تحقيقات صحفية

 

العالم والناقد الدكتور فاروق مواسي في حوار مع أقلام



العالم والشاعر الدكتور فاروق مواسي في حوار مفتوح مع الأٌقلاميين
 التفوق العلمي يوازي التفوق الفني والتفوق الأدب.
 كثيرًا من اليهود ليسوا صهاينة إطلاقًا كمجموعة ناتوري كارتا ومجموعات اليسار الراديكالي.
 قال لي أحدهم في تل أبيب بجدية : أنت أخذت الإيقاع من توراتنا.
 عنوان الحل في رأيي : الثقافة واللحاق بالعصر.
 الصدق هو العمود الفقري لكتابتي.
 معظم الكتابة النسائية فيه ركاكة لغوية.
 إننا في أعين الحضارة الأورو أمريكية نتسم بسمة التخلف.
 الأدب والفكر والصحافة الفلسطينية كهويّة، ليست مهدّدة بالزوال على المستوى العربي.

د. فاروق..هل تشعر بعد كل هذا العطاء أنه ما زال هناك كلامٌ لمْ تقله بعد؟
ــ نعم ، وهو كثير ، وسيصدر لي إن شاء الله تعالى هذا العام على سبيل المثال : مرايا ( مجموعة قصص قصيرة جدًا ، واختصرتها : ق . ق . ج ) ، ومجموعة دراسات وأبحاث ، وكتاب البيبليوغرافيا ( 80 صفحة تحوي فقط عناوين الكتب والمقالات التي لي والتي كتبت عني وأين ) ، وكتاب ( أضواء وأصداء ) - مجموعة مقالات ودراسات حول كتابتي ـ ومجموعة شعرية ، ومقالات نقدية بالإنجليزية ، ودراسات وأبحاث في اللغة ، وسينشر هذا الأسبوع كتاب لغة الشعر عند بدر السياب وصلتها بلغة المصادر القديمة - طبعة ثانية ، و....و المستقبل حافل بمشاريع أخرى .


من خلال إقامتك في أرض الرباط بين عرب الداخل واحتكاكك بالعدو الصهيوني، كيف تقيم الحراك الثقافي والأدبي لديهم؟ ومدى مقاربته للحال في بلادنا العربية؟
أنا مقتنع أن التفوق العلمي يوازي التفوق الفني والتفوق الأدبي ....وحتى تجد مقاربة لما أقول : حدثني الكاتب سامي ميخائيل وهو من أصل عراقي أن روايته التي يصدرها أو التي أصدرها يبيع منها نحو تسعين ألف نسخة ...فتصور مدى ربحه لو ربح دولارًا فقط وبالطبع أكثر بكثير ، وقس على ذلك ، والموضوع طويل في الحديث عن المستوى المتميز وفي عدد المتلقين ، وعدد الندوات والمؤتمرات وووو .
هل يهتم الباحثون اليهود بأدبنا العربي كثيرا ..
نعم .. يهتمون ، ويترجمون ، ويعقدون الندوات ويتدارسون ..دافعهم الأول سياسي
اجتماعي ، ومنهم من يهتم بالصيغ الفنية وبالمستوى الأكاديمي ....هم كالمستشرقين ، منهم الصالح ، ومنهم الطالح ، ومنهم من هو دون ذلك ....
ترجماتهم من لغات العالم ( ومنها العربية ) أضعاف مضاعفة مما هو واقع الحال في عالمنا العربي , ومؤسساتهم ومراكز البحث لديهم نشطة جدًا جدًا ، وإصداراتهم جادة وعلمية ....ولكن ، لماذا تفتح لي جرحًا أيها الحبيب ؟

بما أنكم أعمقنا تجربة وأسبقنا حضورا في كل المحافل ( عمرا وقدرا ( فهلا أعطيتمونا تقييمكم ونصحكم فيما يخص ظاهرة النشر الرقمي حاليا ؟
لو كنت تعرف العبرية لرأيت أية منتديات عميقة لهم في المجالات العلمية والأدبية والفنية ....وفي المواقع على الشبكة ....ماذا أقول ؟ هل أقول أين نحن ؟
الفرق الأساس أنهم لحقوا العالم الحداثي بمنجزاته وإنتاجه ، وأخذوا ينافسونه ، ونحن نتحدث عن عصورنا الذهبية السالفة .....
أخشى إذا استرسلت أن أبدو وكأني أدعو لهم ، ولكني سأتحفظ من كيل المديح الذي هو حقيقة مرة ....ولكنها حقيقة .

طبعت موادا كثيرة قبلاً .. وأدعوك لزيارة موقعي ، فثم مقالات وترجمات ومواد قد تعوض عما ضاع من طباعتي
...http://www.geocities.com/faruqmawasi


هل يمكن أن نتعايش مع الصهاينة ؟؟؟
حسنًا أنك تفرق بين اليهودي والصهيوني ، فاليهودي دينيًا ليس لنا إلا أن نحكم عليه تبعًا لمواقفه وسلوكه الديني والإنساني مثله مثل النصراني أو البوذي أو البرهمي .....
والصهاينة أيضًا أنواع ، مع أن المصطلح مرتبط بصهيون وهي القدس التي ورد في توراتهم : إذا نسيتك يا قدس أنسى يميني .....
نحن العرب المقيمين بينهم نعيش معم فهم ليسوا غيلانًا يومية نجابهها ونصارعها ونعاديها ، فلنا نضالنا المطالب بالمساواة ، وبالنضال من أجل العودة إلى حدود سنة 67 ، وقد تستغرب إذا قلت لك إن منهم اليساريين الذين يتظاهرون ويعتقلون ويهانون يوميًا بسبب دفاعهم عن قضايا فلسطينية ....ثم لا تنس أن كثيرًا من اليهود ليسوا صهاينة إطلاقًا كمجموعة ناتوري كارتا ومجموعات اليسار الراديكالي ....
ومع ذلك فالموضوع ليس من اختصاصي ، ولكني أقدم انطباعي ورأيي .....
أنا مثلاً نائب رئيس نقابة الكتاب في إسرائيل ، وتسعون بالمائة منها منتمون لأحزاب صهيونية .....يعني ، كيف تفهم التعايش ؟ وفي أي حدود ؟ فهل أنا أتنازل عن ذرة حق لي ولأهلي ؟
حاشا معاذ الله .


هل ترجمت أعمالك الأدبية إلى لغات أخرى ولماذا لا تترجم أعمال الأدباء الكبار وبخاصة أصحاب القضايا الوطنية من أمثالك إلى كل اللغات ؟
صدرت عن رابطة الكتاب العبريين ترجمةٌ لمختارات من شعري - تحت عنوان :( الأحزان التي لم تُفهم )، ونشرت قصائد أخرى لي في صحف وإذاعات عبرية مختلفة ......
لي قصائد قليلة مترجمة للإنجليزية وللألمانية صدرت في مجلات وفي مواقع ...
عندما أقرأ في تل أبيب أو أمام غربيين في أوربا تهزهم قراءتي ويثيرهم إلقائي ، فيتعشقون الإيقاع الشعري العربي ....مسألة تتكرر ، حتى قال لي أحدهم في تل أبيب بجدية : أنت أخذت الإيقاع من توراتنا
بدأت أهتم بنشر مقالاتي الأكاديمية بالإنجليزية ، وستنشر لي المقالة الأولى في الشهر القادم - في مجلة علمية إيطالية ....
وشعاري : اعمل أنت ، ولا تنتظر الآخرين أن يقوموا لك بالعمل !

هل يصل الشاعر إلى المطلق في كتاباته أم تخاف من تجاوز أسوار باطنك ؟

لا يمكن ذلك ...ذكرتني بقول جبران عن العلم :
والعلم في الأرض سبْل بان أولها
أما أواخرها فالدهر والقدر
إذن دروب اللانهاية لا نهائية كالمجرات الكونية ، ومع ذلك فعلى المبدع أن ينطلق بحرية ويكتب ....يذكرني ذلك بقول لإسحق عظيموف : ( لو بقيت لي ست دقائق وقيل لي إنك ستموت لبحثت فيها عن قلم وورقة )

للجسد قراءة الأسطورة بعيدا عن الخلود ... ونجدها أكثر ونتهجاها بتمعن عند الاطفال .. متى يكتب الدكتور فاروق الحرف الطفل عن ثقافة الجسد المنهك ؟

سؤال ذكي ومتشابك ، ولو تابعت نفسي لألفت لك صفحات ....لكنك لن تغاويني ...وأكتفي بالقول : أكتب بطفولة ليست بريئة

هل تشتهي عشرة الورق .. وهل الشاعر سجين الورق ومتى يجب أن يطلق سراح أحرفه ومتى لا يجب ؟

أجبت من خلال رأي عظيموف ....علاقة جدلية بين الكتابة والفعل ، وأنا ممن يكتب ويطابق غالبًا حتى على مستوى معايشة خيالية ، ولكني أتلمسها .....ستضحكُ علي إذا قلت لك : إنني عندما طفت حول الكعبة في العمرة كان عمر وعلي ووووو يطوفون معي ، هل أقسم أن أمي كانت معي ؟
تصور كيف بدأت قصيدتي ( الحج الأصغر ) ويمكن قراءتها إذا بحثت في محرك غوغل - :
باسم الله دخلت أنـــــــــا مكــه
تخيل معنى ( أنــــــا ؟؟؟ ) على ضوء اتجاهي المتحرر في كتابتي وسلوكي ....

متى يكون الحرف أداةً حادة للتمزيق ؟

مرة واحدة لمست ذلك ....عندما كتبت مدافعًا عن صديق متدين اتهموه ظلمًا وعدوانًا ، فوجدت حجم المؤامرات ضدي لإيقافي عن العمل ....فماذا قض مضاجعهم لو لم يكن الحرف أوجعهم ؟!

ما هي القصيدة التي لا ترغب أن تنهيـَـها وقد تمتد لسنوات ؟

إنها قصيدتي بعنوان ( فاروق مواسي ) ومطلعها :
أحببت هذا الاسم حتى قد كرهته ...
شعري هو أناي ، وكم أحب أن أظل بعافيتي وقافيتي ....
ولكن كما قلت مرة :
يا ويلتـــــاه ، نموت قبل أن نعيش ألف عام !!!

من نحن فى أعينهم ؟
هل نحن الذين نسجن أنفسنا فى جوانتانامو من الادعاء وتمجيد الذات دون أن ننجح فى تقديم أنفسنا بشكل صحيح إلى العالم من حولنا ؟
وهل نجحوا هم فى ما فشلنا فيه نحن ؟
وإذا كان هذا صحيحاً فكيف هو السبيل لتصحيح الوضع برأيك أنت ؟ .. أنت الذي عاين الجرح من داخله طيلة سنوات عمرك المديد ..

يا صديقي : هل يخفى عليك أن إعلامنا وحضورنا على المستوى العالمي الجدي لا يشي بأننا من أصول عريقة وذوي تاريخ مجيد .....هل أقول إننا في أعين الحضارة الأوروأمريكية نتسم بسمة التخلف أو على الأقل نستحق الإشفاق أو على أقل الأقل التجاهل .....( إلا من دخل حومتهم ودائرتهم ، ولعب في طريقتهم وعلى مناهجهم ) , وحتى أصارحـَـك فإن الإسرائيلي من أصول غربية لا " يعبـّر " اليهودي من أصول شرقية ومن دول السوفييت سابقًا ، فكيف تريده أن يعتبر العربي وهو في رأيه ما زال يقفز في دائرة واحدة ( نط موضعي ) , وأن جمله تكرارية عادة لا تعمد إلى خلاصة فكرة مركزة ، وأنه خلق فقط للعمل الأسود ؟
عنوان الحل في رأيي : الثقافة واللحاق بالعصر ....وهذا موضوع طويــــــــــل وعسير ، فدع الأيام تفعل ما تشاء ...ولنتفاءل ، فما أصدق الشاعر في قوله :
والعلم مال المعدمين إذا هم
خرجوا إلى الدنيا بغير سلاح
وعلى الفرد منا أن يخدم بطاقته إذا همه الهم الجماعي : يسأل : ماذا سأعطي بدل السؤال - ماذا سآخذ ...يقرأ يوميًا في العلوم والآداب ....يهتم بأطفاله أن يفكروا ولا يحجر تفكيرهم ....وووووو
يمكنني أن أكتب لك كتابًا ، ولكن كم سيقرءونه ؟ .

هناك حالة فساد كونيٍ تتفشّى ضدّ القضايا العربية العادلة , و كما تطرّق إلى أسماعِنا مثلاً من محاولة تشويه فكر وأدب إدوارد سعيد من قِبَل جَهات مُتصهينه ، ومحاولة إستمالة بعض رموز الصحافة والأدب الفلسطيني لتعمية الشّعوب العربية بأقلام مأجورة . مامدى صحّة ذلك؟!

الأدب والفكر والصحافة الفلسطينية كهويّة، ليست مهدّدة بالزوال على المستوى العربي ، فالعربية راسخة ما بقي القرآن ، وقد حفظنا قوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (
أما إذا أردت : أين لغتنا وحضورنا في العالم ؟ فاسمح لي أن تعود إلى ما كتبته أعلاه ..
الرجل المثقف المتوسط في فرنسا أو ألمانيا أو أريزونا لا يعرف عن ثقافة العرب ووجودهم إلا صورة المتفجرات ومحاربة العالم .....فهل أنا أغالي يا غال ؟
أما عن تشويه فكر وأدب إدوارد سعيد من قِبَل جَهات مُتصهينة ، فثمة صهاينة آخرون يقدرونه ... الثقافة السائدة التي اعتدنا أن نسميها غربية ليس لديها مفهوم المقدس ( لا أتحدث عن الكنائس التي قل تأثيرها حتى في الفاتيكان فهي صورية ) ......كما أن من العرب من يقدر سعيدًا جدًا ويتحمس لأفكاره ، ومنهم من لا يرى في أفكاره إلا تعميميًا ينكر الاستشراق - مع أن هذا الاستشراق فتح عيوننا في كثير من الحالات ....
أما موضوع محاولة إستمالة بعض رموز الصحافة والأدب الفلسطيني لتعمية الشّعوب العربية بأقلام مأجورة فهذا يتعلق بالمواقف ، ومدى حرية الرأي والرأي الآخر .....فما رأيك أن أضع هذا النقاش الذي يهمني هنا لندوة قريبة مع رجال إعلام غربيين ؟؟

في أية زاويةٍ تكمن مرآة ذاتك المبدعة الأكثر تجلّياً رغم كونك مبدعاً شاملاً : في الشّعر، القصة، النقد، أم أدب الأطفال؟ ... أم أنّهم جميعاً كقطع ( البزل) يكمّل أحدها الآخر؟
لماذا نسيتَ البحث والدراسات اللغوية والتربية ؟
أدبي هو أناي ، فهل الأنا محددة الاتجاهات والجوانب والحضور ؟
للتوسع أرجو أن تزور حواراتي - فقد سئلت كثيرًا هذا السؤال ، وعن طريق البحث عن كلمة تجد بسرعة كل موضع أجبت فيه :
http://www.geocities.com/faruqmawasi/hiwarat

في صورة لك في موقعك على الانترنيت،
ذكّرتــَـني بالشاعر الراحل نزار قباني ( في المضمون )
قرأتها من الداخِل وكانت تقول شيئاً مُشابِهاً جداً .
هل هذا مجرّد انطباع وأخطأَ حدْسُ الشّاعر؟!
أم أنّ ثمة شيئا خفيًّا ومشترَكا
لمَستْهُ ذاتك المبدعة فعلاً بينكما؟! ... ماهو ؟!!

لو ترى صورتي معه ونحن في لندن لقلت : هل هما نزاران ؟ على الأقل : هكذا ترى طالباتي تشابهًا كبيرًا بيننا ....
هناك جوانب مشتركة بيني وبينه ، ولا أرى من حقي أن أوازن بيني وبينه ، فهو مالئ الدنيا وشاغل المحبين ....
أرجو أن تسلط الضوء على الدور الذي يمكن للأدب القيام به ..
وعلى أسباب انعدام الثقة به بين عامة الشعب ، وعلى السبل التي من خلالها يمكننا إبرازه على الساحة العامة ، وعلى الأثر المرجو له ..

علاقة الأدب بالمجتمع ، والمجتمع بالأدب وجدلية ذلك تظل في حالة جزر ومد تبعًا للمستوى الثقافي والهم السياسي وللشخصية الأدبية ( كاريزما ) ، وأظن أنه آن الأوان لمتخصص في سوسيولوجيا ( علم اجتماع ) الأدب أن يتناول البحث بصورة معمقة ....لماذا يشتهر هذا ولماذا ذاك مغمور مع أنه في مقاييسَ كثيرةٍ أفضل من سابقه ؟

لماذا يندفع المجتمع وراء أدبيات دون أخرى ؟
لماذا نركض وراء الاسم أكثر مما نتدبر المادة والنتاج ؟
لماذا نفضل ( ساندويتش ) أي رغيف فلافل على ديوان شعر جديد بنفس السعر ؟
كنت قد كتبت مقالة بعنوان : علاقة الأدب بالجمهور ، وأحب أن أثبتها لك هنا ...:

الجمهور ” - تعبير تتغير دلالته تبعـًا للموقف والزمان والمكان . هو مادة متنقلة نسبية لا ضابط لها . الأطفال جمهور . عامة الناس جمهور . الذين أنهوا الثانوية – على
الأقل – جمهور . خاصة القراء الذين ينفون بعضهم بعضًا كل واحد منهم يؤلف جمهورًا . وأحيانـًا يكون الفرد جمهورًا وآنـًا يكون الجمهور فردًا . والقياسات الحقيقية مطاطية أو زئبقية . ولكننا مع ذلك – ورغم كل ذلك – نترجم عمليـًا هذا السواد الغبي أو الذكي ، الضيق أو المتسع ، المستكين أو الناقم إلى لغة الإنتاج – في تقبله أو شرائه أو الترويج له ، وبالتالي إلى شهرة صاحب الإنتاج أو سيرورة إبداعه . فماذا يفعل المبدع حتى يكون في وجدان الجمهور – هذا الذي يتلقى ويرحب ؟ ماذا يفعل الرسام أو الموسيقي أو النحات أو الشاعر ؟

يقول تولستوي : ” الفن عملية إنسانية ، فحواها أن ينقل إنسان للآخرين واعيًا مستعملاً إشارات خارجية معينة الأحاسيس التي عاشها ، فتنقل عدواها إليهم ، فيعيشونها ويجربونها “. وفي رأيي أن المبدع هو ذلك الذي يتفرغ للعمل الإبداعي بكليته ، غافلاً في وعيه عن المؤثرات الخارجية ، تمامًا كالعالم في المختبر ، وهو يعيش القوانين والمعادلات والاختبارات . ولكن المبدع / العالم لا يمكنه أن يستمر من غير أن يعرف في أعماق نفسه وفي عقله اللاواعي أن هناك من يتواصل ، ومن يترقب ، ومن يعجب ، ومن يكافئ . وهذا يوصلني إلى القول إن عملية الخلق معاناة معقدة ، لكن رسالة الفن الأولى والأَولى هي التوصيل . وقد وجدت من خلال تجربتي أن المسالة الإبداعية هي مراوحة بين الوعي واللاوعي ، بين الوضوح والغموض . أتكيف لذلك ليصبح الإبداع تلقائيـًا أو فيضـًا – من غير أن يكون تمامًا كما أراده ووردزوورث - ، بل فيه نوع من التوجيه في الدفة ، حيث يحمل إيقاعـًا داخليـًا يختلف عما أراده إيليوت من أن حركة الأشياء في الطبيعة هي الطبيعة ،فالشعر –حسب دعواه ، وبناء على ذلك - يجب أن يكون طبيعيـًا ترجمة لواقع الطبيعة . وأنا لو سجلت لكم ما يخطر في خلدي كما هو من غير تشذيب أو تهذيب لما وصلتكم ( العدوى ) التي ذكرها تولستوي ، ولما عشتم مع تجربتي . من هنا جاءت هذه المراوحة ، فإذا قلت مثلا :
تنفرج الأزمة إما اشتدت
شوق أنَّ بوثبه شريان
وبأحناء الوجد الأشواك .

عمدت في السطر الأول إلى استرجاع موروث مخزون في ذاكرة جمعية ، وفي السطرين الثاني والثالث لخصت معاناة ذاتية من خلال قضية عامة في لغة مختزلة ، فشرياني يثب والشوق يئن فيه ، والأشواك مغروسة في حنايا الوجد . إذن ثمة تدفق وانفعال ، وعراك بين الشوك والشوق ، بين الألم والأمل ، بين الأنين والوثبة . وقراءتي لهذا المقطع في أسلوب الأداء والتصوير لا يجعل المتلقي يبحث عن معنى كل مفردة على حدة ، وإنما هو في موقف عام تصله التجربة بكليتها لا بأجزائها ، فيحس ما يسمى ( الصدق ) وإلى أي مدى ؟

فحتى أصل إلى من أصل إليه ، أنوع كتابتي ، واختار لكل فئة قصيدتهم التي قد تتواصل معهم
. فليست قصائدي نسخة واحدة مكرورة ، وليست نفسيتي كذلك . ولكني مع ذلك سأحدثكم عن
تجربتي مع قصيدة ” الخروج من نهر الظمأ ” .
قرأتها أمام طلاب أكاديميين في مهرجان غفير فتناقلوها .
وقرأتها أمام مهرجان لندن الثقافي فاعتبرها د. غالي شكري خطابة ، رغم أنه تحمس أولاً
لها ، وطلب نسخة عنها . بل اعتبرها البعض الآخر هبوطًا وانخفاضًا ، واساءة لـ ” مستواي
الأدبي ” .
وقرأتها أمام طلاب الثانويات فراقت لهم الجمل الواضحة الأداء ، وأعرضوا عن سواها .
فلماذا تتغاير ردود الفعل ؟ اسأل نفسي كثيرًا ، وأحيل الإجابة إلى دارسي ( علم الاجتماع
– سوسيولوجيا - الأدب) وهو تخصص أكاديمي جديد لدراسة العلاقة بين الأديب والجمهور .

ولأني لست عالم اجتماع بل معلم ، فقد ارتأيت أن أسوق لكم نموذجيين من عالمي هذا عسى أن
يكون في ذلك عبرة .
الأول : معلم شعبي مسلٍ ، حديثه مفتوح ، في حركاته حيوية وجاذبية ، إذا علَّم القليل –
وقلما يعلّم – رددوا كلماته كالترياق . يلهو ويمثل . بهلوان طيب .
الثاني : معلم رصين جاد ، مسؤول عن مادته وعن وقته . كلماته تفتح آفاقـًا ، درسه
للجادين فقط . تسقط عن عربة التحصيل التي يقودها عقول غير قادرة على السير معه .

قد يظن ظانّ أنني أجعل الثاني مثلا يُحتذى . إنني حقـًا أراه قريبًا إلى ما أصبو إليه .
لكن مع التأكيد على حقيقة ( ضرورة التواصل ) التي يغفلها صاحبنا …. فكلما ثقف هذا
معلومات وضحت في واعيته ، أداها يسيرة مشوقة ، وكلما بنى علاقات حميمة جعل للكلمات
تواصلاً حتى لو كُسيت بعض جملة غموضًا ما ، فالمسالة إذن تتعلق بالأسلوب وفي عمق
المعرفة .
نعود إلى الإبداع أو منتجه :
إنه ذلك المسؤول عن بناء ما ، ولا يمكن أن يؤدي رسالته بينما هو مغرق في إبهام دامس أو
نفور أو انقطاع يائس ، إلا إذا كان هذا البناء عبثا ، هو الإبهام نفسه … هو الشؤم –
والعياذ بالأدب .
ولا بد من حكاية :

في جامعة بار إيلان التقيت بذلك المثقف الذي حدثتكم عنه في المقالة السابقة ( لماذا
يكتب المبدع ) ، وهو غريب في أطواره وفي قوة حافظته . قال لي : أنا أكتب الشعر ،فإذا
بشعره نقاط وحروف وأسهم وكلمات مبعثرة أشبه بالحجاب . فسألته : هل تنشر أشعارك الرائعة
؟ فأجاب : لا ، لأنني شاعر لذاتي الأخرى فقط ، وأنا أكتب لها ، ولن يفهمني أحد ، فما
طعم أن أنشر لهم ؟ ولماذا أصلاً يجب أن أفعل ذلك ؟
يومها عرفت أن لا بد من فلك تدور فيه قصيدتي ، ولا بد من أعين ترمق عباراتي ، وألسن
تذيعها ، وعقول تحمل عصارتها لتستمع بحياة أجمل وأمثل .
يومها عرفت أن لا بد من صدى لصوتي ، ولا يهمني عدد الأصداء ، بل يهمني أن أجد نفسي
بينها ولها ، أن أحقق نفسي منها وفيها ، وأن أكون إياي .


هل الشعر حالة خاصة لديك ؟
إن الشعر كما تعلم يتأتى بعد اكتناز تجربة ، واحتدام مشاعر ، وترنمات موسيقية تبعثها مواقف , أو امرأة , أو رهافة ما تغري بالقول ....وأنا لست مقلاً في حساب الكتابة ما دمت أصدرت أربعة عشر ديوانًا ، والديوان القادم إن شاء الله يكاد يستعد للنور ....
التعددية في الألوان الأدبية يراها البعض إيجابًا ، بينما يطالبني بعض الأخوة ألا " أتوزع " ....قمت بالتوفيق بين المطلبين بادعائي أنني أكتب نصًا ، والكتابة اليوم تنحو هذا المنحى عبر النوعي .....
بإيجاز كتابتي هي أناي ....وهل " أنا " الإنسان حالة صرفة ؟!


هل يمكن أن تنقل للقراء بعض طقوسك الكتابية ؟
يبدو لي أن "الطقوس" كما يسميها الكثيرون أو العادات المنتهجة أو " السلوك الكتابي" كما أرى فيها ما يشي بالمضمون، وإذا كان الأسلوب هو الكاتب كما يرى بوفون فلا بدع إن لاحظنا أن الشكل حتى الخارجي عن النص أو السابق له ، له علاقة ما بالفحوى أو بصاحبه.
إن النظام والانضباط والدقة أهم ما أهتم به، والصدق هو العمود الفقري لكتابتي، فإذا وردت القصيدة وكنت سائقًا كتبت بعض أبياتها وأنا أقود سيارتي، وإن كنت على فراشي ليلاً فإنني أدوّن الوارد والنور مُطفأ ( خشية من تعكير الصفو على العائلة)، وإن أطلت الفكرة أو ... أو الإشراقة لجأت إلى الهدوء لأتابع ما أحسه ويختلج في مشاعري وفكري.
أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه، وفي قراءتي يتبين لي الشعر بتلقائية، وألاحظ كيف يرتفع صوتي وينخفض مع وتيرة دمي. بعض قصائدي كانت تأتي إثباتاً لمقولة ووردزوورث ( إن الشعر فيضان تلقائي) (spontaneous overflow ) فتولد القصيدة كاملة دون أن أحس فيها حرفًا منها على سبيل المثال: ند في أضرحة عراقية التي كتبتها والدمعة ترف على مآقيّ .
أما القصائد التي أقرأها على نفسي بإلقائي المتفاعل فقد أجد كلمة بحاجة إلى تغيير، أو تسوقني إلى معنى جديد ...ولعل في هذا إيجابًأ أيضًا أن الشاعر لا يعتبر كلماته كمالاً مطلقًا، وقد توصل إلى ذاك لاحقاً العماد الأصفهاني الذي رأى في التغيير علامة على "استيلاء النقص على جملة البشر".
أما كيف تولد قصيدتي، فالأمر يتعلق بما شُحنت به أو عبّئت به أشجاني وأحلامي وعاطفتي. تأتيني جنية الشعر ( ولا أقول شيطانة ) فأتبعها بلباسها الشفاف. هل الصورة أوشكت أن تكون ؟ إذن فاسمعوا ما أقول:
انحنت لي قليلا فبدا تكوّر نهديها .
فرمقت الزغب الأبيض.
في شهوة....
ومضينا في الكلام
وفي القصيدة ..
عندما أختم القصيدة أحب أن أقرأها فتكون رفيقتي (تسمي نفسها الأذن الأولى) هي التي تستمع ، فأقرأ وأراقب تعابير وجهها ، وأستمع إلى تعليقها ولكني لا أتقيد به.
أما كتابتي النقدية والبحثية فهي من قبيل القصدية، فأنا معنيّ مثلاً بفكرة أو بنص أو بأديب أحب أن أعرف به أو مبدأ شعري أو فكري...
أقرأ أولاً ماذا كُتب ، وأعطي كل ذي حق حقه، فلا أسرق من هذا وأنتحل، أو أنكر على ذاك فضله، فقد جعلت رائدي الصدق - كما قلت ـ
أبحث عن متلق يستمع إلي وأشترط فيه (في قرارة نفسي) أن يقدّر جهدي، فلا يتوقف لدى الملاحظة التي لا تروق له.
شرط كتابتي أن يكون هدوء حولي لأركّز فكرتي وأغوص في أعماقها شعراً ونثراً.
فهل هذا الصدق وهذا الهدوء وهذه الدقة تنعكس في كتابتي. أدع الجواب للمتلقي الذي أرحب أن يكون موضوعياً.

هل تؤمن بإبداعات الشاعرات العربيات كحاملات رسالة شعرية جادّة تماماً كالشعراء الجادّين في عالمنا العربي؟؟
أصدقك : الكتابة التي كتبتها المرأة حتى الآن عربية أم غربية - هي ومضات .. إشراقات .. التماعات ، بل قولي منها ما هو في الصف الأول ( رغم ندرة العدد ) ولكن السوابق والمصلين في رعيل الخيل هم من الرجال حتى الآن ، فإذا عددت أول خمسة في أي ميدان أدبي فلن تجدي امرأة مع أنها هي الملهمة ، وهي القادرة أن تغير العالم بيسارها كما يرى نابليون .............ثم إن أساتذة اللغة والبلاغة القمم هم وليس هن ...
وسأهمس لك سرًا أن معظم الكتابة النسائية فيه ركاكة لغوية ....
وكل هذا الكلام الذي يبدو قاسيًا لا ينفي عبقريات نسائية متميزة ، وخاصة في البحوث والنقد .....

هل هناك رؤى خاصة لأدب عربي شعرٍ قصةٍ روايةٍ يمكن أن تصنفها لنا على أساس الإبداع؟
- الأدب أدب ، ولا هوية له إلا الهوية الإنسانية ، وبقدر ما تكون المحلية صادقة فإن النص يلامس العاطفة ويراوح الخيال ويلبس ثوب الفكرة ، وتبقى لغة النص والأسلوب المؤدى - وهنا الأدب الذي هو أدب ....
كنت في مؤتمر نقدي ، وكان الأخوة يتناقشون حول نظرية نقدية عربية ، وعبثًا حاولت إقناعهم أن ذلك لا يتأتى ، فما دام العالم قرية كونية ، فإن كل نزعة محددة مقصودة ومبرمجة ستكون دون جدوى ، بل زبدًا تذهب جفاء .....
لماذا يعمد الفلسطينيون إلى النغمة الكنعانية لبيان سبق حقهم في فلسطين على الحق التوراتي ؟
إن الكنعانية والشعوب السامية المختلفة لها تراث ظل أثره في فلسطين ، ومن حق كل شعب أن يستلهم تاريخه . قال : الفلسطينيون ليسوا كنعانيين ...قلت له هذه مسألة تاريخية لندعها للمؤرخين ، فالأدب هو مشاعر وإحساس لا نحاسبه وفق التاريخ فقط ..

هناك اختلاف في أول من كتب في الشعر الحر , بين نازك و السياب , انطلاقا من دراساتك أيهما أسبق ؟

الدراسة لم تتناول مسألة الأسبقية ، وفي رأيي أن هناك من سبقهما في محاولات كثيرة كرفائيل بطي وأحمد باكثير وووو، ولكن البروز هو من حظ الأقدر والأشهر ، وقد حصل السياب على هذا القصب دون منازع ...
 




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home