قصة

 

لم نعرف للطفولة زمنا

ابراهيم جادالله



" لم نعرف للطفولة زمنا ً "

قصة قصيرة

إبراهيم جادالله *

********

 

              تجلس بجوارى الآن رائق البال ، لأنك ياصديقى جاد فى تعاملك مع أبنائك . أما أنا ..فبالله عليك ، لك أن تتصور أن ابنى لا يريد أن يكبر أبدا ، يود العودة لطفولته ، هل تعرف ماذا يخاطره هذه الأيام ؟ . إنه دائم الاستفسار عن شعوره بأننى لم أعد أحبه كما كنت أفعل أيام كان طفلا ً .،  أوكما يحب الآباء أبناءهم ، فالذين يشاهدهم من آباء أصحابه ، وآباء الأولاد فى المسلسلات التليفزيونية يحبون أولادهم بطريقة مختلفة ، يضم الأب ابنه ويحضنه ويقبله ، ويخاف عليه من الهواء الطائر ، ومن النسمة العابرة ، أما أنت. تخيل ياصديقى . يشير إلى صدري بمشاعر باردة ويقول :

( أما أنت )،يؤنبنى  فلا أدرى كيف ؟ : منذ زمن لم تضمنى ، منذ سنوات طويلة لم تعد تسمح لى بالجلوس على ركبتيك ، وأن أرمى رأسى فوق صدرك كلما تعود من سفرك المتكرر ، .وأنت  ياصديقى تسافر  مثلي كثيرا وتغيب طويلا ً ، إنه يتفوه بأشياء أعجب كيف يحملها برأسه . يقول لى :"إنك ياأبي تعانقنى كما تعانق أخاك الأكبر . أو كما تعانق أصحابك الرجال ، أتمنى لو أجلس على ركبتيك وأضع رأسى على كتفك ، لماذا أشعربأنك تتضايق من اقترابى منك ؟ أأنا ثقيل إلى هذا الحد ؟  إذا كنت ثقيلا فلأذهب باحثا عن أب لا يحس بى ثقيلا ً ."

      تضحك ؟. أم تسخر ياصديقى ؟ تصور أن يقول لك ابنك هذا الكلام ثم يلقي بنفسه فى حضن أمه ، فتحضنه وتشده بقوة كالهاربات بأطفالهن من طوفان الماء فى ( تسونامى)  بأندونيسيا وسيريلانكا ، ماذا كنت ستفعل به ؟ هل تسمح بتلك الميوعة ؟ لقد صار الولد شابا ً ، فى مثل طولى أو يفوق قليلا ً ، ويرغب فى أن يظل طفلا يُحمل على الركبتين ، ويُطبطب فوق ظهره ، بالله عليك ألديك القدرة على حمل أحد أبنائك على ظهرك كما كنت تفعل حين كان طفلا صغيرا ؟

   هل تذكر ماضينا ؟ هل تذكر أصدقاء ورفاق عمرنا ؟ أتذكر مرة واحدة مذ وعيت  يناديك أبوك .ياحبيبي ؟ لا أعتقد ، وأنا لا أذكر آخر مرة لمَسَت فيها يد أبي رأسي ، وآخر طبطبة ٍبيده على كتفى .

         كنا شيئا ً آخر غير هؤلاء الأولاد  ، لن يتكرر زماننا ، كنا نصنع بندقية الخشب ، ونحفر الخنادق الصغيرة ، ونشكل فرقا لقضاء حوائج البيوت عندما تنطلق صفارات الإنذار أيام الحرب ، ولا يسمح لأحد بمغادرة المنازل المطفأة الأنوار ، أتذكر أنا كنا ننصِّب أحدنا زعيما لنقذفه بالطماطم المتعفنة ’ نرى فيه الخذلان القاسى لحلمنا الأخضر المتبرعم ،  ونرجمه بكرات القش ونحن نصيح فى وجهه : "  بعت الشعب وأهل الدار / يابو رقيبة ياغدار "، ونصَّبنا آخر زعيما بلباسه العسكرى ، وأجلسناه فوق دكة عالية عند فوهة الشارع كى يصرخ فيه أحدنا بصوته الطفلى  :" ياديوس ياديوس .. بعت الوطن بالفلوس ". هل كان هذا فى حاجة إلى حضن أبيه وقبلاته ؟ ، وهل كانت تلك طفولة ؟ .

          أقول له : يا ابنى . الدلع للبنات ، شقيقاتك هن أولى بذلك منك ، أنت شاب طولك طول النخلة ، وعليك معاركة الأيام . لقد كنا وكنا ،ولكنه لا يدعنى أكمل مقارناتى ، فيروح عنى غاضبا ً ساخطا ً . لينكسر قلبى لحزنه المصطنع ، تعرف أنه وحيد ، أول شقيقاته الثلاث وأكبرهن ، ولا يطيعنى قلبى بالغضب منه ، هو حلمى الذى تمنيته قبل مولده ، وحتى قبل الارتباط بأمه بسنوات ، وأسميته بإاسم صديق فلسطينى مناضل . تشبه حالى حاله  ،من اغتراب ومنافى بعيدة وقلق دائم  ،هكذا تماما  ، قل يا صاحبى ماذا أفعل ؟ إنه لا يطلب شيئا إلا ويحصل عليه  ، كل أمنياته أوامر ملباة ، ، يلبس أفضل من أقرانه ، ويأكل ألذ الطعام الذى تخفيه أمه عن شقيقاته ، ويلعب ، ويقضى زمنا ً طويلا ً مع الكمبيوتر والأنترنت والرحلات والدروس الخاصة ، وكل ماحرم منه جيلنا يتوفر له ، هل تذكر زميلنا الذى عقد عزمه على كلية الهندسة ، ولم يفُتَّ فى عضده بخل أبيه عليه حتى بغطاء ثقيل  .بديلا عن البطانية العسكرية الكثيرة الثقوب،.التى كان يخفيها تحت سريره ، وقت أن كان يزورنا غريب عنا بمسكننا أيام الجامعة ؟ لو توفرت لنا أيامها ما يتوفر لهؤلاء الأولاد الآن ،لكنا كسَّرنا الدنيا ، أقمناها وأقعدناها ، أليس كذلك ؟ .

          كم تمنيته جادا خشنا فى مظهره ، يجهر بالحقيقة التى يراها مهما كلفه صوته من مشاق ، كم تمنيته يقود تظاهرة ، يحرض أبناء جيله على توخي الحذر من الطوفان القادم . شقيقته الصغرى ثالث أيام احتلال جنين فى الضفة الغربية . حملتها زميلاتها ، وردات جميلات ،حناجرهن لاتتسع إلا لحبات السمسم ، زعقن خلفها بصوت لم ينضج بعد ، تستبدل رغما  ً عنها حروف الراء لاماً،  ليصل الصوت هادرا ً إلى طفل الأرض المحتلة المنهوبة :

  "إرمى طوبة بعد طوبة /

 المعركة على طول منصوبة/

 يمكن طوبة تصح وتعدل /

 كل الأوضاع المقلوبة ،"*

وجاءت مساء غاضبة متجهمة ، ولما سألتها أمها عن سبب ذلك . قالت : "إنها لم تر عساكر يطاردونهم بالهراوات، ولا خراطيم مياه كالتي تراها فى التليفزيون تندفع فوق رؤوسهم كيف بالله عليك تنمو الجدية برأس شقيقته الصغرى  ،وهو لايعبأ سوى بمباهجه الصغيرة ؟ .

           انا لا أشكو ، لكنه اعتراف بالحقيقة . فماذا أفعل مع هذا المدلَّل الوحيد على شقيقات ثلاث . صغراهن تبهج الروح لذكائها المبكر وجديتها التى لا تناسب جنسها او عمرها ؟ . أمري إلى الله وحده .

ـ  ياصديقى . استعن بالله  -كما أنت - دائما على بلواك ،فأن تحلم  بصوت مسموع فهي  علامة عافية بنفسك ، إنها أحلام اليقظة . تلك التى حفظت لك توازنا ً فى بحر الحياة الهائج ، وما مصيبتك فى ولدك الوحيد المريض إلا وقود عزيمتك التى لم تلن ، وروحك التى لم يخب منها صهيل الأمل ، برغم عقدين من العمر مضيا ووحيدك فى المنطقة الرمادية مابين الحياة واللاحياة ، وانت بها قانع وصامد خلف زوجة تقودك إلى رضى وطمأنينة لا تنطفىء أبدا ً ، وافرح بصغرى بناتك التى تراها تعيد سيرتك الأولى إن كنت هكذا تريدها .

(( تمَّـــــــــــــــت ))

 

.*  الأبيات لشاعر مصرى صديق وردت على صدر ملصق كبير أسفل صورة طفل فلسطينى يرمى لصوص داره بطوبة ، والملصق معلق على شباك سرير صغرى بناتى الثلاث .

        

* كاتب روائى مصرى ، وخبير الدراما بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم سابقا ً

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home