القلم السياسي

 

جوهر التدخل الأمريكي في العالم الإسلامي ودوره المشؤوم

د. محمد ناصر



 
جوهر التدخل الأمريكي في العالم الإسلامي ودوره المشؤوم

د.محمد ناصر

        إن  رجال الدولة والدبلوماسيين والعلماء والكتاب الاجتماعيين والسياسيين الأمريكيين يؤكدون بإلحاح وإصرار احترامهم للإسلام والشعوب الإسلامية ويشيرون في الوقت ذاته إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية , خلافاً للمستعمرين الأوروبيين الغربيين " لم تشرع في القيام بنشاط عسكري وسياسي في العالم الإسلامي إلا بعد الحرب العالمية الثانية. وهم يحاولون أن يؤكدوا للرأي العام الإسلامي أن الأساطيل الأمريكية والقواعد الحربية العديدة لم تظهر إلا آنذاك في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي. وإن الغاية الوحيدة هي حماية الشعوب الإسلامية من الخطر الشيوعي ولكن الوقائع التاريخية تدحض هذه المزاعم .
 فأن السفن التجارية والحربية الأمريكية, والتجار والدبلوماسيين وعملاء المخابرات الأمريكية قد ظهروا في بلدان الشرق الأوسط و أفريقيا الشمالية في أواخر القرن الثامن عشر, بضع سنوات فقط على تأسيس الولايات المتحدة . آنذاك نجم اهتمامهم بهذه المنطقة في المقام الأول عن تجارة الأفيون كان التجار الأمريكيين يشترون الأفيون في أزمير وغيره من مرافق الإمبراطورية العثمانية وينقلونه بسفنهم عبر البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وحول رأس الرجاء الصالح وعبر المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي إلى كانتون . ونحو أوائل القرن التاسع عشر , أخذ التجار الأمريكيين في زحمة التنافس مع التجار الإنجليز, ينقلون سنوياً إلى هناك من أربعة إلى خمس أطنان من الأفيون ويسممون ملايين الصينيين ويبتزون أكتر من 500% من فائدة بالرأسمال المال الموظف , أي مئات الملايين من الدولارات . إن نجاح هذه العمليات التجارية كان  يتوقف بمقدار كبير على مواقف الحكام المسلمين في المغرب والجزائر وطرابلس الغرب " حاليا ليبيا " الذين كان الثلاثة الآخرون منهم يعترفون بسيادة الأمبراطورية العثمانية . كانوا يجبون رسوم كثيرة عن مرور السفن الأمريكية المحملة بالأفيون في مياههم الإقليمية وعن تزويدهم بالماء والمأكولات أثناء زيارة المرافئ العربية و عن ضمان سلامتها .ولهذا عقدت الحكومة الأمريكية في 1786 م معاهدة مع حاكم المغرب تعهدت بموجبها دفع  10 آلاف دولار حوالي  مليون دولار بالأسعار الحالية سنوياً لحاكم المغرب لقاء دعمه للتجار الأمريكيين و إعفائهم من دفع رسوم الترانزيت. في عام 1796 تم التوقيع على اتفاقية مماثلة مع طرابلس الغرب , في السنة التالية مع تونس إن التجار أرباب الأعمال الذين كانوا يجنون الملايين من تجارة الأفيون ومن التبادل الغير متكافئ مع بلدان الشرق قد شكلوا كتلة متراصة معروفة باسم " شركاء بوسطن " أو بزمرة " إيسكس " و قد صار أحد ممثلي زمرة إيسكس وهو كراونن شيلد وزيراً للأسطول البحري وهذه الزمرة كانت تعطي الشيوخ والوزراء رشوات كبيرة , و تؤثر في سياسة رؤساء الجمهورية ولهذا عندما طالب حكام الدول الإسلامية في أفريقيا الشمالية على عتبة القرن التاسع عشر بتغيير المعاهدات القد يمة , ووقف تعسف البحارة الأمريكان ,وزيادة المدفوعات والإعانات , سكلت الحكومة الأمريكية على المكشوف تحت ضغط زمرة ايسكس طريق العدوان على مسلمي إفريقيا الشمالية . وفي 1800 ظهر الأسطول الأمريكي الحربي في القسم الغربي من البحر البيض المتوسط لتبرير ذلك تذرعوا بضرورة النضال ضد القراصنة ، وفي حقبة سنوات 1801-1805 ، اعد الأميرالات و الدبلوماسيين الأمريكيين وشنوا حربا حقيقية ضد طرابلس الغرب  ، وحاصر ا لأسطول الأمريكي العاصمة طرابلس . و بدأ الدبلوماسيان  الأمريكيان القنصل إيتون في تونس والقنصل كاتكارت في طرابلس بعلم الرئيس الأمريكي جيفرسون وتعليمات صنيعه زمرة ايسكس وزير الحربية بيكير ينغ  يهيئان انقلاب في طرابلس الغرب والتدخل المسلح في الوقت ذاته في هذا البلد ولهذا الغرض أقاما اتصالا مع حامد كرمنلي أخي حاكم طرابلس الذي كان يعيش في المنفى في مصر وقد وقع حامد كرمنلي و ايتون اتفاقية تعهدت بموجبها الولايات المتحدة بتقديم الدعم العسكري والمالي لحامد لكرمنلي لكي تساعده في أن يصبح حاكم لطرابلس الغرب و تعهد حامد بدوره بأن يوفر للأمريكيين وضعا مميزاً  في البلد و يعزز النضال ضد التجار الأوروبيين المزاحمين و يعين القنصل الأمريكي في تونس ايتون ... قائداً أعلى لقواته المسلحة !  وفي رسالة إلى وزير البحرية الأمريكية في تاريخ 13 شباط "فبراير" 1805 أفاد ايتون إنه يعتزم في البدء الاستيلاء على المناطق الشرقية  من طرابلس الغرب ثم  أن يبدأ  مع " جيش " حامد كرمنلي المؤلف في مصر بالأموال الأمريكية من شتى المغامرين ، مهاجمة مدينة طرابلس  الغرب . و كان ينبغي أن يلق الهجوم الدعم من مدفعية الأسطول الأمريكي المرسل إلى طرابلس ومن فصيلة من المشاة البحريين  .      و بدء تنفيذ الخطة , فأن عصابات ايتون -كرمنلي وفصيلة المشاة البحريين المدعومة بنيران الأسطول الأمريكي قد استولت على مدينة درنة , ورفعت على قلعتها العلم الأمريكي .(1)
 بعد الاستيلاء اللصوصي على درنة , لم تبقى ثمة حاجة إلى مهاجمة طرابلس , فأن يوسف كرمنلي حاكم طرابلس الغرب الذي تملكه الذعر , وقع مع القنصل الأمريكي العام في إفريقيا الشمالية معاهدة ملائمة للجانب الأمريكي غاية الملائمة , وهكذا انتهت أول حرب استعمارية تشنها الولايات الأمريكية في العالم العربي . وهكذا فرضت على طرابلس الغرب أول معاهدة غير متكافئة .
   إن اشتراك القوات المسلحة الأمريكية في الحملة اللصوصية على طرابلس الغرب "مخلدة " في الأسطر الأولى من نشيد المشاة البحريين  الأمريكيين ... " من تلال مونتيسوما إلى سواحل طرابلس  ,  في السماء , وفي الأرض خضنا معارك الوطن " . (2)
   وهذا النشيد يتسم الآن بأهمية خاصة على ضوء المهمات التي طرحها المعتدون الأمريكيون على مشاة البحرية في تنفيذ خططهم بحق الشعب العربي والشعب الأفغاني وبحق شعوب الشرق الإسلامية .
    وبينما كان ايتون وكاتكارت يهيئان التدخل المسلح ضد طرابلس الغرب , ساق الأمريكيون سفن أسطولهم البحري المسلح إلى مرفأ طنجة ، وبدأ  حصار لا سابق له في زمن السلام للقسم الشمالي من ساحل المحيط الأطلسي  و القسم الغربي من ساحل البحر الأبيض المتوسط في المغرب ، وفي تشرين الأول " أكتوبر " 1804  وجه قادة الأسطول البحري الأمريكي رسالة وجيزة تتضمن  سؤال واحد فقط  : " أيرغب السلطان في السلام أم في الحرب ؟ "
( و ما أشبه الأمس باليوم أمريكا ) .  اضطر المغاربة إلى توقيع معاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية مددت مفعول معاهدة1786 ولكنها تضمنت شروطاً كانت أقل ملائمة للمغرب (3)
           شجعت النجاحات في طرابلس الغرب والمغرب الأمريكيين , فركزوا أنظارهم على تونس .  وبالمؤامرات والتحدي والتحرش ، استفز ألممثل الدبلوماسي الأمريكي في هذه الدولة الإسلامية البالة الأهمية من الناحية الإستراتيجية  داي تونس في 1804-1805 على اتخاذ تدابير مضادة  .
           وفي تموز  (يوليو )  1805  اضطر الداي  إلى طرد الممثل الدبلوماسي  الأمريكي من البلد .  وهذه الخطوة بالذات كان ينتظرها  آمر الأسطول الحربي الأمريكي الذي كان يجوب  في الجوار .  في آب أغسطس 1805  1خذت سفن الأسطول تقصف مدينة تونس دون أي إنذار .  وبعد ذلك أرسل روجرز قائد الأسطول الأمريكي إلى حاكم تونس مشروع " تعهد ضماني " من شأن الموافقة عليه أن يؤمن فوائد وتسهيلات إضافية لأجل الأمريكيين ، وأنذر روجرز  داي تونس بأن التوقيع على هذه الوثيقة في الحال هو وحده الذي ينقذ عاصمته من  قصف مدفعي أقوى . وهكذا تم التوقيع على معاهدة أمريكية تونسية غير متكافئة . وفي هذا الصدد كتب سبيرس ، الذي وضع تاريخا من عدة مجلدات  للأسطول الأمريكي ونشره في سنة 1897 ، عندما لم تكن الأوساط الحاكمة الأمريكية لتخفى بعد اعتداءاتها على شعوب العالم ألإسلامي و عندما لم تكن لتصور نفسها بعد بصورة صديقة الإسلام ألدائمة : " تحت مواسير مدافع السفن ، أمليت على حاكم تونس شروط الصلح .  وهذا ما أدهش شعو ب   أوروبا  ،  لأنه لم يحدث  قط من قبل شيء من هذا القبيل  " . ثم أشار بصفاقة ووقاحة إلى التأثير الخير الذي مارسته القوات  البحرية الأمريكية في تطور " تجارة الأمة   الأمريكية الخارجية "  (4) .
         وفور توقيع معاهدة الصلح الأمريكية البريطانية سنة 1815 شرعت أمريكا بتنفيذ خطتها    للاستيلاء على الجزائر واتجه الأسطول الأمريكي إلى ساحل الجزائر و بحجة النضال ضد القراصنة ,  قصفت السفن الأمريكية مدينة الجزائر قصفاً  ماحقاً . وبعد ذلك  أرسل قائد الأسطول إلى عمر حاكم الجزائر إنذار بتوقيع معاهدة جائرة تتضمن بنوداً  بشأن منح التجار الأمريكيين فوائد وتسهيلات خاصة والأهم بشأن  حصانة الأمريكان , لم يوافق  عمر داي الجزائر على هذه المعاهدة إلا بصورة مشروطة ومع ذلك استثار ذلك استياء  جديا في صفوف التجار الجزائريين ، ولهذا لم  يعمد حاكم الجزائر في غضون 1815 -1816  إلى إبرام هذه المعاهدة . وإذ ذاك أرسلت إلى سواحل الجزائر سفن جديدة مسلحة  بمدافع بعيدة المدى , وفي هذه الأحوال طلب الداي عمر من الديبلوماسي  الأمريكي شيلر أن يعطيه شهادة تفيد انه   "اضطر لقبول هده الاتفاقية تحت فوهات المدا فع  الأمريكية " . وبعد أن  حصل الداي عمر على وثيقة بوضعه الذي لا مخرج منه ، ابر م في 23 كانون الأول (ديسمبر) 1816 معاهدة أمريكية جزائرية جائرة (5) .  وبينما كانت تجري المفاوضات مع الداي عمر ورجال بلاطة  ،استخدم الأمريكيون أسطولهم الحربي لأجل تنظيم هجمات جديدة على مدن تونس وطرابلس الغرب البحرية .  وفي الحاصل ، استطاع القراصنة الأمريكيون أن يبتزوا غرامة كبيرة  رغم معاهدة  الصلح مع هذين  البلدين (1804 -1805) .
ذلك هو تاريخ العدوان الأمريكي المخزي على الشعب العربي الإسلامية في شمال إفريقيا التي كانوا في الولايات المتحدة الأمريكية ينعتون بلدانها بازدراء واحتقار  بالدول الهمجية .  أما في الواقع فان هذه البلدان كانت مراكز للثقافة العالمية خلال قرون قبل ظهور الأوروبيين في أمريكا إن نجاحات القراصنة الأمريكيين  و الدبلوماسيين المغامرين في الدول العربية والإسلامية في شمال أفريقيا قدا سهمت بقسط كبير في حمل واشنطن على اتخاذ قرار في عام 1820  تحت ضغط " زمرة ايسكس " بتشكيل أسطول حربي دائم في البحر الأبيض المتوسط وفضلا عن ذلك تسنى للحكومة الأمريكية أن تدفع أسبانيا التي ضعفت بعد غزوات نابليون بونابرت إلى الموافقة على استعمال مرفأ ماون (جزر الباليار) كقاعدة دائمة لهذا الأسطول وهكذا ظهر سلف الأسطول السادس الأمريكي في مياه البحر الأبيض المتوسط منذ  ذلك الحين. 

* التغلغل في الخليج العربي والمحيط الهندي.
 
       مع التوسع في حوض البحر الأبيض المتوسط بدا الأمريكيون يتغلغلون إلى العالم العربي من جانب المحيط الهندي أيضا . في المرحلة الأولى من تغلغل الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المنطقة البالغة الأهمية اضطلع بدور مهم صاحب السفن الكبير من ولاية نيو - همبشير  أدموند روبرتس ،  ففي سنة 1823 راح إلى جزيرة زنجبار التي كانت آنذاك من ممتلكات سلطان مسقط  سعيد بن سلطان  والتي كانت من مراكز التجارة في أفريقيا الشرقية بما في ذلك النخاسة . وقد استطاع روبرتس أن يقيم اتصالاً مع حاكم مسقط وعرض عليه عقد معاهدة تجارية مع الولايات المتحدة , وقد وافق  سعيد بن سلطان على منح التجار الأمريكيين امتيازات كبيرة .
     في أيلول (سبتمبر) وصل روبرتس على متن " بيكوك " إلى مسقط وسلم سعيد بن سلطان رسالة الرئيس الأمريكي جاكسون .
      وفي 21 أيلول 1833 تم التوقيع على المعاهدة الأمريكية المسقطية التي منحت الأمريكيين حق" الأمة المفضلة " والحصانة الديبلوماسية وحق إنشاء القنصليات . والزم بند خاص حكام السلطنة بتقديم العون لجميع السفن الأمريكية التي تقع في كارثة في مياه مسقط ،
وبإعالة طواقمها على نفقتهم . وقد كتب سعيد بن سلطان في رسالته الجوابية إلى جاكسون في  7- تشرين الأول( أكتوبر) 1833 تقريباً ما يلي : كان لي شرف تلقي رسالتكم في يوم و ساعة غمراني في السعادة والفرح لأن كل كلمة كانت واضحة كالشمس في الظهر ولأن كل حرف كان يشع ببالغ السطوع كالنجوم في الجنة ......... أعدكم بتنفيذ جميع طلباتكم ورغباتكم في ممتلكاتي(6) .
    وفي سنة  1835  حين مضى روبرتس من جديد إلى مسقط لكي يسلم السلطان المعاهدة التي صادق عليها مجلس الشيخ والرئيس ، صارت " بيكوك " أول سفينة أمريكية اضطرت  إلى الاستفادة من بند المعاهدة بشأن المساعدة في حالة إصابة السفن بكارثة لأنها جنحت قرب جزيرة مصيرة .
     وقد ظلت المعاهدة الأمريكية المسقطية سارية المفعول طوال اكثر من100 سنة  , وفي 20 تشرين الأول  1958 أستعيض عنها بمعاهدة جديدة منحت الولايات المتحدة الأمريكية امتيازات جديدة في السلطنة .
     وقد استغلت الأوساط الحاكمة الأمريكية المعاهدة الأمريكية لسنة 1833 والمعاهدة المماثلة التي وقعها في السنة ذاتها روبرتس مع السيام (حاليا تايلاند) لأجل زيادة التوسع في المحيط الهندي  . 
       وفي هذا الوضع لم يعزز حكام الولايات  المتحدة أسطولهم البحري في البحر الأبيض المتوسط وحسب , بل بدأوا  يبحثون بهمة وعزم عن قواعد حربية في هذه المنطقة . وقد استغلوا المعادة الأمريكية التركية لعام 1830  ومصلحة السلاطين الأتراك في بناء السفن الحربية في الولايات المتحدة الأمريكية , وفي الوقت ذاته شرعوا في واشنطن عملياً في عسكرة المحيط الهندي . ففي سنة 1835 , أي قبل أن تبني الولايات المتحدة في دييغو - غارسيا  قاعدتها الكبرى في المحيط الهندي ب 140 سنة ,شكلت الولايات المتحدة أسطول الهند الشرقية لأجل القيام بالمظاهرات العسكرية السياسية , والضغط على حكام الدول في إفريقيا الشمالية الشرقية والخليج .
      وفي سنة 1878 أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى البحر الأحمر والخليج العربي أسطول بقيادة الكومودور شوفلد , و قد جاء في التعليمات الموجهة له:" توطيد وتوسيع النفوذ الأمريكي في أفريقيا الشرقية والبلدان المجاورة (7) .
        وقد زار شوفلد مع قسم من سفن الأسطول الهند الشرقية مرافئ الخليج العربي . ولكن هذا أيضاً لم يكف ممثل الوزارة البحرية الحربية الأمريكية التي تعود أسطولها منذ أواخر القرن الثامن عشر على انتهاك سيادة البلدان الإسلامية . فقد استغل شوفلد ضعف مواقف الإمبراطورية العثمانية من جراء الحرب الروسية التركية 1877-1878 ومؤتمر برلين حيث نسقت الدول الغربية سياستها للتدخل في الشؤون الداخلية للإمبراطورية العثمانية , فصعد على متن إحدى السفن   نحو شط العرب والفرات بغية الحصول على معلومات كاملة عن الوضع في العراق وعن العلاقات المتبادلة بين الإمبراطورية العثمانية والعراق وكذلك  بين السلطات التركية المحلية و شيوخ القبائل العربية .
      منذ أوائل القرن التاسع عشر , أخذت هيئات المرسلين الأمريكيين تسهم بنشاط في توطيد النفوذ الأمريكي في بلدان العلم الإسلامي و في سنة 1823 تأسست في بيروت ,بدعم فعال من تاجر الأفيون  اوفلى  الذي أصبح قنصلاً أمريكيا ً, أول بعثة بروتستانتية أمريكية , اهتمت هذه البعثة كبير الاهتمام , لا بنشر التوراة باللغة العربية وحسب , بل أيضاً بفتح شبكة من  المدارس في المشرق . وعلى هذا الأساس أنشئت فيما بعد الكلية البروتستانتية السورية  التي صارت في سنة 1866 الجامعة الأمريكية في بيروت .
      إن هذه الجامعة على امتداد تاريخها كله حصن للتوسع السياسي والأيدلوجي الأمريكي في الشرق . مثلا في سنة 1919  استغل مدير الجامعة هوفارد بليس ,أبن مؤسس الجامعة دانييل بليس , معرفته القريبة مع الرئيس الأمريكي ويلسون لكي يرسل ويلسون إلى سوريا ولبنان و فلسطين بعثة حكومية أمريكية برئاسة كينغ كرين بحجة دراسة الوضع السياسي  في  هذه البلدان . وقد أوصت بعثة كينغ كرين في تقرير قدمه الوفد الأمريكي في مؤتمر الصلح في باريس  , بإنشاء   دولة سورية فلسطينية  واحدة تنتدب الولايات المتحدة الأمريكية لحكمها وأدارتها ‍‍‍! .
      وعلى تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين قام المرسلون الأمريكيون بنشاط كبير جداً  في حوض الخليج العربي وهناك بذلت  نشاط خاصاً  منظمتان هما مجلس المرسلين الأمريكيين وجمعية التوراة الأمريكية . وهذه الجمعية التي عملت تحت شعار " نشر  المسيحية في العالم كله   في حياة جيل واحد " , وزعت في بلدان الشرق الإسلامية نحو أوائل القرن العشرين  أكثر من 4 ملايين نسخة من التوراة باللغات العربية والتركية والفرنسية ونظرا للصعوبات الكبيرة في ترجمة التوراة إلى هذه اللغات ونظراً لتكاليف الطبع الكبيرة , من الواضح تماماً انه كان لابد أن تقف وراء ظهر جمعية التوراة الأمريكية أوساط نافذة تحت تصرفها ملاين الدولارات .
      وبما أن هذا التدخل المكثف في حياة المسلمين الروحية اخذ يشير مقاومة الشعوب في حوض الخليج العربي , فقد تقرر في واشنطن طمس نشاط المرسلين بعض الشيء وتنويعه ، ولهذا الغرض أنشأ المستعرب الأمريكي تسفيمر - مؤلف كتاب " العربية مهد الإسلام  " وعدد كبير من البحوث في الإسلام عام 1890 ما أسمى بالبعثة العربية . وبعد سنة , أسس مع معاونيه محطة للمرسلين في البصرة وفي الآونة ألاولى قرر العاملون في هذه المحطة الانصراف إلى النشاط الطبي وليس إلى النشاط الديني           كتب تسفيمر بصفاقة : إن جميع المرسلين  في العربية يؤكدون إن الشغيل الطبي الكفء والجراح الكفء يملكان إجازة مرور تفتح أمامهما الأبواب المغلقة ويكسبان أقسى القلوب . وحين اقتنع أسياد مجلس المرسلين الأمريكيين  الذي كان يقوم قبل ذاك " بنشر المسيحية " بين العرب , بأن البعثة العربية قد اكتسبت نفوذا في منطقة البصرة ,بدأوا يقدمون لهذه البعثة عوناً مادياً كبيراً ، وفي سنة 1903 فتح معاونو البعثة مستشفى في جزر البحرين ، وفي سنة 1911 , منحوا محطة للمرسلين ومستشفى  في الكويت رغم المقاومة العنيدة التي أبداها العميل السياسي البريطاني في الخليج .
      وعن الأهمية التي اتسم بها نشاط البعثة العربية بالنسبة لخطط الاحتكارات الأمريكية ومشاريعها البعيدة المدى في بلدان العالم الإسلامي , كتب المؤرخ الأمريكي تشارلز هاملتون  ببلاغة يقول : " يعترف الكثيرون بأنه لولا عمل البعثة العربية البديع  لما استطاع التجار الأمريكيون أن يشتركوا في استغلال مصادر البترول الهائلة في الشرق الأوسط " (9) .
      هذا هو بإيجاز بعض من تاريخ المرحلة الأولى من التوسع الأمريكي الذي شمل عملياً العالم الإسلامي . إن تاريخ هذه المرحلة من التدخل الأمريكي لا يزال غامضاً بكليته تقريباً  ، ناهيك بأن الأوساط الحاكمة الأمريكية قد اتخذت التدابير لكي يظل مجهولاً بالنسبة للرأي العام الإسلامي في آسيا وإفريقيا . وحتى في حال تسليط النور من جانب المؤرخين الأمريكان على الحروب ضد " الدول البربرية " في أوائل القرن التاسع عشر أو على سابق تاريخ المعاهدة المسقطية لسنة 1833 يلجئون إلى " حيلة الصمت " إلى العرض الجزئي المتقطع , ساعين إلى حصر كل شيء في بعض الوقائع التي تشبه النوادر ورغم فيض المطبوعات ألتي تتناول تاريخ الاستعمار . لم يوضع لا في الغرب ولا في البلدان النامية , تاريخ إجمالي للسياسة الاستعمارية الأمريكية في بلدان العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر .
      والواقع أن ذلك كان سياسة هادفة قوامها الفتح والاغتصاب ومهمتها فرض الرقابة على أهم سبل المواصلات البحرية  - البحر الأبيض المتوسط , والمحيط الهندي والمحيط الهادئ جزئي أو في تلك الأزمنة البعيدة , حاولت الأوساط الحاكمة الأمريكية أن تستولي على أكبر نصيب ممكن من الدخل من تجارة الأفيون المخزية ومن الأرباح الطائلة  الناجمة عن تجارة الأفاوية وباللجوء إلى التجار والديبلوماسيين والمغامرين والجواسيس , سعى الرأسمالي الأمريكي إلى نيل التسهيلات والأمتيازات والمراسي لأجل الأسطول والقواعد , وامتيازات الاستثمار وحقوق الحضارة الديبلوماسية  في الجزائر والمغرب وتونس وطرابلس الغرب والإمبراطورية العثمانية  وسلطنة عمان } مسقط{   . ومنذ  200 سنة انشأ البيت الأبيض أسطول  البحر البيض المتوسط وأسطول الهند الشرقية اللتين  قصفت سفنها درنا والجزائر  وتونس , وباستغلا ل التوراة ة والدولارات , وبتأجيج نيران التناقضات بين المتنافسين الغربيين . وكذلك بين الحكام المسلمين وبواسطة  تجارة الأسلحة والتهديد  بمدفعية السفن , حسب الأمريكيون أن يرسخوا أقدامهم  في الإمبراطورية العثمانية وفي  الخليج العربي  ، وقد نظموا أعمال التخريب الأيدلوجي في المغرب العربي واعدوا الكوادر من العملاء في الجامعة الأمريكية في بيروت .
       ولهذا تخفي بكل دقة وعناية المرحلة الأولى من العدوان الأمريكي على شعوب العالم الإسلامي . فلو عرف الملايين من المسلمين الحقيقة ودرسوا التاريخ الأمريكي في العالم الإسلامي لبطلت وتبددت مزاعم الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، والدبلوماسيين والمستشرقين والكتاب والصحافيين والاحتكاريين الأمريكيين بأن الولايات المتحدة كانت ولا تزال منذ نشوئها والى الآن عدوة للاستعمار ومع حق الشعوب وحريتها بدأب وثبات وصديقة وفية ومنزهة للشعوب الإسلامية ، ولكان من المستحيل وغير المعقول الأمل في أن تصدق الشعوب الإسلامية مزاعم واشنطن في أن الأسطوليين الأمريكيين السادس والسابع قد أنشئا و بأن اكثر من  1500قاعدة حربية أمريكية قد أقيمت خارج الولايات المتحدة , وبأن القيادة المركزية السيئة الشهرة قد تأسست لأجل الدفاع عن شعوب العالم الإسلامي وحمايتها .
       إن الغاية من تزييف تاريخ الاستعمار الأمريكي في الشرق  وفي سائر أنحاء العلم هي طمس السياسة الأمريكية الاستعمارية الجديدة التي ترمي إلى فرض سيادة الاحتكارات الأمريكية على شعوب العالم الإسلامي وغيرها من الشعوب والاستيلاء على ثرواتها الطبيعية , وتحويل مطاراتها ومرافئها وجزرها إلى قواعد للقوات الأميركية وساحات انطلاق للصواريخ الأميركية وهي جزء من فرض السياسة العالمية الأميركية الأحادية وفرض المفاهيم الأميركية لكافة المشاكل العالمية والعناوين الماثلة أمامنا في أفغانستان والعراق والدعم اللامتناهي للإرهاب الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني لا يمكن لأي عاقل  أن يتناساها  .
                                                              
                                                                    د/ محمد ناصر  .


المصادر:-
1- بونداريفسكي, الغرب ضد العالم الإسلامي, موسكو_دار التقدم - 1985- ص56
2- FINNIE D.H.  PIONEERS EAST _CAMBRIDGE 1987 , P. 56,58
3- COUPLND   R . EAST AFRICA & ITS INVADERS . L,1968 ,P.282_283
4- HAMITTON  . CH,AMERICANS & OIL IN THE MIDDLE EAST ,HOWSTON, 1982 , P,H.
5- خالفين, اليانكي في الشرق, موسكو 1966، ص 81
6- زوبوك, السياسة الأمريكية في بداية القرن العشرين موسكو 1969 ص256 .
7- ماركس, نبذة زمنية  في تاريخ الهند, موسكو 1947 , ص63-64 .
8- ماركس وأنجلس,المؤلفات من ص252-253
9- بوندا ريفسكي, مصدر سابق ص 69.




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home