مقال

 

شم النسيم في مصر

حجاج سلامة



اهتم قدماء المصريين بقدوم فصل الربيع فكان مناسبة لديهم لإقامة أفراح عظيمة تغنى فيها أناشيد جماعية تنشدها السيدات النبيلات المشتركات في المواكب مع أصوات القيثارات وأغاني الغرام والأناشيد المصاحبة لحركات الرقص.

 

وقد احتوت السنة المصرية القديمة على العديد من الأعياد التي ارتبطت بالتقويم مثل رأس السنة وأعياد كل شهرين وبدايات الفصول. وكان من بين تلك الأعياد كما يقول الباحث الأثري المصري فرنسيس أمين ، عيد " الشمو" الذي يعرف اليوم باسم "عيد الربيع" أو "عيد شم النسيم" كما كان عيد الإله "مين" إله الخصوبة في مصر القديمة من بين الأعياد التي احتفل بها قدماء المصريين في فصل الربيع.

 

وكان تمثال الإله "مين" يقام غالباً وسط مربع من نبات الخص وكان الربيع الذي يغير معالم مابين الفصول عيداً عند المصري القديم لارتباطه بالشمس والنهر. وكانوا يتناولون فيه السمك والبصل والبيض وصارت تلك المأكولات مظهراً ثابتاً من مظاهر الاحتفالات بأعياد الربيع في مصر منذ نهايات العصر الفرعوني وبدايات العصر القبطي وبات تناول المصريين لتلك الأطعمة من العادات الباقية حتى اليوم. وأضاف فرنسيس أمين أن المصريين عرفوا أيضا في تلك الفترة من السنة أكل السمك المجفف "الفسيخ" فكانوا يستخدمون سمك قشر البياض في إعداد الفسيخ وكانت مدينة إسنا في جنوب مصر والتي تضم معبداً اثرياً ضخماً ومعالم أثرية إسلامية وقبطية من المدن الشهيرة في صناعة وتقديم الأسماك المجففة كنذور للآلهة داخل المعابد. حتى صار السمك المجفف رمزاً للمدينة في العصر البطلمي وصار اسمها "لاثيبولس" أي مدينة سمك قشر البياض.

 

وقد عرف المصريون عدة أنواع من الأسماك التي رسموها على جدران مقابرهم مثل سمك البوري والشبوط والبلطي والبياض. كما عرف المصريون البطارخ منذ عصر الأهرام. وفي أحد الأعياد كان جميع أفراد الشعب يأكلون السمك المقلي أمام أبواب المنازل في وقت واحد. وكانت مظاهر الاحتفالات بقدوم الربيع تقام دائماً على ضفاف النيل ووسط الحدائق والساحات المفتوحة وهو الأمر الشائع لدى جموع المصريين حتى اليوم.

 

وقال الباحث المصري  أسامة طنطاوى أنه كان للزهور مكانه كبيرة في نفوس المصريين. إذ كانت زهرة اللوتس هي رمز البلاد. كما كان يقدمها المحبوب لمحبوبته.

 

وتزخر مقابر مدينة الأقصر الأثرية الفرعونية بالصور المرسومة على جدرانها لصاحب المقبرة وهو يشق طريقه في قارب وسط المياه المتلألئة بينما تمد ابنته يدها لتقطف زهرة لوتس.

 

وكانت أعواد اللوتس تقدم ملفوفة حول باقات مشكلة من نبات البردي ونباتات أخرى. كما تشكل باقات الورود اليوم كما ترى أعمدة المعابد الفرعونية مزخرفة في طراز "لوتسي" يحاكي باقات براعم الزهور. وقد صور المصريون أنفسهم على جدران مقابرهم ومعابدهم وهم يشمون الأزهار في خشوع يرجع بعضه إلى الفرحة ويوحي بسحر الزهور لديهم.

 

وقد حظيت زهرة اللوتس كما يقول  أسامة طنطاوى بمكانة كبيرة لدى قدماء المصريين فكانوا يطلقون عليها اسم الجميل. وكان المصري يقضي أكثر الأوقات بهجة في فصل الربيع وكانوا في ذلك الفصل يحرصون على ارتداء الملابس الشفافة ويهتمون بتصفيف شعورهم ويزيدون من استخدام العطور والادهنة لإظهار مفاتنهم. وهكذا كانت وستظل عودة الربيع التي تتميز بتفتح الزهور تقابل دائما بفرح وترحاب من عامة المصريين وخاصتهم على مر العصور.

 

يذكر أن قدماء المصريون اعتادوا الاحتفال بالأعياد للخروج من حدود حياتهم الضيقة إلى عالم أكثر بهجة ورحابة. وقد سجلت نقوش ونصوص معابد مدينة هابو الشهيرة غرب الأقصر كما يقول رئيس قطاع الآثار المصرية الدكتور صبري عبد العزيز طقوس وأحداث 282 عيدا عرفتها مصر القديمة عبر الزمان.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home