القلم النقدي

 

في رحيل الماغوط.. من منظور آخر!

أحمد دعدوش



كثيرة هي المقالات التي نعت الشاعر الكبير، والتي لم يُغفل أحد من كتابها صغيرة أو كبيرة من مواقف الشاعر "البطولية" في الدفاع المستميت عن تطلعات شعبه ونضاله الأممي. بيد أن الملفت في الأمر هو أن جميع هؤلاء النعاة يقفون في صف واحد، مع أن الإنصاف يقتضي من وسائل الإعلام المسؤولة أن تتيح المجال للرأي الآخر بأن ينظر للأمر من منظوره الخاص، وعسى أن يقدم هذا المقال محاولة مقبولة لتسليط الضوء على هذا الجانب.

لم يغفل أصحاب تلك الأقلام حقيقة أن الشاعر الراحل- الذي يفتخر كثيرا بهروبه المبكر من المدرسة- لم يكن قارئا أو مثقفا، وأنه وجد نفسه بالصدفة في خضم الصراع السياسي الذي عصف بالمنطقة إبان الاستقلال، إلى أن ساقه القدر للانضمام إلى الحزب القومي السوري، ليس اقتناعا أو حتى معرفة بمبادئه وأهدافه، بل فقط لكون مكتب الحزب في قريته أكثر دفئا من مكتب حزب البعث المنافس، ولعله لم يدرك آنذاك أن هذه الخطوة ستقوده إلى دمشق، ولكن ليس للتمتع بمباهج المدينة التي خرج إليها هاربا من الفقر والجوع، بل لقضاء تسعة أشهر متفرقة في سجن المزة. حيث كان في موعد آخر مع القدر، فالتقى بأدونيس المعتقل في زنزانة مجاورة، وبدأ كلاهما بالكتابة على أوراق التبغ ليهربا أولى قصائدهما إلى خارج السجن.

لم يجد الماغوط في دمشق غايته فشعر فيها بالغربة، ولعل الكاتب عهد فاضل قد ألمح إلى تجربته عندما كتب قبل بضعة أشهر في "المجلة" عن بعض المثقفين القرويين الذين اعتادوا النزوح إلى المدن بأحلامهم الكبيرة، ثم لم يلبثوا أن عانوا مرارة التسكع التي تفوق ما عرفوه من شظف العيش في قراهم. إنه ذلك "المثقف" الذي لم يفهم لغة المدينة المحافظة ولم يقدر على فك ألغازها، فلفظته إلى حدائقها ومقاهيها الرخيصة، ليتمرد عليها بلغة البائس المشرد.

لم يجد الماغوط ملجئاً آخر سوى بيروت، تلك التي ظل "يعبدها" حتى أيامه الأخيرة- حسب تصريحاته-. قدّمه هناك أدونيس إلى يوسف الخال رئيس تحرير مجلة (شعر)، فقدم إلى هذا الأخير قصيدته الأولى "حزن في ضوء القمر"، لتكون بداية خلاصه من وهدة الضياع والتشرد.

كانت بيروت في ذلك الحين تموج بكل ألوان الثقافات والأيديولوجيات، وبحكم الانفتاح على الغرب إلى حد الاستباحة لم يكن فيها شيء يحظى بالقدسية أو الاحترام، فكل شيء مباح ومطروح على الساحة، بل ومدعوم من قبل أنصاره ومسانديه بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. وعليه، فقد وجدت مجلة (شعر) التي جمعت بعض الأصوات الحداثية الشابة لنفسها موطئ قدم في ذلك الوسط الصاخب، ولم تعدم الوسيلة طالما كانت العيون مفتحة على هذا النوع من التمرد، فكان التمويل الغربي سخياً هذه المرة، وباعتراف أصحابها أنفسهم!

 

الشاعر المناضل

لا يفتأ معجبو الماغوط يثنون على كفاحه لنصرة قضايا الشعب والطبقة الكادحة، ويقدمونه على أنه البطل الثوري الذي حمل القضية بكلماته الثائرة والمتمردة على الجمود الفكري والصراع الطبقي. بيد أن إطلالة عابرة على تلك المرحلة من تاريخ المنطقة تكشف حقيقة أن الماغوط وأقرانه لم يفعلوا شيئاً أكثر من مسايرة التيار الثقافي السائد آنذاك، وهو ذلك الذي رعاه الاستعمار وذلل له العقبات، حتى باتت تيارات العبثية والوجودية موضة الفكر والثقافة المهيمنة على شتى وسائل الإعلام، بل إن الخروج عن المسار الاشتراكي آنذاك كان بمثابة مخاطرة غير محسوبة النتائج بالنسبة لأي مثقف، إلى درجة أن سمة المثقف لم تكن تطلق على من هو خارج هذا الإطار كما يؤكد الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي انصاع بنفسه لهذا التيار طوال سنوات شبابه.

من جهة أخرى، فإن الماغوط لم يحمل هذه القضية عن علم واختيار، بل وجد نفسه في وسط هذا التيار الثائر ومحاطا بإعجاب واهتمام ما كان ليحظى به لو لا نزوحه إلى بيروت، كما لعبت الظروف مرة أخرى لصالحه عندما صادف خروجه إعلان الثورة على قصيدة التفعيلة، أسوة بالحداثة الغربية التي زينت لأتباعها العرب أسطورة كونها المحرك الأول للنهضة العربية المنتظرة، فما كان منهم إلا أن رفعوا لواء الحداثة والثورة على المألوف، وصنعوا من عبثيتهم وعاء يتسع لعشرات القضايا العربية التي لم يُجدِ فيها السلاح، بل سلطوا سياط نقمتهم على ثقافة وديانة مجتمعاتهم التي ظلت تشكل العامل الأبرز لهويتها طوال قرون، مدفوعين بحماس أصّله الشعور بالغربة في أوطان عجزت عن استيعاب اختلافهم لكونهم أتباع أقليات دينية ومذهبية، وهو الخلل الذي لا يفتأ يسفر عن وجهه في كل عصور الانحطاط التي عرفتها الشعوب المختلطة على مر التاريخ.

تحت سطوة الأضواء التي سُلطت على تلك الأسماء الشابة المتطلعة المجد، آمن الماغوط كغيره من أقرانه بأنه رسول الرحمة المهداة إلى شعبه، ولم يلبث خياله الواسع أن حوّر مظاهر الحياة من حوله إلى عناصر القصة التي يحتاجها أي بطل أسطوري ليكتب قصة كفاحه، تماما كما خُيل إلى دون كيشوت- عندما قرر أن يصبح بطلا- أن طواحين الهواء ليست إلا وحوشا ضارية، وأن قطعان الغنم التي تحولت إلى جيوش من الأعداء قد فرت هاربة من جحيم سيفه. فأصبحت الأوقاف الإسلامية والمزارع الريفية بأكملها أراض إقطاعية بيد الطغمة الحاكمة، وغدا القرويون العرب نسيجا متكاملا من البروليتاريا المقموعة بيد الولاة المتواطئين مع الإكليروس الديني، أما العمال الذين لم يتجاوز عددهم في بلاد الشام كلها- ربما- عدد العمال في مصانع برلين لوحدها فقد أصبحوا أداة الثورة البورجوازية التي تنبأ بها ماركس. وهكذا اكتملت الصورة لدى الماغوط عندما صرح بأنه كان من المفترض أن يولد ماركس في قريته (السلَمية) وليس في ألمانيا كي يرى بعينه الصراع الطبقي على حقيقته!

وهكذا حمل الرجل القضية، ولكن ليس بقوة السلاح الذي حُرّم علينا حمله، ولا حتى بقوة العلم الذي لم نعد نتعرف وجهه، فالقوة ليست من شيم الشعراء، والعلم لا يليق بحاملي القضايا الكبرى والهموم الجسام. لذا فضل الماغوط أن يشق طريق النهضة بمفاهيم أخرى جديدة، فكتب في إحدى قصائده حواراً يسأل فيه الشهيد زوجته:

الزوج: والسجون؟
الزوجة: فارغة.
الزوج: عظيم. عظيم. لأن حلمي الكبير كان الاستفادة من تلك القاعات الرهيبة بعد إخلائها، إما كمسارح لرقص الباليه، أو معاهد لتطوير الموسيقا الشرقية. فبماذا تستغلونها الآن؟
الزوجة: ما زلنا حائرين بين الباليه والموسيقا
.

[نص الفراشة، من كتاب (سأخون وطني - هذيان في الرعب والحرية)]

 

من الشعر إلى المسرح

لم يقتصر نشاط الماغوط "النضالي" على الشعر المنثور فحسب، بل طرق أبواب المسرح بقوة، وقدم مع دريد لحام وغيره عدداً من المسرحيات التي لاقت قبولا واسعا، خصوصا وأن الفن هو المنبر الأقوى في مجتمع ينأى بنفسه عن القراءة.

حملت مسرحيات الماغوط بصمته الواضحة في فهمه لفلسفة الوجود، فبالرغم من إبداعه في الرمز لتوالي الانقلابات بتبديل الطربوش على رأس المختار، إلا أن اقتراح الخلاص لم يكن ليخرج عن الإطار الذي تصوره في ظل الصراع الطبقي للمجتمع العربي الإسلامي، حيث هناك صراع دائم بين "البيك" الإقطاعي والمثقف "الاشتراكي" المتمرد، وهناك أيضا ضيعة- أي قرية- يحلم رجالها ونساؤها باسترداد الكرْم- أي البستان- من المغتصب الغاشم، ولكن خلافاتهم الداخلية تزيد في ضعفهم إلى أن يضيع حقهم ويتلاشى أملهم في استعادته، فلا يجدون الحل إلا في مقارعة الخمر، إلى أن تحين ساعة الصراع التي يسقط فيها البطل الثمل شهيدا، ويترك لوطنه رسالة في قيمة الشهادة في سبيل الأرض.

بهذه الصورة الساذجة يتم اختزال القضية العربية- الفلسطينية عند الماغوط، فالحل لا يكون بإعادة النظر في أسباب التخلف العربي من جذورها، ولا بقابلية المجتمع للاستعمار كما طرحها مالك بن نبي عند تحليله لمعضلة الخنوع العربي، وإنما باستيراد الصورة التي رسمها ماركس في تفسيره للمجتمع الرأسمالي الصناعي في ألمانيا، ثم بإسقاطها الهزلي على الواقع العربي- الإسلامي بكل تعقيداته الناشئة عن خصوصيته الثقافية، وعن مخلفات إسقاط حكومته الإسلامية من جهة وإخراج المحتل الأجنبي الذي وطّد في البلاد مؤسساته الثقافية والسياسية من جهة أخرى.

من المؤسف أن الماغوط لم يخرج من قريته الصغيرة إلا شاباً، ولم يطف في البلاد العربية ليتقصى حقيقة الصراع الطبقي الذي خُيل إليه، كما أنه لم يقرأ شيئا يذكر في التاريخ والفلسفة، فقد ذكر في أكثر من مناسبة- وكان آخرها لقاؤه مع أحمد علي الزين في برنامج روافد على قناة العربية- أنه يكره الفكر، بل هو ضد الفكر، فشعْره ومسرحياته مجرد صور للواقع، ولكن من وجهة نظره الخاصة. والأغرب من ذلك أن ضحالة ثقافته تمتد إلى الشعر أيضاً، إذ لم يقرأ منه شيئا ذا بال، فبعد أن اعترف في لقائه الأخير مع مندوب جريدة الحياة بأنه "شاعر طالَع من الحياة والتجربة وليس من الثقافة والكتب" وأنه "لم يكن يقرأ كثيراً"، نجد أنه لم يتمكن من سرد كتاب بعينه من حصيلة قراءته بل اكتفى بذكر بعض الأمثلة ممن تُرجمت أشعارهم إلى العربية مثل كافكا وبودلير ورامبو، أما شعراء العربية فلم يقرأ لهم إلا ما فُرض عليه في مدرسة القرية، وأولهم أبو نواس وجبران وطه حسين.

 

هذا هو الماغوط إذن، الشاعر الكبير الذي أُريد له أن يكون حاملا لهموم شعبه، وقدوة له فهم فلسفة الحياة وحقائق الوجود. وهو الشاعر الذي كوفئ قبل ثلاثة أسابيع من وفاته بأكبر جائزة أدبية عربية، وعندما سأله مندوب (الحياة) عما سيفعله بالمئة وعشرين ألف دولار أجاب "سأصرف الكثير منها على الأدوية"، فذكّره المحاور بملذاته التي اشتهر بها إلا أنه أجاب بكل صراحة: "لم يبق لديّ أي ملذّات. السيكارة والكأس فقط"، ولا شك في أن القليل من المال يكفي لهذه الحاجات. أما سؤاله عما بعد الموت فقد أجاب عنه بأنه "لا يعرف ماذا هناك بعد الموت"، ثم أردف "أنا مؤمن جداً. لكنني لا أصلي. لا أحب الشعائر. يكفي أنني أكتب"، وقال أيضا " لا أحس أنني أنتمي إلى طائفة. إنني أنتمي إلى أرض الله"، فهو مؤمن إذن ولكن على طريقته الخاصة، لأنه لم يعرف من الإسلام إلا القليل مما بقي في ذهنه بعد هروبه من المدرسة، وقد تكفل المطبلون والمزمرون من حوله بتشويه هذه البقايا فيما بعد.

يقول الماغوط في إحدى نصوصه:

أحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف ولكنني أحب الرصيف أكثر،
أحب الغابات والمروج اللانهائية ولكنني أحب الخريف أكثر،
أحب الشهيق والزفير ورياضة الصباح
ولكنني أحب السعال والدخان أكثر .

 

بقي أن نسأل سؤالا واحدا حول جدوى هذه الثورة التي تركها الشاعر الحداثي في شعبه، ونحن نقرأ عشرات المقالات التي دُبجت خلال الأيام القليلة التي تلت وفاته مما يجزم بأن الرجل كان ملجئاً لجياع ومحرومي شعبه، وبأن شعره باق في ذاكرة الأمة. فإذا كان هذا هو رأي أقرانه من المثقفين فماذا عساه يقول المواطن المحروم والجائع؟ وهل تُراه قد لمس في حياته أثراً لهذه الثورة الحداثية، أو أنه خرج منها بفكرة تجديه نفعاً في صراعه الطبقي، إن لم يكن بقراءة شعره فبمشاهدة مسرحياته ذائعة الصيت؟

يقول منذر مصري في تأبين الشاعر الراحل: "حسناً.. لقد صعد الآن محمد الماغوط إلى الله، ذاك الذي رفع له ملفه الضخم عن العذاب البشري، الموقع بشفاه الجياع وأهداب المنتظرين، ولا أحد يستطيع الجزم إن كان الله قد قرأ الملف أم لا!؟ الأمر الذي بحد ذاته، إذا وضعنا العذاب البشري جانباً، يصنع إشكالاً خاصاً لصاحبه، أقصد، دون أن يكون الله قد قرأ دواوينه الثلاثة وشاهد بعض مسرحياته، لن يعرف من هو ذاك الذي يلتقيه الآن".

 

من جهة أخرى، فقد لا نبالغ في القول بأن الرجل كان مخلصاً حقاً لقضيته ومؤمناً بها، ولكن الإنصاف يقتضي التذكير بأنه أخطأ الطريق في بحثه عن حلول لها. فالمغرضون من حوله كُثر، والمغريات ووسائل الإقناع أكثر، إذ وجد لديهم ذلك الشاب الفقير قليل الثقافة كل ما يشتهيه من مجد، وفُتحت له بين أيديهم كل أبواب التفريغ لإقناع النفس بعظمة رسالته، فآمن بها دون أدنى ريب، حتى أخذ يتباهى في إحدى مقابلاته: "مرّة ركع الشاعر طلال حيدر أمامي وراح يمدحني. وابنة شقيقة زوجتي رامة فضة رمت ديواناً لأدونيس مرة وقالت: الماغوط هو إله الشعر. وقال يوسف الخال: هبط الماغوط علينا كإله اغريقي".

لم يكلف الرجل نفسه عناء البحث في حقيقة ما يقال، بل شرع لنفسه من قنوات الترويح ما يكفيه مؤونة إلحاح السؤال، فحمل كأس الخمر بيد، ولفافة التبغ بيده الأخرى، وخُيل إليه أنه كلما عب من بحر الملذات فإنه يقدم قربانا آخر على مذبح الشعب، وأنه كلما أسرف في الهروب من حقائق الوجود بإخماد العقل فإنه يقتل جسده فداء للقضية الكبرى! لقد صدق الرجل الخدعة حقاً، ولم يخجل من الاعتذار عما ورد على لسانه في جريدة المنار من تهجم على صديقه أدونيس بأنه أجرى الحوار وهو ثمل! وعندما نصحه طبيبه في باريس بالإقلاع عن الشرب والتدخين، أسرّ إلى مرافقه وهو يشعل سيجارته بأنه شاعر يحمل قضية شعبه، وأن من حقه أن يتخفف من حملها بطريقته الخاصة.

يقول صديقه نزيه أبو عفش عن زيارته له قبل أسبوعين من رحيله: "كان كالعادة يشرب ويدخن. فيما كان ابن أخته وحارسه (محمد) يشكو من أن الخال، على رغم تدهور صحته، لا يتوقف عن الشراب والتدخين. قلت للشاب: حسناً يفعل، عليه ألا يتوقف عن شيء، إذ ليس من اللائق برجل مثل الماغوط أن يواجه الموت بجثة خاوية، بل عليه، قدر ما يستطيع أن يكون مملوءاً بالحياة التي التهمها.. وأجاد التهامها". فلا عتاب إذن ما دامت هذه هي الثقافة التي يواجه بها الحداثيون الموت، بل يتحدّونه به!

في اليوم الأخير، وضع الشاعر الكبير في جهاز التسجيل شريط القرآن الكريم للمقرئ الحصري كما كانت عادته طوال الأشهر الستة الأخيرة، حيث وجد في لحن القرآن راحة البال التي ظل ينشدها طوال عقود، ثم واجه الموت وفي إحدى يديه لفافة التبغ!

 

قبل ذلك بسنوات، قال الماغوط في رثاء صديقه بدر شاكر السياب:
حزني طويل كشجر الحور

لأنني لست ممدداً إلى جوارك

ولكنني قد أحلُّ ضيفاً عليك

في أيَّة لحظة..

 

إنها النقطة الوحيدة التي نتوقف جميعا عندها بكل تواضع، ولكن قلّة منا هم أولئك الذين يستعدون للنقطة التالية!




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home