دراسات هامة

 

العناصر القصصية في رواية( الشحاذ

حميد أكبري



العناصر القصصية في رواية( الشحاذ

نجيب محفوظ
حميد أكبري - الماجستير في اللغة العربية  و
  آدابها - جامعة إعداد الآكادميين - طهران

ملخص:
يدرس هذا البحث العناصر القصصية في رواية "الشحاذ" لنجيب محفوظ، و هي آخر قصصه ورواياته في المرحلة الفلسفية الرمزية. و العناصر المكونة لها هي : سرد الأحداث، الشخصيات، البيئة، الفكرة، الحبكة و مقوماتها من البداية : التضارب و التعارض، القلق و الحيرة و التشويق، الأزمة، الذروة، و انحلال العقدة. كما أنه يحاول أن يلقي الأضواء علي البناء الرمزي في هذه الرواية من رمزية الشخصيات، ‌و رمزية عنوان الرواية، ثم التوظيف الفني للطبيعة عند نجيب محفوظ في هذه الرواية. كذلك يتناول المنحي الصوفي الذي عالجه فيها نجيب محفوظ، ثم لغتها و أسلوبها، و أخيرا يشرح ما تأثر به نجيب محفوظ من الأدب الغربي في خلق هذا الأثر الأدبي.

تمهيد:
لقد كان نشوء الرواية في الأدب العربي مواكبا لبداية عصر النهضة الحديثة، و ذلك لاتصال العرب الوثيق بالغرب حيث مرت الرواية بطور الترجمة فالإقتباس فالوضع، حتي استقرت في مسلسلات.
و يرجع الفضل في ظهور الرواية إلى الصحافة و الترجمة، كما يرجع الفضل في إرساء قواعد الفن الروائي و القصصي إلى سليم البستاني، و جرجي زيدان، و فرح أنطوان، ثم تبعهم جبران خليل جبران، و طه حسين، و توفيق الحكيم، و محمود تيمور، و المازني؛ أما النهضة الحقيقية للرواية فكانت علي يد جيل تخرّج من الجامعات المصرية أمثال علي أحمد باكثير، و عبدالحميد جودة السحار، و يوسف السباعي، و نجيب محفوظ.1
ولد الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ في القاهرة سنة 1911م. و بدأ حياته الأدبية في العشرين من عمره. و نال جائزه نوبل في الآداب عام 1988م. عندما اختار نجيب محفوظ في الثلاثينات أن يتفرّع للتعبير الروائي كانت الساحة العربية خالية من التراث الروائي حجماً وقيمةً، إذ لم يسبقه في هذا المجال سوي عدد قليل ذكرناهم آنفا؛ فمهّد نجيب محفوظ بجهده لفن الرواية والقصة، و بفضله أصبحت الرواية من فنون الأدب العربية الهامة مقبولة و مقروءة علي المستوي العالمي. استمرّ محفوظ في محاولاته لتمهيد فن الرواية العربية و تأصيلها و توسيع نطاقها بحيث تستوعب أشكالا فنية جديدة لم يعرفها هذا الأدب بصورة واضحة من قبل. وقد تعرّف محفوظ علي فن الرواية الغربية من خلال قراءاته الواسعة، إلا أنه لم يعتمد في أعماله البناء الغربي، إذ كان يكتب بلغة عربية، و يعيش في بلد عربي له حضارته و قيمه و عاداته العربية.
قد مرّ نجيب محفوظ علي خمس مراحل في كتاباته2:
1- المرحلة التاريخية أو الرومانسية الواقعية : ومن آثاره في هذه المرحلة، عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة. (1935- 1938)
2- المرحلة الواقعية الإجتماعية : ومن آثارها فيها، القاهرة الجديدة، خان الخليلي، زقاق المدق، بداية و نهاية، السراب، و الثلاثية.( 1939- 1952)
3- المرحلة الواقعية الفلسفية ( الرمزية ) : و من آثاره فيها، أولاد حارتنا، اللص و الكلاب، السمان و الخريف، الطريق، و الشحاذ. (1952 - 1965)
4- مرحلة مرافقة القضايا الفلسفية مع القضايا الإجتماعية: و من آثاره فيها، ثرثرة فوق النيل، ميرامار.
( 1965 - 1967) 
5- مرحلة الحوارات الإستدلالية العقلية : و من آثاره فيها، خمارة القط الأسود، و ما بعدها. ( 1968 - ...)         
رواية الشحاذ هي آخر قصة كتبها نجيب محفوظ في المرحلة الثالثة .  و تمتاز قصصه في هذه المرحلة بميزيتين : الإحساس بالخواء و الرمزية، إضافة إلى الناحية الفلسفية؛ فإن الكبت و الخفقان الذي ساد المجتمع المصري قد دفع الكتاب المصريين إلى استخدام الرمز للتعبير عن آرائهم.
اصطبغت قصص نجيب محفوظ في الستينات بأسلوب تيار الوعي الذي استخدمه" جميس جويس و ويرجينيا ولف " في قصصهما؛ و ذلك يمتلئ بالتعبيرات الرمزية. و في هذه المرحلة يعجز أبطال قصص محفوظ عن إدراك فلسفة الكون، و يفتقدون الإيمان بالله فيجتاحهم القلق و الإضطراب، فالحياة تصبح لهم عبثا بلا معني. فهذه القصص تستهدف إلى هدفين : البحث عن القوة السحرية المجهولة (الله) لتمنح الحياة معني و غاية؛ و دراسة أسرار الكون و الكشف عنها، بينما يرافق هذين الهدفين القلق و الإضطراب و الترديد دائما.
و نحن نكون بصدد أن ندرس في هذه المقالة العناصر القصصية في رواية الشحاذ و أن نلقي ضوءا نقديا علي بناءها الفني. فالرواية هذه تشتمل علي كل العناصر المشترکة بين الفنون الأدبية. فمثلا نجد فيها سيطرة اليأس و التشاؤم و الحيرة، كما نجد فيها عاطفة الأمل و الثورة و الحماس. كذلك نجد فيها الخيال، و يتمثل هو في رسم لوحات فنية جميلة تتجلّي إما في مخيلة بطل القصة، و إما مستمدة من واقع الحياة.
و يتکشف للقارئ بعد قراءة هذه القصة الجميلة، كيف نجح نجيب محفوظ في الجمع بين العناصر الشعرية و العناصر النثرية، و أخرجها في صورة رائعة يستمتع بها القارئ.

العناصر القصصية
تتكون كل قصة و رواية من أجزاء و عناصر لا بدّ من وجودها لكي تظهر القصة إلى الوجود، و هي :
1- الحكاية ( سرد الأحداث)
يبدأ القصة عندما يذهب عمر الحمزاوي إلى عيادة صديقه الطبيب حامد صبري و يشكو إحساسا انتابه و دفعه إلى الضجر من كل شيء، من زينب زوجته، من العمل، و من كل ما تحاط به حياته. لقد أخذ يتأمل حياته و هو أفاق بعد عمي ربع قرن؛ و مثلما انتکس حماسه الثوري، انتكست أيضا مشاعره تجاه زينب، إذ أصبحت نموذجا للمطبخ و الإمتلاء و الدسم و أيضا للضجر و الملل. و قد أدت حياته معها إلى تحوّله عن انقلاب الثائر و المتطلع إلى سر الوجود إلى" محام ثري في المواد الدهنية ".3 فترة حبه لزينب و حماسه للإرتباط بها عاصرت جانب الثورة في نفسه ، ذلك الجانب النقي الذي دفعه إلى حب الشعر حيث كان يستنطق أصدق مشاعره. فالثائر فيـه هو الذي فجّر ملكة الشعر. و عندما انقلب إلى النقيض اتخذ المسار نفسه تجاه زينب، إذ قال في حديث" يا إلهي! إنهما شيء واحد: زينب و العمل، و الداء الذي زهدني في العمل هو الذي يزهدني في زينب، و هي القوة الكامنة وراء العمل، هي رمزه ، هي المال، و النجاح ، و الثراء، و أخيرا المرض. و لأنني أتقزز من كل أولئك فأنا أتقزز من نفسي، أو لأنني أتقزز من نفسي فأنا أتقزز من كل أولئك".4
و قد كان تشحيص الطبيب لمرض عمر الحمزاوي بأنه" مرض بورجوازي "؛5 و قد عدّه ظاهرة طبيعية لأبناء البورجوازية، و أن القلق و التوتر يعدان سمة ملازمة لأبناء هذه الطبقة، و هو يوضّح هذا لعمر قائلا:" دعني أصف لك حياتك كما أستنبط من الكشف، أنت رجل ناجح ثري، نسيت المشي أو كدت، تأكل فاخر الطعام، و تشرب الخمور الجيدة، و ترهق نفسك بالعمل لحد الإرهاق، و دماغك دائما مشغول بقضايا الناس و أملاكك. أخذ القلق يساورك علي مستقبل عملك و مسير أموالك".6
بدأ عمر الحمزاوي حياته ثوريا، و كان من الطلائع الذين يحلمون بالمدينة الفاضلة، و يتفجرون حماسا للثورة، و يشتعلون رغبة في الحياة  الإنسانية التي يسودها العدل و المساواة تحت ظل الإشتراكية و يعلمون لتحقيقه. و قد انسحبت روح الثورة عن حياة عمر الشخصية، إذ تزوج غير تقليدي، فقد أحب كامليا فؤاد و هي من مدرسة الراهبات. و قد قرر الزواج منها بعد أن غير اسمها إلى زينب و كان يشاركه في طريق  الثورة صديقاه ( عثمان خليل و مصطفي المنياوي ) فانطلقوا جميعا بروح الحماس  و الثورة  و الحلم  بالمدينه  الفاضلة.  و في  منتصف  طريق الجهاد  و بعد تدبيرهم لقتل احدي  الشخصيات المناوئة للقوي الثورية يتمَ القبض علي عثمان خليل و يستطيع الآخرون الفرار.  و عندئذ  تطوي صفحة الجهاد، إذ يقبع عثمان خليل خلف أسوار السبحن دافعاً سنوات من عمره  في الدفاع  عن عقيدته، صامداً علي التعذيب ألا يدل علي زميليه. و اتجه عمرالحمزاوي إلى العمل  في المحاماة و هجر الفن و الشعر، و آمن  من خلال ممارسته العملية للحياة بأنه لا مكان للفن الصادق فيها، و أن الفن  مجرد لهو و تسلية في عصر سيطر فيه العلم علي الحياة سيطرة  تامة، بينما نجد مصطفي المنياوي قد ارتد من طريق الفن الجاد و أخذ يکتب مسرحيات لتقدّمها فِرَق الطليعة المسرحية، ثم اتجه إلى ميدان  الفن للتسلية. الفن بلا مضمون جادّ. و قد شبّه هو نفسه ببائع اللب و الفُشار و كافة أدوات التسلية في الصحافة و الإذاعة و التلفزيون. فقد  يكتب بقلمه دون ايمان شخصي بما يكتب. فقال لعمر:" العلم  لم يبق شيئا للفن، ستجد في العلم  لذة الشعر و نشوة الدين  و طموح الفلسفة. صدّ قني  لم يبق للفن  إلا التسلية. و سينتهي يوما بان يصير حلية نسائية مما يستعمل  في شهر العسل ... إقرأ أي  كتاب في الفلك أو في الطبيعة أو في أي علم من العلوم  و تذكّر ما تشاء من المسرحيات أو دواوين الشعر ثم اختبر بدقة إحساس الخجل الذي سيجتاحك ".7
و لما عاد عمر من عيادة الطبيب إلى بيته، و رأي هناک صديقه مصطفي المنياوي واقفاً بجانب زينب و بثينة و جميلة، و كيف أنهم يترقبون مجيئه قلقين. فسأله مصطفي و زينب عن المرض، فأجابهما عمر لا شيء؛ فسّرت زينب بهذا الخبر. و لكن  قلق عمر الحمزاوي كان أخطر من هذا القلق الذي قال به الطبيب و الذي عدّه ظاهرة  طبيعية، لأنه صدر عن معاناة البحث عن نفسه الضائعة،إذأفاق فجأة بعد عشرين عاما، و أدرك أن كل ما حققه، لم يستطع أن يعوّضه من فقد ذاته الحقيقية، تلك الذات التي فُقِدَت يوم تخلّي من عقيدته و نبت الثورة في نفسه. فترك ذاته، و بدأ يلهث للحصول علي أفضل مظاهر الحياة؛ فكان يركب الكا ديلاك، و يسكن بيتا كبيرا، و يأكل فاخر الطعام، و يبتعد بنفسه عن مخاطر طريق الثورة. فآثر السلامة، و ابتعد عن ذلك الطريق المهفوف بالمخاطر و القلق. و كان ثمن هذا هو حبس روحه في مجال  تنفّسها الحقيقي.  و قد شبهها هو نفسه قائلاك:" و حبست الروح في برطمان قَذِر كأنها جنين مجهض".8 فقد أجهض حماسه الثوري و انطلق في طريق آخر. فانفجرإحساسه بضياع حياته، عندما رأي الآخرين يتأملون في لحظات تحقيق أمل في الحياة أو كسب موقف ما. قد شدّ هذا بدوره في نفسه الإحساس بالخواء و عدم تحقيقه شيئا في الحياة. و في حوار جري بينه و بين أحد موكليه نجد تاكيدا لهذه الفكرة، إذ يقول له الرجل:" أنا ممتن  يا اكسلانس، أنت محيط بتفاصيل  الموضوع بدرجة مذهلة حقيقة باسمک الكبير، و أن عملي في کسب القضية لعظيم ".9 فضحك بسرور بين و قد شعر عمرالحمزاوي بغيظ شديد، ثم قال:" تصوّرأن تكسب القضية اليوم و تمتلک الأرض، ثم تستولي عليها الحكومة غدا ".10 فهز رأسه في استهانة، و قال:" المهم أن نكسب القضية ألسنا نعيش حياتنا و نحن نعلم أن الله سيأخذها ".11 فاستسلم عمر بوجاه منطقه، و لكن ذهل رأسه بدوار  مفاجئ و اختفي كل شيء ... ".12 و هذا الحوار ذكّر بعمر بأنه لا يعيش حياته، و أنه ربما يموت دون  أن يحقق كيانه کانسان و وجوده كفرد، فسقط  في حضن النقيض الذي كان يحاربه. و قد تلقّي هذا الإحساس من حديث جري بين رجل و امراة يسمع  لهما عمر الحمزاوي.
 فقال الرجل :
- عزيزتي! نحن منحدرون إلى خطر مؤكد.
 فقالت المراة :
- هذا يعني أنك لا تحبني.
- لكنك تعلمين تماما أني أحبك.
- إذا تكلمت بعقل، فهذا يعني أنك لم تعد تحبني.
- ألا ترين أنني مسئوول و أنني جاوزت الشباب.
- قل إنك لم تعد تحبني.
- سوف نهلك معا و نخرب بيتنا ...
- ألا تكفّ عن المواعظك
- لك زوجك و بناتك، و لي زوجتي و أبنائي ...
- ألم أقل لك أنك لم تعد تحبنيك
- و لكنني أحبک.
- إذن فلا تذكرني بغيرالحب.13
و موقف المرأة يتسم بالتضحية مع الإستهانة بجسامة النتائج المترتبة علي تمسّكها بحبها تماما كصاحب القضية الذي لا يهمه سوي كسبها. و لهذا يكون تعليق الحمزاوي عقب هذا الموقف" أن أيام الجهاد لم تعدّ إلا ذكريات منحطة ".14 و أثناء هذا الضجر و في كل اللحظات كانت تبرز ذكري عثمان خليل الذي يتمثل في ذهنه دائما ثائرا قويا يضرب أروع الأمثلة علي القوة و الجلد، بينما هو انطلق إلى طريق السعادة و تضخيم الثروة. و هنا تزداد رغبته في الفرار من هذا الواقع، و ينتابه إحساس بالرغبة في إيقاع العقاب علي النفس. علي أنه كان يطمئن إلى عاطفة الضمير لديه عن طريق المساعدات المادية التي كان يقدمها لوالدي عثمان خليل حتي آخر حياتهما. مع هذا أنه لم يستطع أن يخمد صوت رفض الواقع في نفسه، فكان يتصور في مخيلته دائما صورة عثمان خليل، و ذلك يقوّي لديه الرغبة في الهروب من الواقع، و كأنه لا يريد أن يخرج عثمان، و يري أن هذه المكاسب الضخمة التي  حققها الحمزاوي في حياته، و في غفلة عن هذا الثوري. فأخذ هو نفسه في تحطيمها بيده، ظنّاً بأن هذا العمل يريح ضميره. لذلك هجر زينب، رمز العمل و النجاح و الثراء و أخيرا الضجر عن كل ذلك، و انطلق في طريق الجنس، و تقلّب في علاقات جنسية متعددة. فأول امراة تعرّف إليها هي مارجريت، راقصة في ملهي يازبك ( الباريس الجديدة )، و قد تعرّف إليها عن طريق صديقه مصطفي الذي قال لها بأن صديقه عمر أصيب بداء  طريف في الأيام الأخيرة، و هو يبحث عن الجمال علاجا  لدائه، و هي داؤه  الوحيد. فقضي معها عمر ليال، إلى أن تركته مارجريت و سافرت فجاة إلى خارج القطر.
 و كانت علاقته الثانية بِ" وردة "التي كانت طالبة بمعهد التمثيل غير ناجح في السينما، و لكن  كانت بارعة في الرقص، فتألقت في كابري. و قد هجرت بيتها علي رغم أن أمها و عمّها العجوز و أخوالها منعوها من الدخول في معهد التمثيل. و قد اقترحها يازبك علي عمر، ظنّاً  بأنها تناسبه للزواج. و عندما رأها عمر، عشقها و أراد الزواج منها. و قد شهد مكتبه زيارات كثيرة من خاله" حسين كرم " و أخته الوحيدة، ضرعا إليه ألاّ يتزوج من الراقصة، و لكنه دافع عن سعادته بكل قواه، و رأي" النشوة هي اليقين ".15 و في هذه الأيام أخبره مصطفي بأن زينب مرهقة بالحبلي، و أنه يخشي عليها أن تهجر البيت يوما؛ لكنّ  عمر لم  يهمّه شيء من هذه الأقوال، فهجر البيت نهائيا، و رآه الحلّ الوحيد، فعاش  مع وردة في شقة، و هي أحبته لحدّ الجنون، و كان عمر يشعر بأنه آدم  في الجنة. فأحسّ أن الشعر الذي تركه في أيام الشباب يتحرک من جديد في أعماقه، إلاّ أن مسرّته مع وردة لم  تلبث أن زالت، إذ أنه شاهد من جديد مارجريت فوق المسرح في باريس الجديدة، فرغب فيها، فاعتذر ليلة لوردة و لم يدر كيف يعتذر لها في الليلة التالية. و استمرت العلاقة بينه و بين مارجريت حتي فهمت وردة بوجود  العلاقة بينهما، فتركته هي أولا ثم مارجريت بعدها، لأن عمر كان يغامرها  في الطرق و لا يذهب بها  إلى البيت، و قد استاءت هي من مغامرات  الطرق. فأصبح بعد ذلك يذهب كل ليلة بامرأة من هذا الملهي أو ذلك أو حتي من الطريق حيث  صار أكبر زير النساء.
و قد حرص أثناء هذه العلاقات علي إهمال عمله و عدم اختفاء هذه العلاقات، و كأنه يسعي إلى تلوبث سمعته. و كان ذلك إمعانا في تحطيم نفسه و هدمها.
 و اتخاذ هذه الطريقة من جانبه کان محاولة منه في البحث عن وجوده إلا أنه لم يجد فيها ما يشبع روحه الظامئة. و قد اكتشف له أن نشوة الجنس أقصر من أن تدوم و أنها أقصر من أن تردّ إليه ذاته. و لهذا قرر أن يهرب إلى طريق جديد يظنه هو طريق البحث عن الحقيقة.
و القلق دائما يجتاح فكره و عالمه الفكري، و يدفعه إلى الهروب من الواقع و اللجوء إلى العبث و التخيلات اللامعقول، فيتخيل" أنه استحوذ علي قوة سحرية، و راح يستعملها في تسلية الناس، فكان يخفي في غمضة عينٍ دار الأوبرا حتي يتجمع الناس ذاهلين، ثم يعيدها في غمضة عينٍ حتي يتصايح الناس من الذهول ".16 و يتمادي في تخيلات البعث التي تبعد به عن منطق الواقع الذي يرفضه، و يتخيل نفسه" يرقص فوق  قمة الهرم أو يقتحم الهيلتون عارياً، أو يقفز من أعلي جسر إلى قاع النيل ".17 فهو يريد الخلاص من إطارعمرالحمزاوي، المحامي الناجح إلى أي شيء يناقض هذه الصورة. فكان يمعن في هروبه من الواقع، إذ أنه لم يحقق بعدُ هذه الرغبة الهروبية بصورة كاملة، لأن يقترب من  نشوة الحقيقة. فانطلق نحو الصحراء،" فوقف في ظلمة غريبة كثيفة بلا ضوء انساني واحد. لا يذكر أنه  رأي منظرا مثل هذا من قبل. فقد اختفت الأرض و الفراغ، و وقف هو مفقودا تماما في السواد ... وهبّ الهواء جافا لطيفا منعشا موحدا بين أجزاء الكون. و بعدد رمال الصحراء التي أخفاها الظلام، انكتمت  همسات أجيال، أجيال من الآلام و الآمال والأسئلة الضائعة ".18  و عندئذ تمتلئ نفسه بالإنفعال، فيقول " و قد يتغير كل شيء إذا نطق الصمت و ها أنا أضرع إلى الصمت أن ينطق، و إلى حبة الرمل أن تطلق قواها الکامنة، و أن تحررني من قضبان عجزي المرهق. و ما يمنعني من الصراخ إلاّ انعدام ما يرجع الصدي. و أسند جسمه إلى السيارة، و نظر نحو الأفق، و أطال و أمعن النظر. و ثمّة تغير جذب البصر. رقّ الظلام و انبثّت فيه شفافية. و تكوّن خطّ في بطء شديد، و مضي ينضح بلون وضيء عجيب... فانبعثت دفقات من البهجة و الضياء و النعسان. و فجأة رقص القلب بفرحة ثملة، و اجتاح السرور مخاوفه و أحزانه ... و شملته سعادة غامرة جنونية آسرة، و طرب رقصت له الكائنات في أربعة أركان المأمورة... و أظلّه يقين عجيب ذوثقل يقطر منه السلام و الطمأنينة ... و ترامت الدنيا تحت قدميه حفنة من التراب ... و لبث يلهث و يتقلّب في النشوة ... و شعر بدبيب آتٍ من بعيد، من  أعماق نفسه. دبيب إفاقة ينذرها بالهبوط إلى الأرض. عبثاً حاول دفعه أو تجنّبه أو تأخيره. راسخ كالقدر، خفيف كالثعلب، ساخر کالموت. تنهد من الأعماق، و استقبل موجات من الحزن، و أفاق و الضياء يضحك ".19
 و في هذه الصحراء تمثلت له لحظة التحول، و أنه اكتشف طريقا جديدا للبحث عن الحقيقة، و الهروب من إيذاء الواقع و إيقاع العقاب علي النفس، خاصة أن هذا القرار قد اتخذه بعد خروج عثمان من السجن، و كأنه لم يرد أن يراه عثمان متمتعا بحياة الترف، بينما هو محبوس بين جدران السجن. فقرر أن يترك مكانه لعثمان حيث عرض عليه أن يحلّ محلّه في مكتب المحاماة ناوياً من وراء  ذلك أن يعوّضه ببعض ما فاته، كما قرّر أن يترک کل هذه المظاهر ذاهبا إلى كوخ صغير يبغي فيه تلک اللحظة الفاتنة التي عاشها في الصحراء، و حتي لا يشارک عثمان في أي من مظاهر الحياة التي أصبح يرفضها. و يبدو أنه اتجه نحو التصوف انتقاما من سنين ترف التي عاشها، فاستغرق في سبحات  التصوف، و بني لنفسه عالما تسوده خيالات يحكمها منطق غير منطق الواقع. و هناك و في كوخه الأسطوري في تلک الصحراء حيث تكمن حقيقة كل شيء في اللاشيء، و حيث تاقت نفسه إلى لحظة التحرر الكامل، لا تفارقه أنياب الواقع المدببة لحظة واحدة. فإذا ابنه سيمر-  و هو قطعة لحم حمراء بعدُ -  يحمل رأس عثمان خليل، و يطارد أباه مطاردة عنيفة حتي ينطرح علي الأرض إعياءً، فيسمع الصفصافة تترنم ببيت من الشعر، و اقتربت  منه بقرة قائلة له أنها سوف تتوقف عن درّ اللبن لتتعلم الكيماء. و زحفت حية رقطاء ثم بصقت أنيابها و راحت ترقص في مرح.  و انتصب الثعلب حارسا للدجاج، و اجتمعت جوقة من الخنافس و غنّت أغنية ملائكية ... أما العقرب فتصدّت له في لباس ممرضة. و ما أشبه ذلك الحلم العجيب بتلك اللحظة الفاتنة التي وقفها ليلا في تلك الظلمة العجيبة. ثم يأتي إليه عثمان خليل، و يخبره أنه قد تزوّج من بثينة ابنتة التي كانت تحفظ الشعر و تكتبه، و هي التي أخذت عن أييها سرّ الوجود بقراءة ديوانه دون أن تاخذ مرضه، و أنها تنتظر من عثمان ولدا. فعليه أن يعود لأن عثمان يطارده الشرطة و حتما سيتمّ القبض عليه، و يعاد إلى السجن.
  و أثناء مطاردة الشرطه لعثمان خليل يصاب عمر الحمزاوي برصاصة في ترقوته، و هي كانت بمثابة الصدمة الكهربائية التي يفيق المريض بعدها، و كأنها أصابت غيبوبته فشفي منها. و قد أفاق من خيالاته، و وجد لنفسه طريقا جديدا يرضي عنه، و يرضي روح المناضل القديم في نفسه، إذ عليه أن يرعي ابن بثينة من عثمان، و أن يحيي طريق عثمان و يسلكها عن طريق ذلك الإبن و كذلك ابنه سمير الذي تخيله" يثب إلى الأرض متخذاً من رأس عثمان رأسا له ".20  و لهذا فهو عندما سمع  صوت الشرطه قال بعد القبض علي عثمان"  ... انتهي .... قُبِضَ عليه .... و انتهي كل شيء. يهمس في أعماقه، و يقول:" ليس لشيء نهاية ".21 فخامره شعور بأن قلبه ينبض في الواقع لا في الحلم، و بأنه رجع إلى الدنيا حقيقة، فوجد نفسه يتذكر بيتا في وعيه بوضوح عجيب:" إن تكن تريدني حقا فَلِمَ هجرتنيك".22

2- الشخصيات :
بما أن القصة و الرواية تعالج فترة واسعة من الحياة بكل ملابساتها و جزئيتها، تكثر فيها التشعبات و الإستطرادات. فهناك شخصيات كثيرة و أحداث عديدة تعترض مجري القصة، فتتفرع إلى منعرجات تؤثّر في اتجاهها، فهي تختلف عن الأقصوصة، لأن الأقصوصة تدور علي محور واحد، و لا تشتمل من حياة أشخاصها إلا فترة محدودة، أو تدور علي حادثة خاصة، و لا تقبل التشعب و الإستطراد إلى ملابسات كل حادث و ظروف كل شخصية. و لذلک" أن الأقصوصة شيء آخر غير القصة، فليست قصة قصيرة؛ و تسميتها هكذا short story قد توجد شيئا من اللبس. و لعله أولي بنا أن نصطلح في اللغة العربية علي تسمية القصة الرواية لنفترق ما بين اللفظين من الإشتباه".23
  أما هذه القصة ( الشحاذ ) تکون وسطا بين الأقصوصة و الرواية، لأن حجمها أکثر من حجم الأقصوصة، و المحيط الذي تشمله لا تتسع اتساع الرواية، إذ لا ترسم مساحة واسعة من الحياة و من الشخصيات.24
تنقسم الشخصيات في هذه القصة وفقا لطريقة عرض نجيب محفوظ إلى أربعة أقسام تختلف حسب دورهم :

ألف) الشخصية الأصلية :
هو عمر الحمزاوي محامٍ ناجح ثري في خمس و أربعين من عمره، و ثوري في شبابه. فيصف لنا الكاتب من بداية القصة إلى نهايتها جوانب شخصية هذا البطل المختلفة، و تفاعله مع الأحداث و سائر الشخصيات. و هو نفسه يصور أفكاره الرئيسة. تكون هذه الشخصية من الشخصيات النامية ( المتطورة ، غير ثابتة ).25 فإن الكاتب يبرز لنا هذه الشخصية تدريجيا خلال القصة، وهي تنمو نتيجة لتفاعلها المستمر مع الأحداث. فإنها تفقد معني الحياة، و تبحث عن الله و حقيقة نفسها و سر الوجود. و لها أفكار متشردة و تخيلات غير واقعية، و لكن في أواخر القصة تصل إلى واقع حياتها و تعود إلى وجودها الثوري القديم. ثم إنه يصور هذه الشخصية النامية كشخصية واعية منطقية، أي تصرفاتها هي نتيجة واضحة لصفاتها؛ ومع هذا أننا نجد عنصر المفاجاة في بعض أحداث القصة. إضافة إلى هذا أنه صوّر شخصية عمر بطريقة تمثيلية في بعض أحداث القصة، حيث يقف الکاتب بجانب و يمهد المجال لبطله لأن يكشف عن حالات نفسه عن طريق الكلام و الحركة، يجعله يعبر عن نفسه بما يضعه في أفواه الشخصيات الأخري من تعليقات عليه و أحكام. و رسمُ البطل بهذه الصورة قد تکرّر کثيرا خلال القصة حيث لا يحصي. و أحيانا نجد المؤلف يختار الطريقة التحليلية،26 فيحلل عواطفه و أفکاره و أحاسيسه ، ويفسر دوافعها.

ب ) الشخصيات الفرعية المباشرة :
فهي تتعدد و تختلف ظهورا وفق دورها في أحداث القصة؛ و منها: شخصية عثمان خليل صديق قديم لعمر في مرحلة الثورة و سجين حاضرا، لكنه في أواخر القصة يطلق سراحه و يتزوج من بثينة بنت عمر. و هي من الشخصيات البسيطة الثابتة و المسطحة.27 و مصطفي المنياوي صديقه المرافق له في أحداث القصة، خرج من نطاق الفن الجدّي، و أقبل علي كتابة المسرحيات لتمثلها جوقة المسرحية. و هو يشبه نفسه ببائع اللب و الفشار و كافة أدوات التسلية في الإذاعة و التلفزيون. و لقّب عند أصدقائه بالأصلع الصغير. فشخصيته ها هنا شخصية متطورة و نامية، لأنه كان يؤمن بالإشتراکية في أيام الشباب، ثم تغير و تراجع عن رأيه، فانصرف إلى الإيمان بالعلم ، فهجر الفن الجدي فأصبح صحفيا نابهاً.
و زينب، زوجة عمر، كان اسمها كامليا فؤاد من راهبات الكنيسة؛ فغير عمر اسمها إلى زينب و تزوج منها. و كانت هي فتاة جميلة ذات عينين زرقاويتين في أيام الشباب. و قد تحولت حاليا إلى شخصية سمينة غارقة في المواد الدهنية. فهي إذا شخصية نامية.
بثينة بنت عمر، و هي فتاة جميلة ذکية، تمثل أمها في الرابعة عشر من عمرها؛ حصلت علي ديوان أبيها القديم، فأعجبت به، فأخذت عنه سرّ الوجود دون أن أصيبت بمرض أبيها. و هي شخصية ثابتة.
جميلة بنت عمر الصغيرة کانت لا تفهم من الحياة شيئا، و تلعب و تخلق بعض الأفعال الصبيانية، وهي شخصية ثابتة.
عليات زوجة مصطفي، و هي امرأة رزينة قوية الشخصية في الأربعين من عمرها. و كانت شخصية ثابتة.
حسين كرم خال عمر، وهو الذي نهاه عن الزواج من وردة . فشخصيته شخصية بسيطة ثابتة.
حامد صبري، صديق عمر الطبيب، كان يري فلسفة الحياة و معناها في خدمة الإنسان. و هو شخصية ثابتة.
العميل الذي أثّر كلامه في عمر، و أوجد فيه أزمة نفسية. و هو شخصية نفسية.
مارجريت، راقصة انجليزية التكوين من راقصات ملهي باريس الجديدة. و قد قضي معها عمر ليال ، ثم هجرته فجأة. و شخصيتها شخصية ثابتة.
وردة، و هي راقصة في ملهي باريس الجديدة متخرجة من معهد التمثيل، لكن لم توّفق في السينما. و كانت تجيد الرقص. و قد عشقها عمر و هي تحبه لحد الجنون. عاشا فترة من الزمن، ثم تركته. فهي شخصية نامية متطورة.
يازبك، و هو من أصدقاء مصطفي، و صاحب ملهي باريس الجديدة، الذي اقترح علي عمر الزواج من وردة.
ج ) الشخصيات الفرعية غير المباشرة :
لقد أثّرت هذه الشخصيات في تكوين القصة و حركاتها. لكن دورها أقل من الشخصيات الفرعية المباشرة، منها: زوجة الدکتور حامد  صبري التي كانت مغرمة بأعمال مصطفي الفنية. منها السفرجي و التمرجي و النادل، منها رئيس التحرير الأسبوعية التي يعمل فيها مصطفي، أخت عمر الوحيدة، والدا عثمان اللذان كانا يتلقيان من عمر مساعدات مادية أثناء فترة كان عثمان محبوسا.
الزبون الذي اكتسب عمر منه قضية، سمير ابن عمر الصغير، قوات الشرطة، النساء التي غامرهن عمر، مني الراقصة، أخوال وردة، و أمها و عمها العجوز، الرجل المجنون الذي كان يرفع يديه علي طريقة الزعماء، و يلهث بكلام لا يربطه منطق، سليمان باشا، الرجل و المرأه التي يتحدثان عن الحب و كان عمر يسمع كلامهما، چوقة المسرحيات التي تمثل مسرحيات مصطفي، و...  
د ) الشخصيات الحيوانية :     
هذه الشخصيات يمكن أن تندمج في الشخصيات الفرعية، و هي شخصيات تخيلها عمر و أعطاها صورة إنسانية؛ منها البقرة القائلة له بأنها سوف تتوقف عن درّ اللبن لتتعلم الكيمياء؛ ثم الحية الرقطاء التي زحفت ثم بصقت أنيابها و راحت ترقص في مرح؛ ثم الثعلب الذي انتصب حارسا للدجاج؛ ثم جوقة الخنافس التي غنّت أغنية ملائكية؛ و أخيرا العقرب الذي تصدّت لعمر في ثوب ممرضة، و الصفصافة التي تترنم ببيت من الشعر.  
و قد استخدم الكاتب طرق مختلفة لعرض الشخصيات، أحيانا نجده يستخدم "أسلوب الغائب". و هذا هو السرد المباشر، أو يستخدم أسلوب" تيار الوعي "، الطريقة التي تتحقق من خلال تصرفات و أفعال الشخصيات و تداعي الأفكار. و هذا ما يعبر عنه بالحوار الداخلي أو المونولوج. و قد استخدم نجيب محفوظ هذه الطريقة للبطل الأصلي في القصة" فقد لجأ إلى تطعيم الأسلوب السردي بنجوي النفس و الحديث إلى أصدقائه و أهله. و لكن هذا الحديث النفسي لم يكن في كل الأحيان نابعا من طبيعة الموقف أو الحديث الخارجي، بل كان في أحيان كثيرة بمثابة مرشد للقارئ إلى المعاني التي يمكن أن تكمن تحت الأحداث و المواقف. و لو اعتمد المؤلف علي مثل هذه الهواجس الداخلية الموحية أكثر مما فعل، لاستطاع القارئ أن يستشف أزمة الشخصية، و يدركها إدراكا أوضح ".28
 و أحيانا يستخدم" طريقة الترجمة الذاتية "،29 و هي أسلوب المتكلم في عرض شخصية البطل الأصلي، أو يستخدم " أسلوب المخاطب"، فيخاطب فيه البطل نفسه بعض الأحيان كما حدث في هذه القصة، أو يستخدم" أسلوب الحوار"، و هو أكثر الأساليب السابقة ظهورا في القصة. فنلاحظ أن نجيب محفوظ لم يقتصر في هذه القصة علي أسلوب واحد لعرض شخصياته، بل يجمع فيها أساليب متعددة، و كثيرا ما يستطرد بينها ، من الحوار إلى تيار الوعي، من المتکلم إلى الخطاب، و من الخطاب إلى الغائب و ... و عن هذا الطريق يكثر في القصة انسياب الزمن و تداخله و تدفقه باختلاف الضمائر الثلاثة.

3- البيئة( الزمان و المكان ) :
بما أن البيئة هي العنصر الاجتماعي و المادي في القصة، فلا بدّ أن تقع في مكان معين و زمان معين ، لأن هذه الروابط الزمانية و المكانية تساعد علي إعطاء القصة بعدها الواقعي و ملامحها الاجتماعية. و نجد في هذه البيئة عادات و تقاليد و طرق المعيشة تحيط بالأشخاص ، و تؤثر في تصرفاتهم و تعطي القصة الحيوية.
الف) البيئة الزمانية:
 إن البيئة الزمانية في هذه القصة تنقسم إلى الزمان الكلي و الزمان الجزئي. أما الكلي منه، فهو يستغرق القرن العشرين عامة، نجد فيه اللحظة الحاضرة و هي الستينات، الفترة التي سيطر فيها العلم علي جوانب الحياة كلها ، و خملت الصحوة الاشتراكية فيها ، و اللحظة الماضية الأربعينات ، و هي الفترة التي يتذكرها البطل أثناء القصة و أنه كان فيها من الثائرين المصريين الذين يحلمون إلى إقامة دوله اشتراكية لتقيم العدالة الإجتماعية و الحرية و الاستقلال. و أما الزمان الجزئي، فيتمثل في أزمان جزئيه تقع فيها الأحداث، مثل شهر أغسطس، وقت الغروب، الساعة الواحدة أو الثالثة من الليل، الصباح الباكر، الخريف و الربيع و...  .
و أما البيئة المكانية في القصة، فهي القارة الإفريقية عامة، و بلد مصر مع مدنها خاصة، مثل القاهرة، الإسكندرية، ميادينها، طرقها، و الفيوم. كما فيها أماكن جزئية أخري کانت محلا لبعض الأحداث، مثل عيادة الطبيب، حجرة الإنتظار، حجرة الكشف، مستشفي الولادة، حجرة الاستقبال، الشقة التي سكنها عمر و" وردة "، الطريق الصحراوي في الهرم، جاردن سيتي، بنسيون أثينا، الكازينو، ملهي باريس الجديدة، سينما سان استفانو، الكورنيش، شاطيء النيل، أرض سليمان باشا، مكتب عمر الحمزاوي و الكوخ الذي سكنه في الصحراء، و سائر أماكن التي لها أثر في القصة. و هي كوعاءٍ لِوقع الأحداث.
     قد وصف لنا نجيب محفوظ حياة شخصياته ، و عالم قصته. و القصة هي تصوير لحياة الطبقة البورجوازية من المجتمع المصري في الستينات ، کما وصف لنا صورة حياتهم متمثلةً في أسرة محامٍ ناجح ثريّ، و أصدقائهم و ما يتصل بهم و بمجتمعهم من العادات و التقاليد؛ فهم يركبون الكاديلاك، و الفورد، و الباكار، و ينتقلون بين المدن المصرية؛ بعضهم يميل إلى الفن و بعض آخر يرفضه، كذلك وصف لنا وليمات عشائهم و أطعمتهم و أشربتهم من الويسكي و الشمبانيا و بيرة و ملابسهم من الفستان و القميص. کما وصف مغامراتهم الليلية و ملاهيهم، منها باريس الجديدة. کما أن الکاتب لا يغعل عن وصف ما يتصل بالسكان المسيحيين المصريين، فيشير إلى النواقيس المدلاة من سقف مزخرف برسوم العرايا. و وصف تمكّنهم الاقتصادي و مستواهم الثقافي، و شرح أفكارهم السياسية و اعتقادهم بالاشتراكية و...  .

4- الفكرة :
الإيدئولوجيات المختفية و الأفكار الكامنة وراء سطور هذه القصة تتخلص في ما يلي :
الف) الإشتراكية هي المفتاح الوحيد لحلّ المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية، و هي التي تضمّن العدالة الاجتماعية و الحرية و الاستقلال.
ب ) الإيمان بالثورة ، و التضحية بالنفس في سبيل العقيدة و الأمل بالمستقبل :" إنّ العمر لم يضيع هدرا، و أن ملايين الضحايا المجهولين منذ عهد القرد قد رفعوا الإنسان إلى مرتبة سامية ".30
ج)" إن رسالة الانسان الحقيقية تتمثل في العمل، و العلم القائم علي الايمان، و لا يمكن أن تستقيم حياته إذا أسقط أيّ من هذه القيم ".31
د) ليس هناك مانع من أن يجتمع الشعر و العلم و الثورة، و لا ينبغي أحد هذه الثلاثة دون الإثنين الآخرين. و هذا هو الفكرة الرئيسية في قصة الشحاذ.
ذ ) البحث عن ذاته هو الطريق، و الرحلة ذاتها هي الهدف، و أن المأساة الحقيقية كامنة في التصورات التقليدية لمعني الطريق بينها. البحث في ذاته يعني الكشف، و الكشف هو الخلق و الإبداع، كما قادت هذه التصورات عمر الحمزاوي من الطبيب إلى مارجريت ثم إلى وردة.32
و بجانب هذه الأفكار الرئيسة المختفية، هناك أفكار جزئية في القصةتتخلص فيما يلي :
الف ) سيطرة التقاليد و عبوديتها علي رأي أخوال وردة و أمها، فهم ينهونها عن الدخول في معهد التمثيل.
ب ) نشوة الجنس لا تدوم، و من النادر أن يظفر انسان بنشوة الحب في الملاهي.
ج ) إقبال الإنسان علي اللهو و الجنس، إذ هو الذي ينسي الإنسان آلامه و مآسيه. و هذه الفكرة هي من الأفكار التي تخضع للرفض و القبول.
د ) اليأس و الفشل و الإنقطاع عن العمل شيء لاينفد، و يتجدد مرة بعد مرة :" الفشل! اللعنة التي تدفن و لا تموت ".33 و الحياة في هذه الرواية كلها فشل و إخفاق. و هذه الفكرة أيضا هي التي تخضع للرفض و القبول.
5-الحبكة :
الحبكة هي مجري تندفع فيه الأحداث و الشخصيات مع تسلسل طبيعي منطقي، أي الترابط بين الأحداث قائم علي نظام عِليّ و معلولي خاص. فيخلق الكاتب أسئلة عديدة في ذهن القاريء، الأسئلة التي تتوافد علي حوادث القصة و علي أسباب حدوثها. و يجد القاريء جوابها إما في أثناء القصة، و إما في نهايتها." والحبكة الجيدة تحمل معها عنصر المفاجاة، و ذلك كأن يذكر الكاتب لنا كل ما في ذهن بطله ثم يجعل خطيبها المغرم بها يهجرها، فتحزن لذلك ".34
أغلب الظن عندي أن تكون الحبكة في هذه القصة حبكة مفككة، لأنها تُبني علي سلسلة من الحوادث أو المواقف التي لا تكاد ترتبط معا برباط لِكثرة الإستطرادات، و الإنسياب الماضي في الحاضر؛ لكن مع هذا هناك صلات بينها. و أمّا وحدة العمل القصصي فيها، فلا تعتمد علي تسلسل الحوادث، بل إنّها تعتمد علي البيئة التي تتحرك فيها القصة، أو علي الشخصية الأولي، أو علي الفکرة الشاملة التي تنتظم فيها الحوادث و الشخصيات معاً، أوعلي النتيجة العامة التي تنجلي عنها الأحداث أخيراً؛ مع أنّ تقسيم القصة إلى نوعين : القصة ذات الحبکة المفككة، و القصة ذات الحبكة المتماسكة لاصلة له بقيمتها. علي أية حالٍ، الحبكة في هذه القصة حبکة سليمة معتمدة علي العلة و المعلول، لها بدايتها، و تضاربها، و كذلک التعارض و القلق، والأزمة، و الذروة، و انحلال العقدة. والآن نقوم بشرح هذه المقومات :
ألف ) البداية :
يبدأ محفوظ قصته هذه بتصوير لوحة، ترسم منظرا طبيعيا، ينظر إليها بطله في عيادة صديقه الطبيب:" سحائب ناصعة البياض تسبح في محيط أزرق، تظلّل خضرة تغطي سطح الأرض في استواء و امتداد، و أبقار ترعي، تعكس أعينها طمأيننة راسخة... و في أسفل طفل يمتطي جوادا خشبيا و يتطلع إلى الأفق عارضاً جانب وجهه الأيسر و في عينيه شبه بسمة غامضة. لمن اللوحة يا تري؟ و لم يكن بحجرة الإنتظار أحد سواه. و عما قريب يأزف ميعاد الطبيب الذي ارتبط به منذ عشرة أيام. و فوق المنضدة في وسط الحجرة جرائد و مجلات مبعثرة، و تدلت من الحافة صورة المرأة المتهمة بسرقة الأطفال. رجع يتسلي بلوحة المرعي. الطفل و الأبقار و الأفق. رغم أنها صورة زينة رخيصة القيمة، و لا وزن إلا لإطارها المذهب المزخرف بتهاويل بارزة ".35 هذه البداية بداية طيبة يسودها الهدوء، جوها جوّ هادئ لا صخب فيه و لا ضوضاء. فيتمتع البطل بهذه اللوحة، کما لو کنا نظرنا إليها لتمتعنا بها.
ب ) التضارب و التعارض :
لا يلبث أن ينتهي ذلک الهدوء السائد علي الجمل السابقة حيث نواجه دبيب القلق و البلبلة و الإضطراب في ضمير البطل حيث يخرجنا من السكون و الهدوء:" و أحب الطفل اللاعب المستطلع و الأبقار المطمئنة العيون، و لکن ازداد شكواه من ثقل جفونه و تکاسل دقات قلبه. و ها هو الطفل ينظر إلى الأفق ينطبق علي الأرض. دائما ينطبق علي الأرض من أي موقف ترصده. فيا له من سجن لا نهائي! و ما شأن هذا الجواد الخشبي؟ و لِمَ تمتلئ الأبقار بالطمأنينة؟!".36 و هو بهذه الأسئلة يخلق لنا أسئلة أخري؛ لماذا يشكو من ثقل جفونه و تكاسل دقات قلبه؟ لماذا يري أن الطفل في سجن لا نهائي؟ لماذا يتساءل عن سرّ طمأنينة الأبقار؟ و هكذا ترد القصة مرحلة جديدة، هي التضارب و التعارض. و بإمكاننا أن نعثر علي حوادث مفاجئة أخري تفقد فيها القصة سكونها، مثل ترک مارجريت عمر فجأة و مشاهدتها مرة أخري دون أي توقع فوق المسرح، أو مثل مطاردة الشرطة لعثمان خليل و فراره إلى جانب عمر بعد أن غرقت القصة في الهدوء بصفحات متتابعة.
ج ) القلق و الحيرة و التشويق :
كلما نتقدم في القصة و تزداد الحبكة توسعاً، يشعر القارئ بخمود غريب يدبّ في وجود البطل و يدفعه إلى السأم من العمل و الحياة، من زوجته و من حياته العائلية. فالبطل يبحث عن معني الحياة، و قد هجر الفن و الشعر. کان قديما يعمل في سبيل الإشتراکية و يحميها، و لما قُبِضَ علي أحد أصدقائه، ترك الإشتراكية و عمل محاميا ناجحا ثريا. و هكذا يطلع القارئ علي معلومات جديدة أكثر من قبل، و الكاتب يثيره علي الإنطلاق مع البطل في أحداث القصة بخلق تصاوير متعددة تأتي واحدة تلو الأخري، و هذه التصاوير تحرض القارئ علي مرافقة بطل القصة إلى نهايتها و رصد أقواله و أعماله، و الأحداث التي تحدث له. هذه المرحلة تسمي مرحلة القلق و الحيرة و التشويق، حيث يسأل القارئ نفسه ماذا سيحدث للبطل؟ لماذا يسأل عن معني الحياة ؟ هل يدرك معني الحياة نهائيا؟ و مثل هذه الأسئلة يشجعه علي قراءة القصة تماما رغبة في إجابة التساؤلات التي خطرت بباله.

د ) الأزمة :
هناك في القصة أزمات جزئية تنحلّ أثناء القصة، منها القبض علي عثمان خليل ثم إطلاق سراحه؛ منها سفر مارجريت المفاجئ إلى خارج البلاد و عودتها مرة ثانية؛ منها مغامرات عمر بالنساء ليلة ثم تركه إياهنّ.
و الأزمة الأصلية في القصة هي أزمة نفسية تنبع من رغبة ملحة في نفس البطل دفعته إلى البحث عن سرّ الوجود:" قتل الضجر كل شيء و انهارت قوائم الوجود بفعل بضعة أسئلة. قال يوما لأحد عملائه:" تصوّر أن تكسب القضية اليوم و تمتلک الأرض ثم تستولي عليها الحكومة غدا. فأجاب العميل:" ألسنا نعيش حياتنا و نحن نعلم أن الله سيأخذها".37 ومن هنا بدأ تفکيره الممّض في معني الحياة و الموت، و رتابة الحياة العائلية كما أخذ يبحث عن ذاته و حقيقته، و عن الله و عن سرّ الوجود. فافتقد عنده كل الأحياء و الجمادات و الأشياء المحيطة به قيمتها، و خلت من أي معني." و لكن محال أن يكون هذا السؤال و الجواب العابران سبباً حقيقياً في إثارة تلك الأزمة المعروفة للناس جميعا، و هما يشيران إلى حقيقة أبدية معروفة لهم. ولا بدّ إذن أن يكون مجرد يدٍ رفعت الغطاء عن نوازع محبوسة من الحاضر و الماضي. فتدفقت بعدها الأحاسيس المکبوتة و الأفكار الغامضة التي كانت تضطرب في نفسه منذ زمن بعيد ... و الحق أنه كانت في نفسه ثلاثة تيارات مضطربة يمكن أن تخلق هذا الصراع ، أحدها من حاضر حياته، و الآخر من ماضيه البعيد. فهو في حاضره قد يسأم الحياة الزوجية، و راعه ما طرأ علي زوجته الجميلة من تغيير بمرور الزمن، و ما تخضع له علاقته بها و بأصدقائه من رتابة مملة. و هو من ماضيه معذّب الضمير، لأنه من ناحية لم يمض في كفاحه السياسي الذي بدأه في مطلع حياته إلى النهاية، ذلك الكفاح الذي انتهي بزميل له إلى السجن عشرين عاما، علي حين أصبح هو المحامي الثري المرموق؛ و لأنه من ناحية أخري قد هجر الفن و الشعر، و آمن من خلال ممارسته العملية للحياة أنه لا مكان للفن الصادق فيها، و أن الفن قد أصبح مجرد لهو و تسلية في عصر سيطر فيه العلم علي الحياة سيطرة تامة ... و لا شك أن هذه الخيوط الثلاثة إذا تضافرت بصورة فنية ناجحة، يمكن أن تدفع بمثل هذه الشخصية إلى ما أصابها من ملال و قلق. و يمكن أن تنتهي بها إلى الإيمان بعبث الحياة، و بأن وراء كل تلک المتناقضات قانونا أزليا أكثر نظاما و منطقا... و الحق أن تلك الخيوط لم تتضح بصورة متساوية في الرواية، و لم يلتحم بعضها ببعض كما كان ينبغي؛ بل الکاتب يشير إلى الأزمة الحقيقية في عبارات متناثرة هنا و هناک في حوار مع الراقصة أو مع صديقه بطريقة منطقية واعية جامدة، فيها من التخطيط و التدبير في التماس وسائل الشفاء ما يناهض ذلك القلق الوجودي الحاد ليطفو الجانبان ( كفاحه السياسي و هجره الشعر و الفن و اللجوء إلى العلم ) علي الأزمة، فلا يظهر إلا في صورة ليس فيها من القوة و التلاحم و التفاعل مع اللحظة الحاضرة. أما اللحظة الحاضرة في حياة عمر فقد ظفرت بأکبر قسط من نجيب محفوظ، حتي ليشعر القارئ بأن سأم المحامي من زوجته و رتابة الحياة العائلية هو أزمة الحقيقية. فالقارئ يفتقد في هذه الأزمة حتي نهايتها لوعة الصوفي و تأمل المفكر و قلق الشاعر و تجارب إنسان خبّر بحكم مهنته نوازع الناس و علاقتهم، و لا يجد أمامه إلا إنسانا متحذلقا في مهنته يدرسها دراسة عالم موضوعي في معمله ".38
و قد أشرنا فيما سبق أن الحبكة في هذه القصة مفككة، فأتت أزمتها الأصلية غير مرتبطة بالتضاربات السابقة خلافا للحبكات العضوية المتماسكة التي تأتي فيها الأزمة نتيجة للتضاربات الجزئية السابقة.
ه ) الذروة :
بعد أن سأم عمر الحمزاوي من مغامراته الجنسية، و وصل إلى النشوة الروحية حين يترقب مطلع الفجر في الصحراء، ظهرت في حياته لحظة التحول، فاستبدل بكتب الإشتراكية كتب الصوفية، و قرر أن يترك مكانه لعثمان، و لا يشارکه في عمل، كما قرر أن يترك الحياة إلى كوخ صغير يستجدي فيه تلك اللحظة الفاتنة التي عاشها في الصحراء. فاتجه نحو التصوف و استغرق في سبحاته في ذلك الكوخ. فيبدو أن القصة ها هنا بلغت ذروتها و أوجها؛ و لكن هناك ذروة قوية أكثر حساسية من قبل تؤدي إلى انحلال العقدة، و هي اللحظة التي يطارد الشرطة عثمان خليل، و يصاب عمر بعيار ناري في ترقوته.
و ) الحلّ :
 تنحلّ العقدة في رواية الشحاذ حينما يصاب عمر برصاصة، و هي تكون بمثابة الصدمة الكهربائية التي يفيق المريض بعدها. فشفي من مرضه، و أجاب الشرطة" ليس لشيء نهاية ".39 فكل شيء أصبح  عنده ذا معني، و لا شيء عبث في الوجود. ثم تذكّر بيتا من الشعر يتردد في وعيه" إن تكن تريدني فَلِمَ هجرتني؟ "40. و هو ليس سؤالا بقدر ما جواب علي السؤال الذي طرحه نجيب محفوظ، و يجيب عنه بالطفل الموعود في أحشاء بثينة من عثمان خليل. و اعتبر ذلک ثمرة اللقاء بين الشعر و العلم و الثورة؛ و نحن نفهم من بيت الشعر الأخير في خاتمة الشحاذ ما ظل غامضا علينا طول الطريق، و لكنه الفهم المصنوع. و كان الفنان يقحم الحلّ علي مشكلة لا حلّ لها بدلا من الإنتحار، و لم يصنع أكثر من بيت شعر قديم يحث عمر الحمزاوي علي المزيد من السير إلى الأمام.41

تعليق عام :
البناء الرمزي في الرواية :
قد وظّف نجيب محفوظ الوسائل الرمزية لإثراء مضمون القصة،" فيبدأ بعنوان القصة الذي يختار له لفظ الشحاذ، فهي قصة تسول الحقيقة، بعد افتقار النفس و الإحساس بالخواء حيث فرغت من جوهرها الأصيل ".42
و كذلك أسماء شخصياته التي انتقاها، تحمل بعض الدلالات و الرموز،" فاسم وردة : رمز الذبول السريع، و إسقاط لفكرة نشوة الجنس الطارئة التي اعترت حياة الحمزاوي، و كانت وسيلة من وسائل الهروبية. سرعان ما تركها إلى تجربة التصوف. و نجد كذلك اسم زوجته زينب، و ما يوحي به من تقليدية و رتابة. هذا المعني الذي انسحب علي حياته كلها، إذ ترك الجهاد إلى الحياة التقليدية حيث الدعة و الطمأنينة و الحياة الرتيبة ".43 و هكذا شخصية عثمان خليل ليست إلا رمزا تجريديا للثوري المفترض أو المنتمي المثال، و رمزية عثمان رمزية تفصيلية، و التفصيل الرمزي في شخصيته أن روح الثورة الأبدية ليست طليقة في حياة عمر الحمزاوي، و إنما هي تعاني ويلات السجن و عذابات القيود. و كذلك عثمان يشكل الوجه الآخر لشخصية عمر، وجه الماضي، و لأنه ماضٍ، فإنه يبدو كشبح، و قريبا سيخرج الماضي من السجن فيتضاعف عذاب الوجود.44 و كان عمرالحمزاوي رمزا" علي الخواء الثقافي و الفكري، فمأساته في ثرائه المادي و خوائه الفكري، فحياته تعكس المفارقة بين الأقوال و الأعمال ".45
2- التوظيف الفني للطبيعة :
إنّ من أبرز مقومات القصة و أسرار نضجها الفني حقا ذلك الدور المهم الذي تقوم به الطبيعة في أجزاء القصة كلها، ففي كل لحظة نحسّها تلعب دورها المميز و الهام، نجدها في أغلب أحيانها صورة ثائرة غير مسقرة تمثل القتامة و الغموض، منسجمة مع اللحظة التي يعيشها البطل. فهي وسيلة يكشف من خلالها تطور نفسية البطل. لأنّ" المتتبع لعلاقة التوافق فيما بين الطبيعة الخارجية و ذات عمر التي فقدت توازنها فجأة ليمكنه بوضوح الوقوف عند التوظيف الفني الرائع للطبيعة لدي نجيب محفوظ في شكل مواكبة ترسم لنا صورة دقيقة و نامية لتحول صورة الطبيعة و انتقال ملامحها من مستواها الواقعي إلى مستوي اللامعقول و التهيؤات الذهنية الناتجة عن حالة الهوس و فقدان التوازن العقلي ".46
و لا يمكننا في هذه المقالة القصيرة أن نأتي بأمثلة كثيرة منها،47 لكن نجد علي سبيل المثال لا الحصر، تردّد ذكر شجرة السرو كثيرا علي لسان عمر الحمزاوي:" و لكنك مازلت تشقي باللوعة في البيت الصغير ككوخ تنبسط من حولك الأرض المعشوشبة و تحيط بها علي مدي السور أشجار السرو الرفيعة المقام "." و جلس تحت التكعيبة يشرب كأسا و يتلقي نفحات الربيع من وراء السرو ". و" صرخت حتي اضطربت لصراخي خلايا السرو". و نجده يفصح عن حبه لتلك الشجرة و ولهه بها حينما يضع تلك العاطفة في مقابل حبه لابتسامة وردة ، و سرعان ما عشق ابتسامتها کما عشق شجرة السرو ... و لعل استحضار محفوظ شجرة السرو علي لسان بطله و في مخيلته في شكل يكشف عن الوله الكبير بها، يؤكّد توق البطل إلى وجه الحياة الحي الآخر المفقود من خلال هذا التقابل الذكي في الصور و والدلالات، لأن شجرة السرو رمز للخضرة و الحيوية، فان استحضار عمر الحمزاوي إيّاها خلال أزمته التي كشفت لنا نضوب ينابيع روحه يؤكد هذا المعني.48
3- المنحي الصوفي في القصة :
تناول نجيب محفوظ التجربة الصوفية في هذه القصة، و لكنه توقف عند مظهرها الخارجي و لم يلج تفاصيلها العميقة لأسباب تتعلّق بطبيعة التجربة الصوفية ذاتها، لما يكتنفها من غموض تستعصي معه و تستحيل إلى معرفة ذاتية تقصر اللغة عن الإحاطة بدقائقها، و يظل الحديث عنها عاما و لا يصل إلى جوهرها.
و بعد أن أخفق الحمزاوي في مغامراته الجنسية و استبدل بكتب الإشتراكية كتب الصوفية و ترك الحياة و لجأ إلى كوخ صغير لكي ينجو من أزمته النفسية، أقبل علي التصوف و غرق فيه متطوعا، لكن النهاية، هذه لم تفده، و لم تقرّبه من المعني العميق للتصوف،49 بل كل ما" انتهي إليه هو ما يشبه الوجد الصوفي من جانب أو الإختلاط العقلي و الهذيان من جانب آخر".50 و لعل تصوفه" كان نوعا من إلغاء العقل، إذ تبين من تجربته الصوفية، أنها تجربة سيطرت عليها خيالات لاينتظمها منطق، و بهذا كانت نوعا من الغيبوبة الفكرية، لا الصحوة التأملية التي تحدث تغييرا جوهريا في تركيب الشخصية ".51
فهل أراد محفوظ أن يشير إلى عقم التجربة الصوفية؟ أم أنه الإخفاق في تقديم صورة معادلة لتجربة لم يستطع الإمساك بها حول التأملات الصوفية؟  و لعله استلهم تجربة التي عاشها أبو حامد الغزالي في ( المنقذ من الظلال )، و هو غادر حياته السابقة، الأهل و الالتزام الوظيفي بالتدريس و الإعتزال في مسجد دمشق بعد رحيله إلى الشام مغادرا العراق. لكن الفارق بين تجربة الغزالي و تجربة الحمزاوي هو الفارق بين الحقيقة في الحياة و الأخري التي يرسمها الفن، و لقد استطاع الأستاذ نجيب محفوظ إثارتها و لكنها جاءت في نهايتها باهتة و غير مقنعة، و ما ذلك إلا لصعوبة التجربة الصوفية و تقديم معادل موضوعي لها.52
4- اللغة و الأسلوب :
ينظر نجيب محفوظ إلى الأسلوب" كأنه وعاء يصبّ فيه أفكار شخصياته و مشاعرها ".53 و كان حريصا علي أن يحمل تلك الأحداث المادية الطويلة ما رمي إليه من دلالات نفسية. و كما أشرنا لجأ إلى تطعيم الأسلوب السردي بالمونولوج الداخلي جنبا إلى استخدام أسلوب الحوار استخداما رئيسا. و هذا شكل يتناسب و ما يقدّمه مضمون القصة من مناقشة القضايا المطروحة فيها. فهناك قضية العلم و الفن، و قضية الثورة و التصوف الخ. و كذلك من أبرز جوانب روعة أسلوبه استخدام عنصر الطبيعة و خلق لوحات فنية جميلة من الطبيعة نجد فيها الحركة و الحيوية، و كلها كانت لإيضاح أزمة البطل النفسية.
و نراه" يتأرجح بين استخدام العامية و الفصحي في بعض الألفاظ العصرية. فعلي حين يسمي الجرسون" النادل " و منفضة السجاير أو الطقطوقة" النافضة "، نراه يستخدم الراديو لا المذياع  و الرموش بدل الأهداب، و الزعل بدل الغضب، و البرطمان بدل القارورة و غير ذلك من هذه الألفاظ. و يري أحد النقاد54 أنه يجدد في أسلوبه بحذر بالغ و ينسي أ ن التجارب الكبيرة الجديدة لا بدّ لها من أشكال جديدة يتحطم فيها علي يد الكاتب الكبير كثير من التقاليد، و يراه مغامرة فنية لاتحفل بالخروج علي المألوف، في حين تقتضيه طبيعة الموضوع.
 و لقد كان لغة القصة هي لغة" الحكمة و النبوة و الشعر، أنها لغة التركيز و الشمول و العمومية و التجريد و الإيقاع العميق، لتناسب ما قدم من تأملات فلسفية و سبحات صوفية ".55
 و هناك ألفاظ أجنبية كثيرة تقابل رأي السابق القائل بالتقليد عند نجيب محفوظ، منها : اكسلانس،  الديكور، التليفون، برافو، التريانون، و غيرها من المصطلحات و الأسماء الأجنبية.
و أخيرا نشير إلى جانب آخر من استخدامه المضامين المادية بدافع فلسفي، و هو استخدام الجنس في هذه القصة بدافع فلسفي،" فهو يقدم هذا الاستخدام حيث تكون الفكرة الفلسفية هي الدافع للإنغماس في هذا الطريق ".56 و قد كانت نشوة الجنس أقصر من أن تهب عمر إيجاد ذاته، و لهذا قرّر أن يهرب إلى طريق جديد ظنه هو طريق البحث عن الحقيقة. إذن شاهدنا كيف يوظّف محفوظ جزئيات الشكل و المعني و يعطيها اهتماما تاما.
5- مدي تأثره بالروايات الغربية :
و أخيرا يجدر بنا أن نعيد النظر فيما تأثر به من صياغات الآخرين أثناء صياغته لقصة الشحاذ. و بخاصة عندما نجد قاضي التحقيق في" الجريمة و العقاب " لدوستويفسكي يوجّه الحديث إلى راسكولنيكوف قائلا :" إني أجدك واحدا من اولئك اللذين يقفون باسمين لمعذبهم، و هو يستخرج أحشاءهم و يمزقها، لو أنهم استطاعوا فقط أن يجدوا الايمان "، و كانه يوجه الحديث إلى عمر الحمزاوي ... فيصبح همّ نجيب محفوظ كهمّ دوستويفسكي تماما و هو النظر إلى تلك" الأخاديد السرية " في الروح. و الحمزاوي فيه الكثير من إيفان " يسيطر عليه شك كبير لم يجد له حلا....  و هو واحد من أولئك اللذين لا يرغبون في الملايين، بل يرغبون في إيجاد جواب علي أسئلتهم ". و قد يجد الجواب في الملايين كما يظن عثمان خليل، و لكن الملايين حينئذ لاتعني بالنسبة له إلا جوابا علي سؤال. و قد توجه إيفان و عمر الحمزاوي بسؤال مشترك " تري، كيف يمكن أن تكون الحياة جميلة جدا و في نفس الوقت فظيعة جدا "، كما يقول دوستويفسكي مستطردا " لقد أحب الحياة بقوة، أحب الأوراق الصغيرة الملبدة، عندما تأخذ في التفتح في الربيع و السماء الزرقاء... و هو قادر أن يقبل فكرة الله علي أنها فرضية، و لكن الشيء الذي لا يستطيع أن يقبله هو الظلم الموجود في العالم  "، و إن تراوحت أشكال الظلم بين إيفان و ديميتري من ناحية و عمر و عثمان خليل من ناحية أخري. علي أنه بينما تكمن مأساة إيفان في أنه كتب عليه أن يعيش في عالم" كل شيء جائز"، فإن عمرالحمزاوي- علي النقيض منه- كتب عليه أن يعيش في عالم" لا شيء فيه مشروع البتة ". و من بين أسماء الثالوث الغربي الحديث" روكانتان في الغيثان " لسارتر، و" ميرسول في الغريب" لكامي، و" السأم "لألبرتو مورافيا، يبرز بطل السأم من بين أفراد أسرة الإغتراب و العبث أقرب ما يكون إلى بطل الشحاذ في تكوينه الفكري و بنائه الفني، و إن اختلفت المقدمات و النتائج في رواية الكاتب الإيطالي عنها في رواية الكاتب المصري. فدينو إبن المرأة الغنية يحس فجأة باشمئزاز غريب من أمه و من أموالها كتعبير عن اشمئزازه الأكبر من العالم و قواعد العيش فيه. و لكنه لا يجد المأوي في الرسم و إن جادت الصورة التي تركها بيضاء من غير سوء إلا من توقيعه أسفلها أكبر الدلالات علي نيل السأم منه بعد أن مزّق الصورة الأولي و هي في تمامها. و هو أيضا لايجد المأوي في أحضان سيسيل التي تبدو كالكون الصامت لا تحير جوابا علي أسئلته الضائعة في لياليه الشاذة معها. و لا يجد أخيرا سوي الرسام العجوز باليستياري يعانق فيه مرآة مستقبله الأليم، إذ ينتحر الرجل ذات يوم لغير ما غاية. و كذلك يفعل دينو، و لكن دون أن يصيبه الموت، بل يتم إنقاذه - ذلك الهارب من الحكم المشمول بالنفاذ - ليلقي مصيره بعيدا عن الحرية. فليس الإنقاذ هنا كجرح عمر الذي أفاق عليه في الغربة مرددا في ذاكرته ذلك البيت العجيب من الشعر، و إنما هو استئناف الحكم من جانب الوجود الصامت ليظل الكون - في نظر مورافيا- أخلد صمتا من كافة المحاولات لاستنطاقه. و لقد أفاد نجيب محفوظ بغير شك من رواية السأم هذا الحوار العقلي البارد العاري من كل زخرف عاطفي حتي يتيح للبطل الحد الأقصي من العري أمام الذات، كما أفاد منه فكرة الجنس كطرف في الحوار الوجودي لا كإشباع عابر. و أفاد منه كذلك فكرة المرآة المتنقلة مع البطل بعدد خطواته، فانتصبت شبحا جاثما علي الصدر باسم الثورة المأزومة في الشحاذ. و لكن هذه الفوائد جميعها تدخل في نطاق الأدوات التكنيكة، لا تحول ظلالها الفكرية من الإختلاف الجوهري العميق بين إنسان الغرب الحديث كما عالجه سارتر و كامي و مورافيا، و المنتمي العربي المأزوم أزمة مصيرية بالغة الضراوة و العنف في أعمال نجيب محفوظ.57

لهوامش و الإحالات :
(- هناک اختلاف رأي بين أن هذه التي ألفها نجيب محفوظ قصة أم رواية، و الأگثر ذهبوا إلى أنها رواية.
1 - قضايا النقد العربي : قديمها و حديثها : داود غطاشة و حسين راضي، ص 124- 125.
2- دراسات في القصة العربية الحديثة : محمد زغلول السلّام، ص 292؛ و كذلك أنظر : مع نجيب محفوظ : أحمد محمد عطية، ص 101.
و الجهود الروائية : عبدالرحمان ياغي، ص 109 و مابعدها.
- 3 الرواية : ص 41.
4- نفسه : ص50.
5- نفسه : ص 9.
6- نفسه.
7- نفسه : ص 21.
8- نفسه : 91.
9- نفسه : ص 45.
10- نفسه : 46.
11- نفسه : ص 45.
12- نفسه : ص 46.
13- نفسه : ص 28.
14- نفسه : ص 29.
15- نفسه : 100.
16- نفسه : ص 105.
17- نفسه.
18- نفسه : ص 151.
19- نفسه : 120.
20- نفسه : 163.
21- نفسه : 170.
22- نفسه : 173.
23- النقد الأدبي : أصوله و مناهجه: ص 82.
24- راجع أول الهوامش، حيث جئنا ببيان في اختلاف التسمية.
25- قضايا النقد الأدبي: قديمها و حديثها : ص 126.
26 - نفسه.
27- نفسه.
28- في الأدب العربي الحديث : عبدالقادر القط، ص 170.
29- قضايا النقد العربي : قديمها و حديثها : داود غطاشة و حسين راضي، ص 137.
30- الرواية : ص 35.
31- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : فاطمة الزهراء محمد سعيد، ص 203.
32-  المنتمي في دراسة في أدب نجيب محفوظ : غالي شکري، ص 375.
33- الرواية : ص 99.
34- قضايا النقد الأدبي: قديمها و حديثها : ص 134.
35- الرواية : ص 5.
36- نفسه : ص 25.
37- نفسه : ص 45.
38- في الأدب العربي الحديث : ص 169.
39- الرواية : ص 170.
40- نفسه : ص 173.
41- المنتمي في دراسة في أدب نجيب محفوظ : ص 407.
42- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : ص 204.
43- نفسه.
44- المنتمي في دراسة أدب نجيب محفوظ : ص 398.
45- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : ص 206.
46- التوظيف الفني للطبيعة في أدب نجيب محفوظ : صالح هويدي، ص 45.
47- أنظر إلى : التوظيف الفني للطبيعة في أدب نجيب محفوظ : ص 104، 107، 144، 178 ، 189 ، 208.
48- نفسه : 106، 107.
49- الإسلامية و الروحية في أدب نجيب محفوظ : محمد حسن عبدالله، ص 262.
50- في الأدب العربي الحديث : ص 166.
51- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : ص 201.
52- المنحي الصوفي في أدب نجيب محفوظ : محمد ناظم العبيدي، www. Sotakhr.com 2004.
53- في الأدب العربي الحديث : ص 170.
54- نفسه : ص 207.
55- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : ص 206.
56- نفسه : 197.
57- المنتمي في دراسة أدب نجيب محفوظ : ص 408 - 410.


مراجع البحث :

1- الإسلامية و الروحية في أدب نجيب محفوظ : محمد حسن عبدالله، مكتبة مصر، القاهرة، 1978.
2- التوظيف الفني للطبيعة في أدب نجيب محفوظ : صالح هويدي، دارالشئون الثقافية العامة، بغداد، 1992.
3- دراسات في القصة العربية الحديثة : محمد زغلول السلّام، نشر المعارف، الإسكندرية، دون تاريخ.
4- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : فاطمة الزهراء محمد سعيد، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، 1981.
 5- الشحاذ : نجيب محفوظ، مكتبة مصر، دون تاريخ.
6- في الجهود الروائية : عبدالرحمان ياغي، دارالعودة، بيروت، 1972.
7- في الأدب العربي الحديث : عبدالقادر القط، دارغريب للطباعة و النشر و التوزيع، دون تاريخ.
8- قضايا النقد العربي : قديمها و حديثها : داود غطاشة و حسين راضي، دارالجيل، بيروت.   
9- مع نجيب محفوظ : أحمد محمد عطية، دارالجيل، بيروت، 1977
10- المنتمي في دراسة في أدب نجيب محفوظ : غالي شکري، دار المعارف، مصر، 1969.
11- المنحي الصوفي في أدب نجيب محفوظ : محمد ناظم العبيدي، www. Sotakhr.com 2004.
 

 


1


 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home