قصة

 

غـَزَلْ أمني

وسيم دويكات



 

قلت لنفسي: "كلمتا غزل من عاشقة مراهقة دمرت منظومة الأمن أو كادت، كسرت الأسوار وانطلقت إنذارات حارة. هو كذا الحب يدمر يزلزل ويفضح. هو أنت الذي لا تطيق الغزل".

*

وجلستَ، ارتميت بعبارة أدق. تنبشُ جريدة في حضن "الجورة"*. تقرأُ ضَجِراً لتهرب من لهب الحاجز وغبار الشمس، حتى الشمس هنا ترتدي الغبار كسلاً. تقرأ ... لتعرف، لتحلل، لتنسى على أقل تقدير.

كيف تهرب؟! ولا تستطيع الحراك من "جورتك" التي تزوجتْكَ غصباً وطمعاً في هندامك. "الجورة" كالنساء، تغار من بضع صبايا ستلتقيهن بعد ساعات على هامش ورشة عمل قصدتَ رام الله لأجلها؛ فكرة مجنونة راودتك.

*

لحظة جنون، تداعيت فيها إلى ذاكرتك اللعينة. تذكرتَ أنها قالت لك ذات لقاء: "عيناكَ جميلتان وخبيثتان كعيون رجال المقاومة"، قالتها فأصيب أمن دولتهم في مقتل.

"نعم سمعوها، والله سمعوها" تقول في نفسك وترفس التراب عند موطئ قدمك. معك حق، فمخابراتهم لا ترصد الكلام فقط، وإنما تتجاوز ذلك إلى نبضات العاشقين وهمساتهم الراجفة الخائفة. تستدرك: "نعم ... فلقد سمعت في قهوة الصباح عن إنذارات حارة للاشتباه بنية بعض البلابل التحليق والتزاوج".

اثنتان وعشرون دولة لم تزحزح عرشهم، فجاءت كلمات عاشقة عابثة لتدمر جداراتهم الاسمنتية والأمنية، لتلازمك بالتبعية لعنة الحاجز والهوية. وتقول بصوت مارسيل خليفة: "ليتني تركتها بحضن ستي عندما أوقفوني عالحدود"

بالأمس قال لك ناصر: "تأتي الحاجز، تمد يدك لتتناول هويتك، يشير إليك الجندي الأسمر: لا داعي فووووت". فرحتَ بكلامه فرحة طفولية بقرب انتهاء اللعنة.

*

تتلفن لها من جوالك الذي سرى معك ومع الندى، تنتظر جوالها المدلَّل النائم في الحرير، وبعد انتظارك تردُ أخيراً، تتشكى من إزعاجك لها في هذه الساعة المبكرة، قبل أن تشكو أنت لعنتك: "عزيزتي... منذ صارحتني بغزلك الظريف المميت ولعنة الحواجز بانتظاري دوماً، لا أكاد أمر على حاجز إلا وأُصلب، حاجز رئيسي فرعي طيار مهدِّي ...يجب أن يلتهم كمبيوترهم هويتي". وتبعث كلماتك المسكينة في نفسها ضحكة فتية هاهاهاها. تشكرك على خفة دمك المتخثر بضجر الانتظار وتدعو لك بسلامة الوصول.

أيُّ ابنة مدينة هي، الساعة العاشرة ويزيد وتتأفف من إزعاجك. ماذا تقول أيها الفلاح الذي ما فاته يوماً صحو الشمس والكلاب والديكة؟!! هي طبائع النساء المتمدنات عزيزي.

*

وتعود إلى حصارك، مضرجاً بلعنتك الكبرى، تقزمها إلى لُعينات. تلعن حظك، أنت الذي لا تؤمن بحديث الأبراج مهما صدق كلامها.

تقرعك الأسئلة...

مئتا شخص كانوا معك مروا، مئتا شخص جاؤوا بعدك مروا، وآلاف سيأتون ويعبرون، يمسحونك بنظرات شفقة وبعض الصلوات ويمضون، وأنت وحدك المهيأ كل مرة لملئ "الجورة" لساعات. تتساءل: "لماذا يمرون سريعاً دون تأخير ودون "جورة"، ألا يعشقون مثلي، أليس لهم حبيبات يتغزلن بعيونهم، أم ليس لهم عيون أصلاً .... !!؟".

مئتا زيارة وكنت وحدك المؤهل، "الجورة" شهادتك بامتياز. "مبروتش مبروتش" قال لك ضابط المنطقة ساخراً حين مر على وجعك الندي المغبرّ هنا.

*

ثلاث ساعات وغبار وحسابات، وانتهت أزمتك.

بعد أن التهم الكمبيوتر المركزي هويتك، وقرمش أرقامها التسعة يميناً وشمالاً، عض عليها بسأم، بصقها لك بعد أن اكتشف أن ملامحها لإنسان فاظي... نعم فاظي.

تصل رام الله بغير الموعد الذي أردتْ، تنظر إلى ساعتك، تجد أن ورشتك انتهت قبل أن تصلها. لا مكان يحتضنك هنا قبل عودتك مثل مقهى "إيفيل" المزروع في شارع ركب، تحتسي قهوة باهظة الثمن.

تتلفن لها من جديد، تغني مارسيل خليفة مجدداً:

" كنا صغيرين والأشجار عالية

وكنتِ أجمل من أمي ومن بلدي

من أين جاؤوا وكرمُ اللوز سيَّجه أهلي وأهلك بالأشواك والكذب

في البال أغنية يا أخت عن بلدي

نامِ لأكتبها،

رأيت جسمكِ محمولاً على الزرد وكان يرشح ألواناً

قلتُ جسمي هنا،

فسَّدوا ساحة الوطن".

 

 

* الجورة: حفرة بالقرب من حاجز حوارة العسكري على المدخل الجنوبي لمدينة نابلس، يوضع فيها كل من تثبت ملامحه الرومنسية أنه خطر على أمن اسرائيل ريثما تفحص هويته وتهدأ مزاجية الجنود.




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home