل غيوم رعدية متلاطمة أدى الى انفصال وحدة ( الستبلايزر )* للدفة الخلفية فهبطنا بمظلاتنا فوق أدغال كثيفة لنجد أنفسنا وسط أقوام متوحشة من آكلي لحوم البشر ، فقدت في معركة معهم سبابتي والإبهام ، فاستيقظت بعدها من كابوس غفوتي صارخا" لأجد نفسي محاطا" برفاقي الطلبة في كافتيريا القسم الداخلي ) .

لنعود من فضلكم الى كاسيتنا الصوري ،

 تتحول المشاهد فجأة الى الفضاء .. نجوم براّقة لاحصر لها تتناثر في سدم الكون تشير الى عظمة الخالق ، جزر كونية متناثرة تحلّق في أروقة السماء حيث اللازمان واللامكان تدعم فلسفة النظرية النسبية ( لأينشتاين ) ، أنشطارات ذرية هائلة ، نوات عاريات ‘ بروتونات مضطربة ‘ إلكترونات متنافرة ، إشعاعات ، موجات   ، أيونات ، شهب متمردة وأخرى هاربة تتصادم جميعها وتتنافر وسط غبار كوني لاهث  يملأ الفراغ بين مجرات عجيبة  تبهر الأبصار وتصفع وجوه الملحدين .

نجوم قيد التكوين ، وأخرى تلفظ أنفاسا" محتضرة ، تجانس مذهل بين الأجرام ومداراتها  ، والجحافل المجرية حبيسة لمركز قوة جباّر ، عظيم الشأن ، شديد اليقظة ، محكم القبضة ، لاأجلٍ بدون قرار ، ولاخروج عن مدار ، ( ولا الليل سابق النهار ، وكل في فلك يسبحون ) .

يقترب بي المنظر من كوكب لامع تدور حوله المئات من الأقمار الاصطناعية  المدهشة التي تعمل بالطاقة النووية بدلا" من تلك الأرضية المحملة بأجنحة الخلايا الشمسية البدائية ، تدور حول الكوكب بمدار أهلليجي محكم لازيغ فيه ، محطات فضائية بأشكالٍ هندسية معقدة تديرها كائنات فضية ، أجسادها كبيرة ، رؤوسها صغيرة لكلٍ منها عين حمراء تتمركز في منتصف الرأس  ، راحوا ينظرون نحوي بغضبٍ وأمتعاض فأشرت لهم من خوفي وصحت ( مرحبا" ) فلم يجيبني أحد .

يتحول بصري منبهرا" الى عمق الشاشة  صوب كوكب عملاق يحتوي على فوهة لاهبة بحجم الأرض تتقاذف منها العشرات من مركبات فضائية براّقة تنطلق  بسرعات مذهلة ، تدور حول الكوكب الأم وتهرب  بعيدا"عن مداراتها نحو ثقوب سوداء تبتلع الضوء والزمن .

ينقلني مشهد جديد الى معركة أسطورية  بين أقزام ذوو آذان طويلة يقودون صحون طائرة مهولة ظهر بعضها بحجم مدينة بأكملها ،  تطلق أشعة ثاقبة صوب نجم ناري ملتهب فيقذف النجـ ....

توقف العرض فجأة وغرقت الشاشة في ظلام غريب ......... بعد ثوان ظهر صوت كأنه أعصار يقترب ومن ثم ظهرت صورة  لكائن مرعب لا أستطيع أن أصفه لارتجاف قلمي عند الوصف ، كان ينظر نحوي بعينين حمراوين جاحظتين تقذفني بسهام الموت ... أقشعر جسدي وأرتعد عقلي مذعورا" ، أحسست لحظتها بانجذابي الشديد نحو قوة تأخذني صوب الفناء ، أحاول بمليء طاقتي أن أصرخ واقفز بعيدا" عن سطوة جلادي ، رأيت بأم عيني ستائر نوافذ غرفتي تنتحي جانبا" ليدخل شبح أو شيء ما من النافذة .. أغمي علّي من هول الرعب ، فاستيقظت بعدها مرتعشا" لأجد نفسي قد فقدت نظري وصورة ذلك الكائن مازالت تلاحقني في ظلماتي ...  أرجوكم أنقذوني  .... 


 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home