القلم النقدي

 

شيفرة دافنشي أم شيفرة براون

حيدر هبر



 

شيفرة دافنشي أم شيفرة براون

حيدر هبر

DAVINCI CODE

شيفرة دافنشي أم شيفرة براون؟!

 

ربما لو وجدت اسم مؤلف هذه الرواية (ليفي شيتراوس) لما استغربت الأمر لما فيها من الأنثروبولوجيا والاعتماد الهائل على الميثولوجيا، والإبيجرافياEpigraphia.  وهو علم دراسة الآثار من خلال المباني والعملة والتماثيل والأواني والأدوات التي خلفها الأولون كما واستعان بـArchaeology . أو ما يسمى بعلم السجلات الصامتة. وهو دراسة مسيرة الإ نسان من خلال الوثائق في المواقع القديمة حيث يقوم علماء الآ ثار من خلال أساليبهم الفنية بالتعرف علي عادات ومعيشة وانجازات الشعوب في الماضي .

ليس من الضروري ذكر ما أحدثته روايته من ضجة في العالم عموماً علماً أن (براون) نفسه كان مفاجأة للجميع فليس له تاريخ روائي أدبي كبير. فلقد ولد عام 1965 (39 عاماً) وعمل مدرساً للغة الإنجليزية في المدارس الأمريكية حتى عام 1996، ثم ترك التدريس متفرغاً للعمل الأدبي وكتب 3 روايات قبل "شفرة دافنشي" لم تحقق ذات الشهرة لكنها اتسمت أيضاً بالطابع البوليسي والرموز أو المؤامرات فقد نستطيع القول بأن معظم رواياته السابقة كانت تدور في نفس المحور فرواية (حقيقة الخديعة) وهي رواية علمية تتحدث عن أحد أعظم اكتشافات وكالة الفضاء الدولية (ناسا) والذي يأتي الكشف عنه قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية التي يدخلها الرئيس الأمريكي المفترض ويواجهه أحد المناهضين لناسا والرواية تجري أحداثها في القطب المتجمد وربما يمكننا أن نعتبرها مقررات دراسية للمواد العلمية ,ولكنها رواية جيدة ومشوقة أما رواية( ملائكة وشياطين) وهي على نسق رواية (شيفرة دافنشي) ولكن بطريقة مختلفة حيث أن هذه الرواية تمثل الجانب السيء لاحد المنتمين (أومن المفترض أنه ينتمي لتيار مناصري العلم) ويكون الفاتيكان والدين يمثلان الخير, الرواية ممتازة جداً لمن يرغب بمعرفة العلماء والمبدعين القدماء المنتمين للتيار العلمي وكيف كانوا يبثون معتقداتهم وأبحاثهم عن طريق الفاتيكان وهو المسيطر على العالم في ذلك الوقت ومن يحارب العلم!!.أما رواية (الحصن الرقمي) فهي تختلف عن سابقاتها بحيث لأنها تدور حول أحد أجهزة الحاسوب العملاقة وقضايا التنصت التي تقوم بها الحكومة الأمريكية حول العالم, وكيف أن جنون العظمة وحب النجاح المنقطع النظير وحب الذات من الممكن أن يضحي بأرواح عدد من البشر وملايين الملايين من الدولارات، ونستطيع القول بأن هناك الكثير من الأفلام (الهوليوودية) تناولت مثل هذه القصص. أنا لست ممن يفضلون منع الكتب مهما كانت بل يجب أن ننفتح على المجتمعات ونعلم ما يحملون من أفكار، بل ويجب أن نطرح تلك الأفكار ونناقشها بمضوعية قدر الإمكان حيث أني سأحاول أن أتناول (شيفرة دافنشي) من الناحية الحِرَفية بعيداً عن الغاية المراد بها من ورائها حيث أن الروائيين الأمريكيين وبصورة عامة بدأوا بكتابة الروايات التي تكون جاهزة لتتحول إلى فيلم فور نشرها –إذا أثبتت وجوداً طبعاً- وهذا الأسلوب استُعمل من قبل الكاتبة (دانيال) في رواية (الوعد) كما وأن هذا الأسلوب السردي التصويري يعد قديماً لأن أول من قام بمثل هذا النمط هو الروائي الفرنسي (آلان روب غريه) والذي أثر عليه عمله ككاتب سيناريو ليحول رواياته كلها إلى كتابات أشبه بالسيناريو الجاهز ونحن في هذا المقام لا نحاول الوقوف مع أو ضد نمط أو أسلوب وإنما نطرح تساؤلاً ملحاً عما إذا كانت (شيفرة دافنشي) تستحق كل هذا الضجيج كعمل روائي أم لا، وهذا السؤال طُرح سابقاً بخصوص رواية (وليمة على أعشاب البحر) لـ(حيدر حيدر) فرواية براون ليست فريدة من نوعها بالقدر الذي استطاع من خلالها استفزاز أكبر عدد ممكن من القراء فلا أظن بأن هناك مراهقاً لم يستمتع بألغاز (أجاثا كريستي) البوليسية والتي كانت تحتوي على مؤامرات لمنظمات دولية خصوصاً في روايتها (موعد في بغداد) ولكن الفرق بالطبع جلي وواضح فلقد ترك (براون ) أسئلة كثيرة تحفز القارئ على البحث أكثر في المواضيع التي طرحها أي أنه ترك تساؤلات كثيرة ترك اجابتها على عاتق القارئ نفسه ولكننا لا نستطيع أن نعطيه السبق في هذا الأمر أيضاً حيث .سبقه في ذلك  "أمبرتو أيكو" بروايتين لكنها تكشف الكثير من الأسرار وتطرح الكثير من الأسئلة وأشهرها "اسم الوردة"  وقد كرر براون  أمراً يعد أسطورياً شائعاً في الغرب يشدد على الطبيعة الإنسانية للمسيح، إلى حد الخلط بين تصرفات إنسانية غير مثبتة عن المسيح، والتاريخ غير الواضح لجمعيات غامضة مثل جمعية "سيون" Sion Priory الغامضة والتي تُقرأ أيضاً "جمعية صهيون", مستنداً إلى تأويلات خاصة للخلاف على طبيعة السيد المسيح في مجمع نيقيا (تركيا, سنة 325م), وللأناجيل التي لا تعترف بها الكنيسة (مثل الإنجيل الغنوصي), ولـ"جمعية سيون" وتاريخ رؤسائها المفترضين مثل اسحاق نيوتن وليوناردو دافنشي وجان كوكتو, ولـ"مخطوطات البحر الميت", ولبروتوكولات حكماء صهيون, وللماسونية. ولعل النقطة الأكثر "استفزازاً", من وجهة نظر الكنيسة, ما يرد عن وجود نسل سري ينتمي إلى السيد المسيح, بناء على زعم زواجه السري من مريم المجدلية, والتي  دأبت جمعية "فرسان الهيكل" على صيانة أسراره. ويوحي الروائي بأن ملوك فرنسا من سلالة "ميروفينجين" الذين زعموا تحدرهم من المسيح نفسه, وأن لوحة "العشاء الاخير" لليوناردو دافنشي, تحمل اشارات سرية عن "الزواج" المفترض وما إلى ذلك. وأستطيع القول بأن ما يفاجأ به القارئ عندما يقرأ في بداية الرواية معلومات أدرجت تحت عنوان (حقائق) ليس من حق الكاتب أو الناشر أن يقوم بوضع كهذا وإن اعتمدت المعلومات الرئيسية على حقائق فعلاً فلقد اتهم الكثيرون براون بأنه اعتمد في استقاء معلوماته على كتاب غير موثق عنوانه "دم مقدس، كأس مقدسة". بالتأكيد لا يستطيع أحد أن ينكر تأثر الديانات بعضها بالبعض الآخر فالمتتبع لعلم الأديان المقارن سيجد بأن البولوثيزم (تعدد الالهة) أو مفهوم (الثالوث) أو الثالوث المقدس يعود إلى عصور سبقت السيد المسيح بكثير وهو يدعى باتحاد الآلهة ثيوكراشيا ( Theocrasi)حيث أن الإغريق كانوا يمارسون في مصر عبادة الثالوث (الآلهة المتحدة في إله واحد) في معبد السرابيوم إبان عصر البطالمة منذ عهد بطليموس الأول وكانت الآلهة الثلاثة الرسمية آمون – رع, و رع- حارا . وكانت هذه العبادة عقيدة إغريقية في الأصل. كما أن الهندوس تستند عبادتهم على ثالوث مقدس أيضاً يكون (البراهما) رأسه وهناك الكثير من المعلومات التأريخية – بغض النظر عن دقتها- بإمكان أي كاتب أن يستغلها لاستفزاز القراء أو- قراء معينين- كما ويمكن أن يخلق أي كاتب ماهر أنواع الشيفرات من خلال التأريخ البشري المليء بالحقائق والأساطير والغريب أن البعض يعتبر  بأن براون أثار الموضوع القديم- الجديد والذي يدل على كيفية تحريف الدين حيث جعلوه وثنياً - كالذي كذب الكذبة ولم يعرف كيف يحافظ عليها. بينما نجد براون قد تخبط بين التوحيد والوثنية فالطقوس التي كان يمارسها سونيير تدل على تقديس الأنثى والتي يرمز لها بالنجمة الخماسية وهي رمز وثني للالهة فينوس بينما يفترض أن تكون أخوية سيون أو صهيون الجمعية الوحيدة التي تؤمن بالله الواحد بل وتعتبر السيد المسيح بشراً كما أن الاضطراب يبدو جليا في كثرة ذكر (نظرية المؤامرة ) أو المؤمنون بنظرية المؤامرة  على لسان بطل الرواية (لانغدون) حيث يذكرها وكأنه ليس من المؤمنين بها وهو الذي ألف كتباً عن منظمات سرية سبقت عصر المسيح! ولكن نستطيع القول بأن براون حاول أن يأخذ القارئ في دوامة من الرموز ليصل بها في نهاية الأمر إلى نتيجة مفادها (تقديس الأنثى) أو تقديس الجنس نفسه وذلك ما يؤكده طقس (ييروس غاموس) والذي لا أظنه يعود إلى دين يحترم قدر الإنسان من حيث الطريقة التي تمارس بها وإن كانت هذه الطريقة أو الطقس يمارس كل 2000 سنة هذا بالإضافة إلى طرحه لطريقة اتحاد الأنثى بالرجل والتي مثلها بالسيف والقدح ليكوّن في نهاية الأمر مثلثين يتحدان ليكونان نجمة داود ! من الممكن أن نقول بأن الكاتب أراد من (الغريل) هو استمرار نسل السيد المسيح – إذا كان ثمة نسل- والذي يحرسه السيف والكأس المتمثل باتحاد الأنثى والرجل عن طريق العملية الجنسية ومن ثم استمرار النسل وبقاء (الغريل) ولكن الشكل المنطقي للاتحاد المزعوم يجب أن يكون بمثلثين متداخلين وليس متدابرين فنجمة داود عبارة عن مثلثين متدابرين أما المثلثان المتداخلان أو (المتجانسان) سيكون أحدهما في وسط الآخر أي مثلث يدخل به مثلث.

وبهذا يجعلنا براون نرتاب من نواياه بطريقته الملتوية للوصول إلى نتيجة يرغبها البعض ويرفضها الكثيرون فمن يطالع التأريخ البشري سيجد العجائب مثل النسبة المقدسة التي افترضها براون (الفاي) حيث نجد أن أبراكسيسAbraxis .  كلمة إغريقية حروفها عبارة عن قراءة للرقم 365.  وكانت تكتب فوق الصخور. وكانت تستعمل كتعاويذ. وهذا العدد كان يشير إلى أن السموات عددها 365. ومن الممكن أن نربطها بأيام السنة الميلادية!! كما أن أبيس Apis . لقب العجول المقدسة التي كانت تدفن في مقابر السرابيوم بسقارة وكان عجل أبيس يرمز للخصوبة وكان يعبد في (منف) واعتبره قدماء المصريين روح الإله بتاح. لهذا كان يتوج بوضع قرص الشمس بين قرنيه. فهل يحق لنا بأن تقديس العجول عند الهندوس قد أخذ من المصريين؟ وربما لو اطلع براون على تأريخ الأدب العربي لوجد البيت القائل:

إذا الحمائم ما يخدن بنفنف             إلا شققن عليه ثوباً أخضرا

يحملن مثل الروض إلا أنها              أسبى مهاةً للقلوب وجؤذرا

حيث أن الشاعر أراد تشبيه المرأة بالحمامة التي أينما حطّت نشرت الخصب والنماء وبالطبع كان هذا البيت سينفع براون في شيفرته ‍وغير ذلك من ثقافات وأديان الشعوب التي لا تعد ولا تحصى، أما ‍‍ بالنسبة لتهجمه على الكنيسة فهذا كان من الأسباب المهمة التي أدت إلى انتشار الرواية بهذا الشكل العجيب فمن المؤكد بأن أي كاتب عربي مبتدئ يستطيع أن يثير ضجة في العالم العربي بمجرد كتابة رواية مستقاة من حقائق تأريخية  تدين بعض الصحابة أو بعض الدعاة في عصر معين من التأريخ الإسلامي المليء بالحوادث وهنا تجدر الإشارة إلى ما ذكره (أسامة أنور عكاشة) حيث قال (عمرو بن العاص من أسوأ الشخصيات التي ذكرها لنا التأريخ الإسلامي) بينما نجد الكثيرون يعتمدون روايته للحديث والسنة!!

 يبدو أن بداية فكرة رواية "شفرة دافنشي" جاءت عند قيام دان براون بدراسة الفن في جامعة أشبيلية في أسبانيا حيث تعلم بعض ألغاز لوحات ليوناردو دافنشي.. ولعل تأثيرات (بلايث) زوجة الكاتب الرسامة ومؤرخة الفن واضحة في الرواية؛ حيث يمزج الكتاب بين تاريخ الفن والأساطير، ويقدم قراءات جمالية ممتعة لكنائس باريس وروما ولأعمال ليوناردو دافنشي.كما ومما يجدر الاشارة اليه أن هناك شركة سياحية استثمرت رواية براون(ملائكة وشياطين) للترويج عن الأماكن التي جاء وصفها فيها بخصوص الأماكن الدينية في الفاتيكان وهذا يذكرنا بعقدة النجاح الأمريكية أو التفكير (البراغماتي) الذي يسعى دائماً إلى المال والنجاح بغض النظر عن الطريقة.ولا ننسى بأنه جعل (التروبادوريون) من ضمن الأخوية وهم الذين ذكر التأريخ بأنهم نتاج تأثر الحضارة الأوربية بالأندلس وهذا دليل على قابلية أي كاتب على التلاعب بالمسميات فضلاً عن الرموز والأرقام .

وعوداً إلى الأمور المريبة التي تصنع في الولايات المتحدة سواء على مستوى الروايات أو الافلام أود التنويه إلى مقال لي لم يجد سبيله للنشر أيام حكم الطاغية وكان عبارة عن نقد لفيلم (الميتركس) حيث أثارتني الأسماء التاريخية والغريبة التي اختارها كاتبا السيناريو وتساءلت إن كانت مجرد اختيارات عشوائية ولكن بعد البحث وجدت بأن (نيو) معناه جديد أو مبتدئ. (ميتريكس)- فضلاً عن معنى مصفوفة- : معناه المنبت أو المنشأ أو الرحم. (مورفيوس): معناه إله الأحلام عند الإغريق.  (ترينيتي): الثالوث الأقدس "الأب..الابن..والروح القدس" (سايفر): معناها صفر بالعربي، وأهم نقطة على الإطلاق وأكثرها إثارة للريبة هي تسمية (سيون) " Sion" في الرواية وتسمية  "زيون" "Zion"- والتي تقرأ بالعربية صهيون-..و هي كما قال الفيلم بأنها آخر أرض للبشر.كما وأتساءل إذا لم تكن هناك مؤامرة فلماذا نجد بأن عنوان الموقع الذي نجد فيه أعمال براون – المكتوب على ظهر الغلاف في المؤخرة- باسم (نيل فرات دوت كوم)!!!

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home