قصة

 

نرجس

عدي بلال



" نرجس "

قصة قصيرة

عدي بلال

****

في هذه الأثنــاء ، وأنـا أنتظرهـا أن تتصــل ، أجلس وحدي على مكتبي ، أمســك هاتفي المحمول ، أتلاعب بــه ، أغـافله ويغـافلني .. وأترقب تلك الإضاءة الخافتة التي تعلن عن ميلاد رنــة ٍ أحلــمـ بهــا منذ ســاعات الصباح الأولى ..
في هذا الصباح ، ستتـغير أشيـــاء كثيرة ، وتنقلب قصــة حيــاتي إلى الطرف الآخر ، لتعلن أحد الأمرين سعــادتي أو شقائي ..
تمـر الساعـات كأنهــا دهرآ ، وتتزاحم في رأسي الأسئلة ، تـأخذني إلى أعالي الأمـل ، وتهوي بي إلى سحيق اليأس والفشل ..
مضت أكثر من سنــة ٍ على أول تحيـة صباح ٍ أهدتني إيـاهـا ( نرجس ) ، ولا تزال كلمــاتهـا لحنا ً أتراقص معه في كـل صباح .
بالأمس فقط .. تجردت من شرقيتي ، وألقيت بكـل غرور الرجـل جانبآ ، وأخبرتهـا بأنني معجب بهـا منذ اللحظة الأولى التي سمعت بهـا صوتهـا . لا أدري لمَ أشعـر بأننـي أعرفهـا منذ سنيـن ، وبأن تلك الضحكات قد غازلت مسمعي ، قبـل هذا الحيـن ، ولا أدري .. أي شجاعـة ٍ تلك التي تملـّكت قلبي البارحة ، فقط شعرت بلسـاني ينطقهـا دون رقيب ٍ أو حسيب .
سـاد الصمت بيننـا ، وارتجف قلبي في داخل صدري ، رعشة ٌ أصابت أطراف اصابعي ، وأنـا أنتظر تبعـات تلك اللحظة ، لحظة الشجاعـة ، خـُيـل إلي ّ بأنني سأفقدهـا إلى الأبـد بعد تلك الكلمـة ، التي أبت إلا ّ أن تولد من رحم شفاهي البارحة .
لحظات صمت ٍ ، كأنهـا الدهر طولا ً ، وهواجس خوف ٍ وترقب ٍ ، تعصف بكـل كيـاني .
وبكـل أنوثة حواء ٍ ، وحيـاء الكلمـات ، سمعتهـا تنطق باسمي المجرد من أي نعت ٍ أو لقب ٍ .
قالت :
 "-
لا أنكـر بأنـك قـد شغـلت جزءا ً كبيرا ً من خيالي ، وبأنـك قـد مـارست عليّ سحـر كلمـاتك ، أرددهـا بيني وبين نفسي كـل صباح ٍ ، كـل مسـاء ، مشـاعر متنـاقضة تضطرب في داخلي ، رهبـة ًمنــك ْ ورغبـة ً في سمـاع صوتـك ، ولكن أرجوك بأن لا تربكني أكثـر ، أعدك أن أتصـل بك َ في الصباح .. ".
وهـا هي ساعـات الصباح تمشي الهوينى ، لا عجـل ، وتطفو على بحر فكري تساؤلات ٍ كثيـرة .
-
"هـل حقـا ً أحببتـهـا .. ؟! أم أنهــا مجرد رغبـةٍ في الحديث معهـا لا أكثر ..؟! "
لعلـي أبـالغ بحقيقة مـا يدور في خلدي ، أم أنهـا مجـرد أيـام ٍ وستصبح ماض ٍ ، ربمـا هي أكبـر من هذا كلـــه ..
حاولت أن أسترخي في مقعدي ، وأشــاغل نفسي بأمور العمـل كي أرتـاح من عذاب الفكـر والانتظــار ، ولم يخلُ الأمـر
من محاولات ٍ لاختلاس النظـر إلى هذا الهـاتف ، الذي أصــابه البكمـ في هذا الصباح .
استسلمت لعنـان فكـري ، وأغمضت عينـي ّ ، لأعـود إلى نقطـة البدايـة ..
 "-
نعم أحبهـا .. وتعلـّقت بهـا ، ولمـ يعـد للهروب من حبهـا سبيـل ، برغمـ كـل محاولاتي – الفـاشلـة – للهروب من مشاعري لهـا ، أمـا الآن .. أعلنهـا على نفسي ، بأنني أحببتهــا ، وانتهى الأمـر ..
سأطلب منهـا أن ألقاهـا الســاعة ، وبمجرد سماعي لصوتهـا ، ولن أستسلم لأعذارهــا ، ولكن ..
مـاذا لو لم تتصـل .. ! "
هززت رأسي يمنة ً ويسرى ، ونفضت جسدي من على الكرسي ، محاولا ً طرد هواجس عقلـي ..
 "-
يجب أن تتصل ، فلا زال في داخلي الكثير ، لأهديهـا إيـاه .. "
وبدون سابق إنذار علا رنين ذلك الســاكت منذ ساعات الصباح الباكر ، مـددت يدي إلى الهاتف لأرى اسمهـا ينيـر تلك الشاشة الصغيـرة ، وبين الخوف والرجاء ، قلت بصوت ٍ خافت :
-
أهلا ً وسهلا ً يا ( نرجس ) .. كيف أصبحت ِ ..؟ وكيف حالك ..؟ و..
تبسمت وهي ترى بعثرة كلمـاتي ، وشتات فكري ، وارتبـاكي ، وقــالت :
-
إهدأ .. إهدأ يا ( حبيبي ..(
 "-
هل سمعت أذناي كلمـة ( حبيبي ) .. أم أن حرارة جسدي أوصلتني إلى عالم الهذيـان؟ "..!
قلت لهـا :
"-
بمَ ناديتني قبل قليـل؟! "
 )-  
حبيبي ) .. هـل سمعتهــا الآن جيدا ً؟ ".. !
"-
أتعلميـن .. ! أريد أن أراك ِ الســاعة .. ولا تترددي في القبول ، أرجوك ِ "..
 "-
سأقابلك بعـد سـاعة ٍ ، في الحديقة العـامة ، قرب ( النافورة (."
 "-
ولكن كيف سأعرفـك ِ .. ؟ لا تنسي هذا لقـاءنـا الأول ."
ابتسمت وقالت :
-
"لم أنس .. أنــا سوف أعرفـك . مع السلامة .."
-
 "مع السلامة "..
لوهلـة ٍ .. اعتقدت بأن ما حدث هو مجرد أحلام يقظة ٍ ، قد شقت طريقها إلى عقلي . ولكن سرعـان ما أدركت الحقيقة .
نعمـ .. هذه حقيقة لا ريب فيهـا ، وموعدي معهـا بعـد ساعة .. ما أسرع الســاعة في جريانها الآن ..
نزلت مهرولا ً من المكتب ، وعند ( بائع الورد ) توقفت استجمعت أنفاسي ، وطلبت منـه وردة ًجورية ً ، فلبى طلبي وسرعان ما قصدت الحديقـة ، وقعدت على إحدى الأرائك ، التي اصطفت حول تلك النافورة ..
هـا قد عاد الزمان إلى خمولـه ، وعقارب الساعة تمضي بتثـاقل ٍ لا مثيـل لـه ، وأنــا أنتظـر .. وأتســاءل ..
"-
وصفت لي نفسهـا ، طولهـا ووزنهـا ، ولون عينيها وصفاء بشرتهـا ، ولكن .. أبدا ً لم ترتسم بداخلي تلك الصورة الكاملـة عنها . أحب عقلهـا ، ورومانسيتها ، وخوفهـا علي ّ ، أنوثتهـا .. نعم أحبهــا ."
وفيمـا أنـا أنتظر .. وإذ لاحت من بعيــد ( نرجس )  .. مهلآ ..! هذه ( نرجس ) ابنة الجيران ، ليست نرجسي ..
حاولت أن أتفادى رؤيتهـا لي ، ولكن ..
"-
أهلا ً .. كيف حـالك ..؟"
حاولت جاهدا ً أن أتظاهر بمفاجأتي لرؤيتهـا ، واجتاحت عقلي صورٌ كثيـرة ، وتساؤلات ٍ أكثر ..
ماذا لو حضرت ( نرجس ) الآن ، ورأتني مع هذه الـ ( نرجس ) .. ! يا إلهي أخرجني من هذه الورطة ، وبكـل تصنع ٍ ابتسمت
لهـا وقلت :
"-
أهلا ً يا ( نرجس ) ، أنـا بخير والحمد لله .. وأنت ِ ..؟"
 "-
سعيدة لأني أتحدث إليــك "ْ .. قالت جملتهـا الأخيرة ، وحمرة قد علت على وجنتيهـا ، فأطرقت رأسها إلى الأسفـل خجلا ً.. ..
"-
وأنـا سعيد ٌ لهذه الصدفـة ، هـل تنتظرين أحدآ ..؟"

 كنت أدعو الله أن تقول ( نعمـ ) ، كي تنصرف قبـل حضور ( نرجس) إلى الحديقة .. يا إلهي سوف يجن جنونهـا لو رأتني مع هذه الـ ( نرجس ) في أول لقـاء لنـا ..
"-
نعم .. أنتظر . ويبدو بأنـه موجود ، ولكن لا يراني ..!"

 قالت ( نرجس) جملتهـا باقتضاب وعصبية فشلت في إخفائهـا ..
"-
لعلك ِ واعدتـه في مكـان ٍ آخـر ..؟"
ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت :
"-
ربمـا .. وأنت ْ ..! أتنتظر أحدا ً ..؟"
عبثا ً حاولت إخفاء ارتباكي ، ولكنني .. تنحنحت ُ وقلت لهـا :
"-
أجـل .. إنـه اللقـاء الأول لي مع فتاة أحلامي ، وهي على وصول ، واخشى أن تراك ِ معي فتذهب بها الظنون ..أعذريني على صراحتي معــك ِ" ..
تبسمـت لي وقــالت :
"-
لا عليك .. لا عليك .. وهـل تراهـا الآن ..؟!"
جُلـت بنظري الحديقـة بأكملهـا ، ثم قلـت :
 "-
ليس بعـد .. ولكنني سأشعـر بهـا بمجرد وصولهـا إلى الحديقـة .."
 "-
متأكـدة أنـا من ذلك .. متأكدة .."
"-
أتظنيـن بأنهـا ستأتي ..؟"
 "-
لاأظن .. ليس من جديـد ...! "
قالت جملتهـا الأخيرة ومضت في طريقهـا ، وابتعدت عن الأنظار ، وتركتنـي في حيرة ٍ من ردهـا ..!
قلت :
" -
حقـا ً ليس كـل ( نرجس ٍ ) ... ( نرجس ) ، آآه ٍ .. أين أنت ِ يــا ( نرجس ) ...؟!"

****
 (( تمت ))




 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home