خاطرة

 

دموع على رصيف العمر

الياس القرقوري



 كنت أعرف

وكنتِ مثلي تعرفينْ

بأنّ لقاءنا لن يجاوز الأسبوع

وإن طال فبيوم أو يومينْ..

كنت أعرف وكنت مثلي تعرفينْ..

فلما دموعك اليوم ولما تصرّينْ

على أن يكون الجرح في قلبي جرحينْ...

أنا قادم من مدينة الحزن يا حبيبتي

فلا تخشي عليّ من سوطه اللّعينْ..

ولكن ليس من حق الحزن

أن يمسّك أنت ولو في هدب العينْ..

ليس من حقه أن يمزّق جفونك بدموع

هي في قلبي كنصل السكينْ..

تدمّرني..تبعثرني..

وتشطر عمري إلى نصفينْ..

أعرف أنه من الحمق لوم الحزن..

وأعرف أنّ الحزن طفل مسكينْ..

وُلد وحيدا.. وعاش وحيدا..

ولو عرف الحب

لأقسم بألاّ يقترب من قلوب المحبّينْ..

ولأطال عمر لقاءنا إلى مئات السّنينْ..

كنت أعرف هذا

ولكنك لم تكوني مثلي تعرفينْ..

 

***

 

هذه الشمعة نسيناها..

أنت عادة لاتنسين إشعال الشموعْ..

زرقاء كعينيك كانت تشتعل

وكعينيك أيضا كانت تذرف الدموعْ..

إبتسمتُ فإزداد بكاؤكِ..

قلتِ خبئني بين ذراعيكَ

خبئني من المجهولْ

خبئني من عيون لا تحمل إلاّ نظرات الشهوة والجوعْ..

لستُ قدّيسة.. أعترف بذلكْ..

وجسدي كان دائما يسكن تحت جناحكْ..

ولكن بلا تذلّل ولا قسر ولا خضوعْ..

أتذكرُ كم ثرنا.. وكم تمرّدنا

وكم أسقطنا من أوراق التوت

على خناجر الممنوعْ..

هي رحلة كنّا نقطعها نحو السعادة..

وخطأً إعتقدنا بأنّها ذهاب دون رجوعْ..

فالحبّ بطيبته أو ربّما من قسوته

كان يُنسينا أحيانا بأنّ لقاءنا لن يُجاوز الأسبوعْ..

ثم صمتِّ وكنت صامتا

كنّا صامتين

وللصمت في حضرة الحزن خشوعْ..

 

***

 

اللّيل في أقسى ظلماته..

ومع الرّيح زخات من المطرْ..

عندما تشابكت أيدينا أمام بوّابات القطرْ..

طبعتُ قبلة على جبينك

وفي المآقي دمعة تنحدرْ..

وأحسستُ بفمك مرسوما على عنقي

كقطعة من الجمرْ..

رفعتِ إليّ عينيكِ

وسألتِني بصوتك المنكسرْ..

هل هذه دموعكَ تسيل على خدّي..؟

كلاّ.. قلتها كاذبا..

إنها حبات المطرْ..

حبات المطرْ..

ثم ضممتك إليّ سريعا

لأُخفيَ عنك ملامح وجهي..

لأخفيَ عنك ما لو رآه الصّخر لإنفجرْ..

وبمنديلك الأبيض أوقفتِ نزيفي..

ترى..من بعدك سيضمّد الجرح في جرحي

و يُعيد للرّوح منها ما إنتثرْ..

من بعدك سأواجهه بأفكاري وهواجسي

فمرّة أكون الخاسر ومرّة أكون المنتصرْ..

من بعدك سيشعرني أني بحضرة أنثى

تُجيد الحكايا وتلوين القمرْ..

وتعزف على المشاعر قبل الوترْ..

للسؤال طعم المرارة في حلقي

وللإجابة طعم أمَرْ..

 

***

 

ولكننا سنلتقي مرّة اخرى أليس كذلك..؟

قلتِها..وغيوم الدموع تُغشّي زرقة عينيك وتنهمرْ..

حتما.. سنلتقي حتما..

ربما ذات ربيع أو ذات إكتمال قمرْ..

سنلتقي.. حتما سنلتقي..

مادام في العمر بقية من عمرْ..

ولكن لا تودّعيني باكية

فيكفيه القلب ما تحطم وما إنكسرْ..

 

***

 

وبدأتْ عجلات القطار تسيرْ..

كتلك الأيام كهذا العمرْ..

وصورتك بدأتْ تُغيّبها عنّي أيادي القدرْ..

ونفرتْ الدماء من أنفي مرّة أخرى

مختلطة بالرّصيف وبالمطرْ

ولكنّي صرتُ الآن وحيدا

فأين كفكِ وأين منديلك الأبيض

يا من تركتِــني أحتضرْ..

لقد مضتْ سريعة بعيدة عنّي

كتلك الأيام.. كهذا العمرْ.

 




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home